على أنقاض المساجد المدمَّرة.. غزة تستقبل رمضان بالأمل والصمود

شدوى الصلاح | منذ ٩ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بينما تفوح رائحة البارود من أزقة قطاع غزة تحت وطأة "سلامٍ زائف" ومزاعم وقف إطلاق النار، وفي ظل الدمار الذي ما زال ينال الأرض رغم الاتفاق، يحلّ شهر رمضان المبارك على السكان المحاصرين حاملاً معه تحديات جديدة ومعاناة مضاعفة.

ورغم قسوة الظروف وسط الدمار والحرمان، يتمسك الغزيون بروحانيات الشهر الفضيل، معبّرين عن صمودهم وإصرارهم على الحياة؛ حيث يمتزج الألم بالأمل في مواجهة الواقع اليومي الصعب.

ورغم ثقل الفقد والدمار، يواصل أهالي غزة صناعة تفاصيل رمضان بما تبقى لديهم من أمل وإيمان، محوّلين الخيام إلى مساجد صغيرة، والركام إلى مساحات للحياة. فبين أصوات الدعاء وضحكات الأطفال، يصرّ الغزيون على أن الشهر الفضيل ليس مجرد طقس عابر، بل مساحة للمقاومة الروحية والتشبث بالحياة في وجه الألم.

وفي زمن تختلط فيه مشاهد المعاناة بصور الصمود، يبدو رمضان في غزة رسالة صامتة تقول: إن الإرادة الإنسانية أقوى من الحرب، وأن نور الأمل يمكن أن يضيء حتى بين أنقاض مدينة أنهكتها المآسي.

وفي مساء 17 فبراير/شباط 2026، أعلن المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية، رئيس مجلس الإفتاء الأعلى محمد حسين، أن يوم الأربعاء هو أول أيام شهر رمضان المبارك لعام 1447 هـ في فلسطين.

وعشية ذلك، أقام الفلسطينيون في قطاع غزة صلاة التراويح في أولى ليالي رمضان فوق ركام المساجد، وفي مصليات أُنشئت داخل خيام من النايلون والخشب؛ بسبب الدمار الهائل الذي خلفته الحرب.

وفي ظل أوضاع إنسانية مأساوية، يمر أول رمضان على السكان بعد توقف الحرب، بعدما عاشوا خلال العامين الماضيين شهر الصيام وسط القصف والمجاعة؛ حيث افتقد كثيرون القدرة على إعداد موائد الإفطار والسحور.

وعلى أنقاض المساجد، وتحت تحليق طائرات الاستطلاع الإسرائيلية التي لم تغب عن أجواء القطاع، شيّد الفلسطينيون مصليات مؤقتة لإقامة صلاة التراويح، عقب استهداف أكثر من ألف مسجد خلال فترة الحرب.

وتضرّع المصلون بالدعاء إلى الله لتفريج الكرب وإنهاء المعاناة وتحسين الأوضاع الإنسانية الصعبة، وفق ما أفاد به مراسل الأناضول.

وبحسب معطيات المكتب الإعلامي الحكومي، دُمّر أكثر من 835 مسجدًا كليًا، فيما تضرر أكثر من 180 مسجدًا بشكل جزئي خلال عامي الحرب.

ومنذ سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، نصبت وزارة الأوقاف وعدد من الأهالي خيامًا فوق أنقاض المساجد المدمرة وحوّلوها إلى مصليات مؤقتة.

ورغم وقف إطلاق النار، لم يلمس السكان تحسنًا في ظروفهم المعيشية، نتيجة استمرار القيود على المعابر، وعدم إدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والطبية ومواد الإيواء.

وفي المسجد العمري الكبير الذي تعرض لتدمير واسع خلال الحرب، أقام الفلسطينيون صلاة التراويح بعد تغطية أجزائه المهدمة بألواح النايلون والخشب. ويُعد المسجد من أعرق وأكبر مساجد غزة، وثالث أكبر مسجد في فلسطين بعد المسجد الأقصى ومسجد أحمد باشا الجزار في عكا؛ إذ يعود تأسيسه إلى أكثر من 1400 عام في حي الدرج بالبلدة القديمة.

وخلال الحرب، تعرّض المسجد لتدمير شبه كامل؛ حيث جرى توثيق الأضرار الأولى في ديسمبر/كانون الأول 2023.

دعوة للتحرك

من جهتها، اعتبرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) شهر رمضان فرصة لتحرك جاد من أبناء الأمة الإسلامية للوقوف إلى جانب غزة وتخفيف معاناة سكانها.

وقالت الحركة في بيان: إن رمضان، بما يحمله من معاني التكافل والوحدة، يمثل محطة إيمانية تستدعي تحركًا عمليًا من الدول والحكومات والمنظمات لدعم سكان القطاع، وإنهاء الحصار، ومساندة صمودهم.

كما دعت الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وداخل إسرائيل إلى شدّ الرحال نحو المسجد الأقصى والرباط والاعتكاف فيه. مؤكدة أن أيام رمضان ولياليه ينبغي أن تكون موسمًا للطاعة والصمود وحماية المقدسات.

إرادة صلبة

سلّط ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي الضوء على استعدادات سكان غزة لاستقبال شهر رمضان بكل الوسائل الإيجابية الممكنة، رغم الظروف الإنسانية القاسية.

وتداولوا مقاطع فيديو وصورًا تُظهر تعليق زينة بسيطة فوق الركام وعلى خيام النازحين إلى جانب محاولات تجهيز أطعمة متواضعة للإفطار والسحور.

وأشاد ناشطون عبر منصتي "إكس" و"فيسبوك"، ومن خلال وسوم عدة أبرزها #غزة و#رمضان_كريم و#رمضان، بروح الصمود والتحدي لدى الفلسطينيين، داعين الشعوب العربية والإسلامية إلى إنهاء حالة الصمت والتحرك دعما لغزة ورفع المعاناة عنها.

تهاني ومعايدات

وشهدت المنصات تبادلًا واسعًا للتهاني بين الغزّيين، إضافة إلى رسائل دعم ومواساة من متضامنين في مختلف البلدان العربية والإسلامية، عبروا فيها عن إعجابهم بروح الصمود والتماسك الاجتماعي في القطاع، في مشاهد عكست قوة الروابط الإنسانية رغم المأساة.

غزة الصمود

أبدى ناشطون إعجابهم بتمسك سكان غزة بالأجواء الروحانية لشهر رمضان، وإقامتهم صلاة التراويح داخل المساجد المدمرة أو خيام النزوح، وحرصهم على قراءة القرآن وإحياء التجمعات الرمضانية، مثل موائد السحور الجماعي التي أعادت شيئًا من مظاهر الحياة الطبيعية.

كما أظهرت مقاطع متداولة مشاهد لصلاة القيام في مواقع دُمّرت خلال الحرب؛ حيث أعاد الأهالي ترتيب ما تبقى من المكان، مستخدمين الشوادر والخيام لإقامة الصلاة، في رسالة تؤكد استمرار الحياة رغم الدمار.

حفاوة الأطفال

وتداول ناشطون صورًا ومقاطع فيديو تظهر محاولات الأطفال الاستمتاع بأجواء رمضان بوسائل بسيطة، مثل اللعب بين الخيام، والاستماع إلى القصص، وترديد الأناشيد، وصنع فوانيس رمضانية من مواد بسيطة وتعليقها بين المخيمات، في مشاهد عكست رغبتهم في صناعة الفرح رغم صعوبة الواقع.

استنكار الخذلان

في المقابل، برزت حالة استنكار وغضب واسعة على منصات التواصل؛ حيث انتقد ناشطون ما وصفوه بتخاذل الدول العربية والإسلامية تجاه معاناة سكان غزة، خاصة مع استمرار أزمات انقطاع الكهرباء والمياه، وارتفاع الأسعار، وتدهور أوضاع الخيام، ما يزيد من صعوبة الحياة اليومية خلال شهر رمضان.

ووجّه ناشطون دعوات للتضامن الفعلي مع سكان القطاع. مؤكدين أن شهر رمضان يجب أن يكون مناسبة لتعزيز قيم التكافل والوقوف إلى جانب المتضررين، لا الاكتفاء بالمواقف الرمزية.