في إطلالة مفاجئة.. حميدتي ينفي الطموح الرئاسي ويصعّد خطابه ضد الإسلاميين والسعودية

جاءت تصريحات حميدتي خلال زيارته إلى أوغندا في 20 فبراير/شباط 2026
في أول ظهور دولي له منذ عدة أشهر، أكد قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بـ"حميدتي"، أنه لا يسعى إلى تولي رئاسة السودان، مشددا على أن هدفه يتمثل في "اقتلاع الإسلاميين"، وأنه لن يسمح بتقسيم البلاد مجددا.
وجاءت تصريحات حميدتي خلال زيارته إلى أوغندا في 20 فبراير/شباط 2026؛ حيث ترأس وفدا كبيرا من تحالف السودان التأسيسي "تأسيس" الذي يتزعمه. واستقبله الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني في القصر الرئاسي بمدينة عنتيبي جنوب غرب العاصمة كامبالا.
وقال موسيفيني، في منشور له: إنه استقبل قائد مليشيا الدعم السريع وأطلعه على تطورات الأوضاع الراهنة في السودان. مؤكدا أن "الحوار والحل السياسي السلمي هما المسار الوحيد المستدام لتحقيق الاستقرار في السودان والمنطقة".
من جانبه، ذكر تحالف "تأسيس" في بيان أن مدير جهاز المخابرات الخارجية الأوغندي جوزيف أوكيلو وعددا من المسؤولين الحكوميين كانوا في استقبال حميدتي والوفد المرافق له في المطار، موضحا أن المحادثات ركزت على الأوضاع السياسية والإنسانية في السودان منذ اندلاع القتال. إضافة إلى الجهود المبذولة لوقف العمليات العسكرية ودعم مسار السلام، وأن الزيارة جاءت بدعوة من القيادة الأوغندية.
وخلال اللقاء، دعا حميدتي الأحزاب السياسية المقيمة في الخارج إلى العودة إلى السودان والمشاركة في الحياة السياسية، مؤكدا أنه لم يرفض أي مبادرة سلام، لكنه استبعد ما وصفه بـ"سلام على شاكلة سلام جوبا وسلام نيفاشا".
وحمل قائد مليشيا الدعم السريع مسؤولية تعثر التوصل إلى اتفاق مع الجيش السوداني لمفاوضات جدة، التي انطلقت في 6 مايو/أيار 2023 برعاية سعودية وأميركية، بعد أقل من شهر على اندلاع الحرب، ورأى أنها أضرت بالمليشيا، وأنها كانت مجرد "تكتيك" لإخراج قائد الجيش عبد الفتاح البرهان من الحصار.
وأشار إلى أنه أصرّ حينها على أن يصدر وفد الدعم السريع بيانا عقب كل جولة تفاوض، حتى لا تُحمّل مليشياته مسؤولية أي إخفاق، غير أن الوفد آثر الصمت مراعاة لمكانة السعودية.
وأضاف أن مليشيا الدعم السريع التزمت، لمدة عام، بتنفيذ ما كان يُطلب منها من الجانب السعودي، قبل أن تكتشف – بحسب قوله – أن الوسيط لا يسير في المسار الصحيح، ما دفعها لاحقا إلى رفض منبر جدة، رغم قبولها ببنود الاتفاق.
وادعى حميدتي أن الطائرات المسيّرة القادمة من دول مجاورة كانت سببا في وقف تقدم مليشيا نحو الخرطوم وبورتسودان، زاعما أن عدد مليشيا الدعم السريع تجاوز حاليا نصف مليون مقاتل، بعدما كانت تبلغ 123 ألفا عند اندلاع الحرب.
وفي ما يتعلق بالتقارير التي تحدثت عن وجود مرتزقة كولومبيين يقاتلون في صفوف الدعم السريع، لا سيما في إقليم دارفور، أقر حميدتي باستقدامهم، موضحا أنهم يعملون كخبراء في تشغيل الطائرات المسيّرة مقابل أجور مالية.
وخلال الأشهر الماضية، تعرضت مليشيا الدعم السريع لانتكاسات ميدانية؛ إذ تمكن الجيش السوداني من طردها من الخرطوم ومن مناطق أخرى، في حين أحكمت سيطرتها على معظم إقليم دارفور غربي البلاد، وتخوض معارك في ولايتي كردفان والنيل الأزرق.
وتواجه مليشيا الدعم السريع اتهامات بارتكاب جرائم حرب على نطاق واسع، خاصة في مدينة الفاشر بشمال دارفور.
ويأتي لقاء حميدتي بموسيفيني بعد نحو أسبوع من استقبال الأخير نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي مالك عقار، في وقت تتزايد فيه الدعوات الإقليمية والدولية لإقرار هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار في السودان.
وكان الاتحاد الإفريقي قد عيّن موسيفيني رئيسا للجنة رفيعة المستوى لتيسير مفاوضات مباشرة بين البرهان وحميدتي، غير أن المبادرة لم تتقدم بعدما غاب الأخير عن لقاء كان مقررا عقده في جيبوتي.
وعقب زيارة حميدتي إلى أوغندا، جدد مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس دعوة الأطراف السودانية إلى القبول بهدنة إنسانية فورية ومن دون شروط مسبقة.
وجاءت الدعوة الأميركية غداة تأكيد البرهان تمسكه بانسحاب مليشيا الدعم السريع من "المناطق التي تحتلها" وتجميعها في مواقع محددة، كشرط للقبول بهدنة معها.
مليشيا "الدعم"
قدّم صحفيون وإعلاميون وناشطون قراءات وتحليلات متعددة لتصريحات محمد حمدان دقلو، عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي إكس وفيسبوك، ومشاركتهم في وسوم عدة، أبرزها: #حميدتي، #الدعم_السريع_مليشيا_ارهابية، #كامبالا.
وتركزت التحليلات حول إعلانه أنه لا يسعى إلى رئاسة السودان، وأن هدفه ينحصر في "اقتلاع الإسلاميين". وطرح متفاعلون تفسيرات متعددة لنفيه الطموح الرئاسي وتركيزه على هدف أيديولوجي، ويرون أن ذلك محاولة لإعادة تعبئة قاعدة شعبية بعناوين سياسية جديدة.
ورأى بعضهم أن حميدتي يغيّر لهجته وتوجهاته بما يتماشى – وفق تعبيرهم – مع سياسات دولة الإمارات، ويتحرك ضمن هوامش مرسومة إقليميا، في ظل ما يوصف بدعم أبوظبي لمليشيا الدعم السريع.
وثيقة إدانة
وعدّ ناشطون اعتراف حميدتي باستقدام مرتزقة كولومبيين بمثابة "وثيقة إدانة" تضع مليشيا الدعم السريع تحت طائلة المساءلة القانونية والدولية.
ورأوا أن هذا الإقرار يمثل تحولا مهما في فهم طبيعة الصراع في السودان؛ إذ يشير – بحسب تقديرهم – إلى وجود دعم خارجي وتدخلات تمس سيادة الدولة، ويقوض روايات سابقة نفت الاستعانة بمقاتلين أجانب.
وذهب بعض المعلقين إلى أن الاعتراف يعزز الاتهامات الموجهة إلى الدعم السريع بخرق القوانين الدولية، خاصة في ظل الاتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة خلال الحرب.
حميدتي يتلاعب
في المقابل، حذر ناشطون من أن تصريحات قائد الدعم السريع قد تكون محاولة استباقية لإعادة صياغة الرواية السياسية، وصرف الأنظار عن تقارير تحدثت عن مسارات إمداد ودعم عسكري للمليشيا.
ورأوا أن إعلانه الصريح بشأن المرتزقة ربما يندرج ضمن تكتيك إعلامي لامتصاص الضغوط أو إعادة توجيه النقاش العام، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الإقليمية والدولية.
انتحار سياسي
كما أثارت تصريحات حميدتي بشأن دور السعودية في مفاوضات جدة موجة انتقادات واسعة؛ إذ رأى مراقبون أن مهاجمته للوساطة السعودية تمثل تصعيدا غير محسوب، وقد تُفهم على أنها محاولة لتبرير تعثّره العسكري والسياسي.
ووصف بعض المتفاعلين خطابه بأنه "شهادة وفاة دبلوماسية" لمشروعه السياسي، ويرون أن انتقاد وساطة إقليمية بهذا الثقل قد يزيد من عزلته، في وقت تتعاظم فيه الدعوات إلى هدنة إنسانية ووقف لإطلاق النار.
إيعاز إماراتي
وذهب آخرون إلى تفسير لهجته الحادة تجاه الرياض بوصفها انعكاسا لصراع محاور إقليمي، مشيرين إلى أن دعوته لنقل ملف التفاوض إلى "المسار الإفريقي" قد تحمل أبعادا سياسية تتجاوز الإطار السوداني الداخلي.
ورأى هؤلاء أن خطابه ينسجم – وفق رأيهم – مع توجهات داعميه الإقليميين، ويعكس تحولات في شبكة تحالفاته الخارجية.
خطبة مودع
على مستوى أوسع، رأى بعض المحللين أن مجمل تصريحات حميدتي تعكس حالة دفاع سياسي أكثر منها هجوما، ووصفوها بأنها "خطاب انكسار" أو "إعلان هزيمة"، في ضوء التطورات الميدانية الأخيرة التي شهدت تراجعا لمليشياته في عدة جبهات.
وسخر متفاعلون من بعض عباراته، وعدّوا حديثه عن الدين أو عن تماسك مليشياته نوعا من المبالغة أو محاولة لرفع المعنويات في ظرف عسكري صعب.
موجة تشكيك
وأثار زعمه أن عدد مليشيا الدعم السريع تجاوز نصف مليون مقاتل موجة تشكيك واسعة؛ إذ رأى ناشطون أن هذا الرقم يمثل تضخيما واضحا، خاصة أن القوة المعلنة عند اندلاع الحرب كانت 123 ألف عنصر.
ورأوا أن الحديث عن تضاعف العدد أكثر من أربع مرات خلال فترة الحرب يهدف إلى رفع الروح المعنوية لمليشياته، واستعراض قوة ميدانية، وربما توجيه رسائل ردع إلى خصومه.
من الممول؟
في المقابل، تعامل آخرون مع تصريحاته بوصفها تعكس واقعا قائما، متسائلين عن الجهة التي تمول هذا العدد الكبير من المقاتلين، وتغطي تكاليف التسليح والتشغيل والمرتبات.
وتكررت تلميحات إلى دور إقليمي محتمل في تمويل مليشيا الدعم السريع، فيما شدد مؤيدو الجيش السوداني على أن أولويته تبقى إنهاء تمرد المليشيا واستعادة السيطرة الكاملة على البلاد، بغض النظر عن حجم الدعم الذي تتلقاه.












