علاقة ترامب الجيدة مع أردوغان.. ما سرها وكيف تنعكس إيجابا على تركيا؟

منذ ٢١ ساعة

12

طباعة

مشاركة

يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب كيل المديح إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إذ يعده “رجلا ذكيا جدا وقويا للغاية وأتفق معه جيدا ولقد بنى جيشا قويا للغاية”.

صحيفة “حرييت” التركية تناولت هذا الموضوع في مقال للكاتب التركي "عبد القدير سيلفي"، تحدّث فيه عن التغيّر اللافت في الخطاب السياسي الأميركي تجاه تركيا، وذلك بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض في 20 يناير/ كانون الثاني 2025. وتمثل الخطاب في الإشادة المتكررة والمباشرة بالرئيس أردوغان. 

هذه الإشادة، التي تجاوزت حدود المجاملة الدبلوماسية، عكست توجّهاً سياسياً واعياً. وأثارت ردود فعل واسعة إقليمياً ودولياً، لا سيما في إسرائيل واليونان. 

كما فجّرت نقاشاً داخلياً في تركيا حول مغزى هذا التقارب وحدوده الحقيقية.

ليست مجرد مجاملات

يقول الكاتب التركي المقرب من الرئيس التركي: إنّ ما يلفت في تصريحات ترامب عن أردوغان أنها لم تكن مجرد مجاملات دبلوماسية، بل تضمنت إقراراً صريحاً بدور تركيا المؤثر في قضايا إقليمية معقدة. 

فحين يقول ترامب: إنّ أردوغان "أنقذ سوريا" أو "ساعد في التخلص من قيادة سيئة"، فإنه يعكس تحولاً في النظرة الأميركية تجاه الأزمة السورية. 

حيث باتت واشنطن تميل إلى تقليل تدخلها المباشر، والاعتماد بدلاً من ذلك على قوى إقليمية قادرة على ضبط التوازنات وإدارة المشهد على الأرض.

وإنّ أكثر ما يدل على ذلك هو أن هذه التصريحات أُطلقت في حضور بنيامين نتنياهو، المعروف بعدائه الصريح لأردوغان.

وهكذا تحوّلت الإشادة إلى رسالة سياسية مزدوجة؛ الأولى موجهة لإسرائيل، مفادها أن واشنطن لا تنوي التضحية بعلاقتها مع أنقرة؛ والثانية موجهة للمنطقة، بأن تركيا لاعب محوري لا يمكن تجاوزه في إعادة ترتيب الشرق الأوسط.

ولفت الكاتب التركي النظر إلى أنّ وقع تصريحات ترامب لم يكن خفيفاً على الإعلام الإسرائيلي واليوناني. ففي إسرائيل، عدت الإشادة بأردوغان بأنّها مؤشر على تراجع الهامش الذي كانت تتمتع به تل أبيب في التأثير على القرار الأميركي، خصوصاً في ملفات سوريا والتسليح. 

أما في اليونان فجاء القلق من زاوية مختلفة، إذ يُنظر إلى التقارب التركي–الأميركي بصفته عنصر ضغط مباشر على أثينا في ملفات شرق المتوسط والتوازن العسكري.

وهذه القراءة الخارجية تفسر سبب الانزعاج داخل بعض الدوائر السياسية والإعلامية التركية المناهضة لأردوغان. 

فقد حاولت التقليل من أهمية تصريحات ترامب، رغم أن التجربة التاريخية تثبت أن العلاقات الأميركية–التركية نادراً ما شهدت هذا المستوى من الثناء العلني والمباشر.

دبلوماسية القادة

ويأتي هذا التقارب في لحظة دولية تتسم بتآكل دور المؤسسات متعددة الأطراف، مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، مقابل تصاعد دور القادة الأقوياء والعلاقات الشخصية في إدارة الأزمات. 

في هذا السياق، أصبحت القدرة على التواصل المباشر بين الزعماء عنصراً حاسماً في صنع القرار. من هنا، تكتسب قدرة أردوغان على التواصل مع شخصيات مثل ترامب وبوتين أهمية استراتيجية لتركيا. 

فأنقرة، رغم أنها ليست قوة عظمى تقليدية، نجحت في تعويض ذلك عبر قيادة سياسية نشطة وحاضرة في معظم بؤر التوتر العالمية؛ من أوكرانيا إلى القوقاز ومن سوريا إلى ليبيا.

وهذا التقارب لا يقتصر فقط على الخطاب السياسي، بل يمتد إلى ملفات عملية بالغة الحساسية. في مقدّمتها مسألة “مكافحة أعداء أميركا عبر العقوبات” التي فُرضت على تركيا على خلفية صفقة منظومة إس-400.

إضافة إلى ملفات تسليحية مثل طائرات إف 16 و إف 35 وقضية بنك هالك التي طالما شكلت أداة ضغط سياسية واقتصادية.

والتصريحات الصادرة عن وزير الدفاع التركي حول تحركات داخل الإدارة الأميركية لرفع العقوبات إلى جانب إعلان ترامب التفكير الجدي في إعادة ملف إف 35، تشير إلى أن عام 2026 قد يشهد تحولات ملموسة في هذه الملفات. 

ومع ذلك، يبقى هذا المسار مشروط بتوازنات داخل الكونغرس الأميركي، وبقدرة أنقرة على إدارة الضغوط الإسرائيلية واليونانية التي تسعى إلى تعطيل هذا التقارب.

تقاطع المصالح

وفي الملف السوري يبرز تداخل واضح بين أنقرة وواشنطن، وذلك في ما يتعلق بمواجهة تنظيم حزب العمال الكردستاني وامتداداته عبر قوات "قسد". 

وهذا التداخل لا يعني بالضرورة اتفاقاً إستراتيجياً كاملاً، لكنه يوفر أرضية تعاون عملية، خاصة في ظل رغبة ترامب في تقليص الوجود العسكري الأميركي المباشر في المنطقة.

كما أن وجود رئيس أميركي أكثر تفهماً للهواجس الأمنية التركية يمنح أنقرة هامش حركة أوسع في سوريا، ويخفف من حدة الاصطدام مع الولايات المتحدة، دون أن يلغي التناقضات البنيوية بين الطرفين.

ورغم كل المؤشرات الإيجابية، لا يمكن التعامل مع اهتمام ترامب بأردوغان بوصفه ضمانة دائمة. 

فالسياسة الأميركية محكومة بالمصالح المتغيرة، وبميزان القوى داخل مؤسسات الحكم، وليس بشخص الرئيس وحده.

لذلك، فإن الرهان التركي لا ينبغي أن يكون على شخص ترامب، بل على تحويل هذا التقارب الظرفي إلى مكتسبات مؤسسية طويلة الأمد.

وختم الكاتب التركي مقاله قائلاً: يعكس التقارب بين ترامب وأردوغان تحوّلاً أعمق في بنية النظام الدولي، حيث تتراجع القواعد الثابتة، وتبرز الشخصيات القيادية بوصفها صانعة للتوازنات. 

وتمثل هذه اللحظة فرصة نادرة لتركيا لتعزيز موقعها الإقليمي والدولي، شريطة إدارة هذا التقارب بعقلانية سياسية، توازن بين الاستفادة القصوى من اللحظة، والحفاظ على استقلال القرار الوطني وتعدد خياراته الإستراتيجية.

والنجاح في ذلك لا يتوقف على حجم الإشادة، بل على القدرة على تحويل الخطاب السياسي إلى نفوذ مستدام ومكاسب ملموسة في عالم سريع التحول.