اعتراف الكيان الإسرائيلي بإقليم "أرض الصومال" الانفصالي.. أبعاده وتداعياته

منذ ١٥ ساعة

12

طباعة

مشاركة

في 26 ديسمبر/ كانون الأول 2025، أعلن الكيان الإسرائيلي الاعتراف بالإقليم الانفصالي المسمى "أرض الصومال" كدولة مستقلة ذات سيادة، وسط رفض عربي وتركي.

ولم يحظ الإقليم منذ إعلان انفصاله عام 1991 بأي اعتراف رسمي، ويتصرف كأنه كيان مستقل إداريا وسياسيا وأمنيا، فيما لم تتمكن الحكومة المركزية من بسط سيطرتها عليه.

وتفاعلا مع هذا التطور نشر مركز “أنكاسام” للدراسات مقالاً للكاتبة التركية "جيران جولسيران"، ذكرت فيه أنّ إسرائيل تسعى منذ سنوات إلى تعزيز حضورها الأمني خارج محيطها التقليدي. 

وقد اكتسب هذا التوجه زخماً إضافياً بعد عملية طوفان الأقصى التي هزت بها المقاومة الفلسطينية أركان الكيان، حيث بات أكثر اندفاعاً في البحث عن شركاء جدد وداعمين لسياساته. 

العين على إفريقيا

وذكرت الكاتبة أن القارة الإفريقية تعد إحدى الساحات الأساسية التي تحاول إسرائيل ترسيخ نفوذها فيها، سواء عبر التعاون الأمني أو الشراكات الاقتصادية أو الانخراط السياسي في المنظمات القارية. 

غير أن اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة شكّل خطوة استثنائية ومثيرة للجدل، ليس فقط بسبب تعارضها الصريح مع القانون الدولي، وإنما أيضاً لما تحمله من دلالات سياسية وإستراتيجية عميقة تمس التوازنات القائمة في إفريقيا والشرق الأوسط على حد سواء.

إذ يمثل هذا الاعتراف تحدياً مباشراً لمبدأ وحدة الأراضي وسيادة الدول، وهو أحد الأعمدة الأساسية للنظام السياسي الإفريقي. كما يعكس تجاهلاً واضحاً للإجماع الدولي الذي يعد الإقليم الانفصالي جزءاً لا يتجزأ من جمهورية الصومال الفيدرالية. 

بذلك تكون إسرائيل قد أقدمت على خطوة تتناقض مع سعيها المعلن لتطوير علاقاتها مع الدول الإفريقية؛ حيث وضعت نفسها في مواجهة مباشرة مع الاتحاد الإفريقي وعدد كبير من دول القارة التي تنظر بحساسية شديدة إلى أي دعم للحركات الانفصالية، وذلك نظراً لتجاربها التاريخية مع الاستعمار والنزاعات الداخلية.

أمّا من زاوية القانون الدولي، يبرز التناقض الإسرائيلي بشكل لافت في مسألة حق تقرير المصير. 

فبينما تعارض إسرائيل بشكل قاطع ممارسة الفلسطينيين لهذا الحق، رغم أنه يُعد من أوضح وأكثر الأمثلة القانونية والأخلاقية مشروعية، فإنها في المقابل تدعم حالة الإقليم الانفصالي، التي لا تحظى باعتراف دولي واسع، وتقوم على انفصال أحادي الجانب عن دولة معترف بها دولياً. 

هذا التناقض لا يمكن تفسيره بمنطق قانوني، بل يعكس بوضوح خضوع السياسة الإسرائيلية لتقديرات براغماتية وأهداف إستراتيجية تتجاوز المبادئ القانونية والأخلاقية.

ويكشف هذا الموقف المزدوج عن طبيعة النهج الإسرائيلي القائم على توظيف القانون الدولي حين يخدم مصالحها، وتجاهله حين يتعارض معها. 

أهداف الاعتراف

سياسياً لا يمكن فصل قرار الاعتراف بالإقليم الانفصالي عن اتفاقيات أبراهام، التي تسعى إسرائيل إلى توسيع دائرتها الجغرافية لتشمل دولاً إفريقية جديدة. 

فمن خلال إدماج الإقليم الانفصالي في هذا الإطار، تحاول تل أبيب تعزيز حضورها بالقرب من البحر الأحمر وخليج عدن، وهما من أهم الممرات البحرية الإستراتيجية في العالم. 

كما أن هذا التحرك يمنح إسرائيل فرصة غير مباشرة للضغط على السعودية، وذلك عبر الاقتراب الجغرافي والسياسي منها، ودفعها نحو التطبيع في إطار إقليمي أوسع.

إذ لا ينبغي فصل قرار تل أبيب بالاعتراف بالإقليم الانفصالي عن سياستها في الشرق الأوسط وإفريقيا. 

فالهدف الأساسي هو الاستمرار في زخم يدمج إسرائيل في المنطقة بوصفها الطرف الرئيس، مع تجاهل القضية الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية، وإقصاء إيران بصفتها العدو الأول. 

لذلك من المتوقع أن توقّع الإقليم الانفصالي على اتفاقيات أبراهام، وأن تنضم إلى الجبهة المناهضة لإيران متجاهلة السياسات الاستيطانية الاستعمارية الإسرائيلية، التي وصلت إلى حد التطهير العرقي والإبادة في فلسطين. 

ومن المرجح أن تتطور العلاقات الثنائية خاصة في المجال العسكري، حيث يبرز هدف إنشاء قاعدة عسكرية. فقد أصبح امتلاك قواعد عسكرية في القرن الإفريقي عنصراً أساسياً للدول. 

وقد شكّل رفض جيبوتي طلب إسرائيل إنشاء قاعدة عسكرية أحد العوامل التي دفعتها إلى التركيز على الإقليم الانفصالي، بصفته خياراً بديلاً يتيح لها الوصول إلى السواحل الاستراتيجية والتحكم في مسارات الملاحة الدولية.

فضلاً عن مراقبة التحركات في اليمن والحد من نفوذ إيران، خاصة في ظل هجمات الحوثيين ضد السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر.

سابقة خطيرة

وأشارت الكاتبة التركية إلى أن هذا التوجه الإسرائيلي يضعها في مسار تصادمي مع القوى الإقليمية الفاعلة في الصومال، في مقدمتها تركيا. 

فقد أصبحت الصومال خلال العقد الأخير إحدى الركائز الأساسية للسياسة الإفريقية التركية، سواء من خلال المساعدات الإنسانية والاستثمارات الاقتصادية أو عبر التعاون العسكري والأمني. 

وتمتلك تركيا أكبر قاعدة عسكرية لها في الخارج في الصومال، وتلعب دوراً محورياً في تدريب الجيش الصومالي ودعم جهود مكافحة الإرهاب، فضلاً عن مساهمتها في مسار المصالحة الوطنية.

ومن ثم، فإن التدخل الإسرائيلي في الشأن الصومالي يُفسَّر في أنقرة على أنه محاولة لتقويض نفوذها وإعادة رسم موازين القوى في شرق إفريقيا.

أمّا على الصعيد الإفريقي فقد أثار الاعتراف بالإقليم الانفصالي ردود فعل واسعة. فقد رفض الاتحاد الإفريقي هذه الخطوة بشكل قاطع، محذراً من أنها قد تشكل سابقة خطيرة تهدد السلام والاستقرار في القارة. 

كما شددت منظمات إقليمية، مثل الهيئة الحكومية للتنمية، على أن أي مساس بوحدة الأراضي وحرمة الحدود سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار في القرن الإفريقي. 

أما من منظور الأمن الإقليمي، فإن تداعيات الاعتراف بالإقليم الانفصالي لا تقتصر على السياسة والدبلوماسية، بل تمتد إلى ملف الإرهاب وعدم الاستقرار. 

فوجود جماعات مثل حركة الشباب وتنظيم الدولة يشكل تهديداً مباشراً لأمن البلاد، وأي خطوات تزعزع وحدة الصومال من شأنها أن تعزز بيئة الفوضى التي تستفيد منها هذه التنظيمات.

وتشير بعض المعطيات إلى أن الاعتراف الإسرائيلي لم يكن مجانياً، بل جاء مشروطاً بجملة من التفاهمات؛ من بينها توقيع الإقليم الانفصالي على اتفاقيات أبراهام، وتسهيل إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية على ساحل خليج عدن.

فضلاً عن مقترحات تتعلق بإعادة توطين الفلسطينيين. وهي أفكار أثارت استياءً واسعاً وعدت امتداداً لسياسات فرض الأمر الواقع التي تنتهجها إسرائيل بدعم من بعض القوى الدولية.

في ظل هذه التطورات، اتجهت الأنظار أيضاً إلى الولايات المتحدة، وسط تكهنات حول إمكانية اعترافها بالإقليم الانفصالي، خاصة في ظل مواقف سابقة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي اتسمت بتجاهل الأعراف الدولية في ما يخص القضية الفلسطينية. 

ورغم محاولات واشنطن لاحقاً تهدئة المخاوف والتأكيد على استمرار دعمها لوحدة الصومال، فإن مجرد تداول هذه الفكرة يعكس هشاشة النظام الدولي وقدرته المحدودة على ضبط السلوكيات الأحادية.

وختمت الكاتبة مقالها قائلة: إن اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي يمثل حلقة جديدة في سلسلة سياساتها التوسعية التي تتجاهل القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية، وتحمل في طياتها مخاطر حقيقية على استقرار القارة الإفريقية. 

كما يعيد هذا التطور إلى الواجهة القضايا الشائكة المتعلقة بحق تقرير المصير، والنزعات الانفصالية، وحرمة الحدود، وهي قضايا لا تزال تشكل نقاط ضعف بنيوية في النظام الإفريقي.