تفاؤل 2025 يتبخر.. لماذا تبدو آفاق الشرق الأوسط قاتمة في 2026؟

"من المفهوم أن إسرائيل قلقة"
يلوح عام 2026 في الأفق كمرحلة قاتمة للشرق الأوسط، في ظل تصاعد الصراعات وتعقّد الأزمات، وسط مخاوف من أن يتجاوز حجم التحديات مستوى الاهتمام المتوقع من رئيس أميركي يتسم بتقلب المزاج السياسي.
جاء ذلك على لسان سفير واشنطن الأسبق لدى مصر وإسرائيل، دانيال كورتزر، في مقال مشترك نشرته مجلة "فورين بوليسي"، مع المستشار السابق بوزارة الخارجية الأميركية لشؤون المفاوضات العربية الإسرائيلية، آرون ديفيد ميلر.
وقال المسؤولان السابقان: "خلال معظم عام 2025، ساد على نظرة واشنطن إلى الشرق الأوسط شعور بالتفاؤل؛ حيث طُبّق وقف إطلاق النار في غزة، وأُضعفت حماس، وفُكك (محور المقاومة)، وتأثرت بشدة برامج إيران الباليستية والنووية جراء 12 يوما من القصف الإسرائيلي والأميركي".
وأضافا: "قُضي على حزب الله. وفي تحول غير مسبوق، أقام نظام جديد في سوريا علاقات أوثق مع واشنطن، مما أثار احتمال التوصل إلى اتفاق أمني إسرائيلي سوري بوساطة أميركية".

ممانعة لاعبين
لكن مع بداية عام 2026، تصطدم هذه التطورات الواعدة بالواقع الصعب للسياسة الإقليمية وبممانعة عدة لاعبين في الشرق الأوسط. وفق المقال.
وأضاف “فحماس وحزب الله وإيران ما زالوا صامدين، وإن كان وضعهم أضعف”.
وتابع: “تواصل إسرائيل استخدام قوتها العسكرية للوقاية من أي نشاط في غزة ولبنان وسوريا، مع السيطرة على مساحات من الأراضي في الثلاث مناطق”.
وفي الوقت نفسه، يستمر الوضع في الضفة الغربية في الغليان مع استمرار إسرائيل في سياساتها للضم الفعلي.
وقال المسؤولان السابقان: "أما رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، الذي ركّز على غزة ولبنان وسوريا وإيران وأسهم بذلك في خلق فرص، قد يحيد عن اهتماماته بسرعة".
واستطردا: "فبعد أن بدا راضيا عن إدراج الشرق الأوسط ضمن قائمة الصراعات التي يزعم أنه حلها، يميل ترامب عادة إلى الانتقال إلى ملفات أخرى، مثل روسيا وأوكرانيا".
وأوضح المقال أن في اللقاء الأخير بين ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في منتجع مارالاغو، وهو السادس هذا العام، بدا وكأن الرئيس- الذي يتمتع بموقع فريد للضغط على نتنياهو- اختار إدارة الخلافات بدل استغلالها.
وقد أشاد ترامب بتنفيذ خطة غزة وتوافق مع نتنياهو بشأن إيران، كما أثارت إدارته مخاوف بشأن سياسات إسرائيل في الضفة الغربية وحثت على تجنب خطوات استفزازية، لكن يبقى أن نرى ما إذا كان ذلك سيترجم إلى ضغوط ملموسة. وفق المقال.
وتساءل المسؤولان السابقان: “هل يُمكن لأي شيء في عام 2026 أن يُنقذ الإنجازات الوليدة ويمنع عودة الصراع في هذه المنطقة المضطربة؟”
"للأسف، الإجابة الأرجح هي لا" -وفق المقال- "وفي أحسن الأحوال، لا نتحدث عن تحولات جذرية، بل عن إدارة وتخفيف ومكاسب تدريجية إن أمكن".
وأضافا: "قد يطمح ترامب إلى السلام والتطبيع بين إسرائيل والعالم العربي، لكن حتى الحفاظ على الوضع الراهن يتطلب قدرا من الاهتمام والمهارة قلّما أظهرته هذه الإدارة".
ويرى الكاتبان أنه "من غير الواضح ما إذا كانت اجتماعات ترامب ونتنياهو في فلوريدا قد أسهمت في دفع تنفيذ خطة ترامب لغزة من المرحلة الأولى إلى الثانية، وكيف سيتم ذلك".
وأوضح ترامب أن “نزع سلاح حماس لا يزال أولوية”، لكنه لم يُقدم أي توضيح لكيفية تحقيق ذلك، كما أشاد بالتزام نتنياهو بخطة غزة، بينما هدد حماس في حال عدم امتثالها للخطة.
ومن القضايا التي تستحق المتابعة الدور المحتمل لتركيا في أمن غزة؛ حيث بدا ترامب مُتحمسا للفكرة، في حين يُعارضها نتنياهو بشدة.
مع ذلك، يرى المقال أنه "لم تكن هناك أي مؤشرات على اقتراب الإدارة الأميركية من تشكيل، أو حتى الإعلان عن قوة استقرار دولية لتدريب الشرطة الفلسطينية، والحفاظ على النظام، ونزع سلاح حماس".
وأكد أن "حماس ربما ضعفت، لكنها لا تزال القوة الفلسطينية الأقوى في غزة، أقوى بكثير من السلطة الفلسطينية، والتكنوقراط الفلسطينيين، والمليشيات الفلسطينية المدعومة من إسرائيل، والعشائر، والعصابات الإجرامية".
وشدد على أن "حماس لن تتخلى عن سلاحها، ولن يجد ترامب أي جهات دولية مستعدة لمحاولة نزع سلاحها بالقوة".
وفي حين أشار أحد مسؤولي حماس إلى إمكانية موافقة الحركة على تخزين أسلحتها في حال انسحاب إسرائيل من قطاع غزة بالكامل، نفى مسؤول آخر أي نية للتخلي عن السلاح بتاتا.
وقال المسؤولان الأميركيان السابقان: إن "نشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في نحو 53 بالمئة من قطاع غزة الخاضع لسيطرة إسرائيل لن يكون سوى استعراض شكلي يوفر غطاء لجهود إسرائيل الرامية إلى التمسك بالمنطقة التي تسيطر عليها".
تحديات هائلة
وفي لبنان، يصعب توقع أي تقدم في نزع سلاح حزب الله، فحزب الله، كحماس، يعاني من تراجع في قوته ولكنه لم يُهزم، وهو يبذل قصارى جهده لإعادة بناء صفوفه. بحسب المقال.
وأردف: "أما في سوريا، يواجه الرئيس أحمد الشرع قائمة مهام شديدة التعقيد". مضيفا: "إذا كانت سوريا ستتمكن يوما من أن تصبح دولة ذات حكم رشيد ومتجانسة، وهو أمر يبقى محل شك كبير، فسيستغرق ذلك سنوات طويلة".
وتابع: "التحديات هائلة: إعادة الإعمار، ومواجهة تنظيم الدولة، وضمان حقوق متساوية لجميع السوريين بما في ذلك العلويون والأكراد والدروز، وفتح نظام سياسي يتركز حاليا في يد مجموعة محافظة من المسلمين السنة الجهاديين".
واستطرد: "وكل ذلك في ظل التعامل مع أطراف خارجية قد لا تتوافق أجنداتها بالضرورة مع أهداف الشرع، بما في ذلك تركيا وروسيا وإيران ودول الخليج وإسرائيل".
واستدرك المقال: "مع ذلك، تملك إسرائيل فرصة تاريخية في سوريا، ففي وقت سابق، توسطت واشنطن في محادثات رفيعة المستوى بين إسرائيل وسوريا حول اتفاق أمني بدا واعدا للغاية".
وواصل: "لكن ليس من الواضح ما إذا كان التقدم المحرز على هذا الصعيد يتماشى مع أهداف نتنياهو في سوريا".
ولفت المقال إلى أن “أهداف نتنياهو تتمثل في أن تكون سوريا دولة ضعيفة وممزقة، تدعم فيها إسرائيل الفصائل الدرزية، وتفرض منطقة حظر على العناصر المسلحة جنوب غرب دمشق، وتشن هجمات على التهديدات التي تعدها داخل البلاد عند الحاجة”.
وأوضح: "من المفهوم أن إسرائيل قلقة بشأن أي خصوم -سواء كانوا إيران أو تركيا أو سُنّة- يكتسبون نفوذا قرب حدودها".

حرب محتملة
ومع ذلك، يرى المسؤولان الأميركيان السابقان أن "سوريا القوية والمستقرة قد تكون من الناحية الوظيفية بالنسبة لإسرائيل هي السبيل الأفضل لتحقيق هذا الهدف".
ويمكن للضغط الأميركي أن "يسهم في الوصول إلى هذا السيناريو، مما يجعل سوريا مفاجأة إيجابية محتملة لعام 2026". وفق المقال.
وبالنسبة لإيران، فيرى المقال أنها "لن تتخلى عن طموحاتها النووية أو مزاعمها بالزعامة الإقليمية، والحوثيون، رغم أنهم ليسوا وكلاء تقليديين لإيران، يظلون معارضين لإسرائيل والولايات المتحدة على طول الطريق".
نتيجة لذلك، يرجح الكاتبان أن "يشهد عام 2026 تصاعدا في التوترات داخل مثلث الولايات المتحدة–إسرائيل–إيران. فقد تؤدي أي أنشطة متجددة في مواقع إيران النووية إلى ضربة إسرائيلية، وكذلك التقارير التي تفيد بأن إيران تعيد بناء قدراتها الصاروخية الباليستية".
وأضافا أن "الحقيقة المؤسفة، مع حلول العام الجديد، هي أن آفاق السلام في غزة والضفة الغربية ولبنان قاتمة، ولا يمكن تجاهل خطر استعادة إيران لسلطتها، كما أن التحول الديمقراطي في سوريا، إن صح التعبير، بات على المحك".
"ولا تستطيع واشنطن حلّ جميع هذه المشاكل، ولكن من خلال دبلوماسية حقيقية وقيادة حكيمة، ربما تستطيع منع تفاقمها". بحسب المقال.
وشدد على أنه "ينبغي على ترامب استغلال نفوذه للتأثير في السياسة الإسرائيلية والانتقال من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية في غزة".
وختم المسؤولان السابقان بالقول: إن "إدارة واشنطن لهذه اللحظة الحرجة في الشرق الأوسط تتطلب حكمة والتزاما وتركيزا، وهو ما افتقده الرئيس الأميركي المتقلب حتى الآن. ولكن يبقى الأمل قائما، ففي النهاية، هذا هو موسم الأمنيات والمعجزات".















