من جذب الاستثمارات إلى "استقطاب الكفاءات".. قرار سعودي يشعل السباق مع مصر

داود علي | منذ يومين

12

طباعة

مشاركة

لم تعد المعركة الصناعية في المنطقة تُخاض بالمصانع أو الاستثمارات وحدها، بل أصبحت تُحسم بعنصر أكثر ندرة وأهمية يتمثل في العمالة الفنية الماهرة.

وعندما أعلنت السعودية في 17 ديسمبر/كانون الأول 2025 إلغاء المقابل المالي على العمالة الوافدة في منشآتها الصناعية، لم تكن تهدف فقط إلى تخفيف الأعباء المحاسبية، بل أطلقت شرارة صراع اقتصادي جديد في الشرق الأوسط.

ووصفت نشرة "إنتربرايز" الاقتصادية المصرية في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، هذا القرار بأنه نقل المنافسة بين القاهرة والرياض من جذب الاستثمارات إلى صراع على المواهب الفنية. لم يكن هذا مجرد توصيف إعلامي، بل إشارة إلى تحول عميق في منطق المنافسة الاقتصادية الإقليمية.

وجاء القرار السعودي في وقت تعاني فيه الصناعة المصرية من ضغوط هيكلية متراكمة، مما أثار سؤالًا محوريًا: هل سيؤدي هذا القرار إلى إضعاف القاعدة الصناعية في مصر عبر سحب الفنيين المهرة، أم أنه سيخلق ديناميكية تصحيحية تعزز السوق المحلية؟

هذا التحول السعودي يكتسب خطورته من توقيته الحساس؛ حيث تدخل مصر هذه المرحلة وهي تواجه اختناقات هيكلية في الاقتصاد الكلي، وضغوطًا على قيمة العملة، وتراجعًا مستمرًا في الأجور الحقيقية.

في المقابل، تخوض السعودية هذه المرحلة من موقع مختلف، مدفوعة بقدرة مالية واستثمارية ولوجستية متنامية، وبمشروع شامل لإعادة تشكيل قاعدتها الإنتاجية ضمن رؤية السعودية 2030.

بين هذين المسارين، يتحول الفني المصري من عنصر إنتاج محلي إلى هدف مرغوب في سوق إقليمي مفتوح على مصراعيه للمنافسة.

وعلى الرغم من أن وزارة التجارة السعودية أعلنت رسميا أن إلغاء المقابل المالي على العمالة الوافدة يأتي كحافز لنمو المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة وتخفيف أعبائها المالية، إلا أن القراءة الأوسع تكشف أن القرار يعيد تعريف كلفة الإنتاج الصناعي في المملكة، ليس فقط من خلال عوامل مثل الطاقة والتمويل، بل عبر العنصر البشري ذاته.

فحين تُرفع الرسوم عن العامل الوافد، يصبح استقدام الفني الأجنبي، خصوصًا من دول ذات خبرة صناعية طويلة مثل مصر، خيارًا اقتصاديًا أكثر جاذبية وأقل مخاطرة.

خبرات بشرية

في هذا السياق، لا يبدو الفني المصري خيارًا عرضيًا، فالصناعة المصرية، بوصفها من الأقدم في المنطقة العربية، راكمت خبرات بشرية يصعب تعويضها سريعًا، خاصة في قطاعات مثل الصناعات الغذائية، والنسيج، والكيماويات، والبترول، والدواء، ومواد البناء.

نشأت هذه الخبرات في بيئة تشغيل قاسية اتسمت بندرة التمويل، وتقلب أسعار الطاقة، وضعف سلاسل الإمداد، ما جعل الفني المصري أكثر قدرة على التكيف وحل المشكلات التشغيلية اليومية.

كما تميزت مصر بوفرة عمالية بكثافة عالية، وبفوارق عددية ضخمة مقارنة ببقية دول المنطقة. وفقًا للبيان الصحفي الرسمي لنتائج بحث القوى العاملة السنوي 2024 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد المشتغلين في مصر حوالي "29.928 مليون" مشتغل لعام 2024.

غير أن هذه الميزات التراكمية اصطدمت خلال السنوات الأخيرة بانهيار فعلي في القوة الشرائية للأجور داخل مصر.

فبينما يتقاضى الفني المتخصص في مصر أجرا يتراوح غالبًا بين 15 و35 ألف جنيه شهريًا (علما بأن 35 ألف جنيه مصري تساوي نحو 2800 ريال سعودي)، يحصل نظيره في السعودية على ما بين 6 و12 ألف ريال سعودي، وهو ما يعادل أضعاف هذا الرقم بالجنيه المصري (حيث الريال السعودي = 12.70 جنيها مصريا)، إضافة إلى مزايا مثل السكن، والتأمين الطبي، وتذاكر السفر، ومكافآت نهاية الخدمة.

وقال الباحث المصري محمد ماهر: إن الفجوة الواسعة بين الأجور في مصر والسعودية لا تعكس فقط اختلاف مستويات الدخل بين البلدين، بل تكشف في جوهرها عن تباين حاد في الاستقرار النقدي وقدرة الأجر المحلي على مواكبة الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.

وهذا يجعل الفني أكثر حساسية لأي عرض خارجي يوفر دخلا أعلى واستقرارا ماليا أكبر، لا سيما في السعودية القريبة نسبيًا من مصر جغرافيًا واجتماعيًا، إضافة إلى القواسم الدينية المشتركة.

وأوضح ماهر في تصريح لـ"الاستقلال"، أن قرار السعودية بإلغاء رسوم العمالة الوافدة ضاعف من أثر هذه الفجوة؛ لأنه منح المصانع السعودية هامشًا أوسع للمفاضلة بين التكلفة والعائد.

ولفت إلى أن الموارد التي كانت تُخصص سابقًا لسداد رسوم حكومية على العمالة الأجنبية بات من الممكن إعادة توجيهها نحو رفع الأجور أو تقديم مزايا إضافية، ما يزيد من جاذبية العرض السعودي للفني المصري، خاصة في ظل غياب مؤشرات واقعية على تحسن سريع في مستويات الأجور داخل السوق المصرية.

وأضاف أن الخطر الحقيقي لا يكمن في فقدان عامل أو اثنين، بل في نزوح فئة تمثل العمود الفقري للصناعة، مؤكدا أن الفني ليس مجرد منفذ لمهمة محددة، بل حامل معرفة تشغيلية متراكمة تشكل أساس جودة الإنتاج واستمراريته داخل أي مصنع.

وحذر ماهر من أن استمرار خروج الفنيين المهرة من سوق العمل المحلي يضع المصانع المصرية، لا سيما المتوسطة والعامة، أمام مخاطر مباشرة تشمل تراجع الإنتاجية، واضطراب خطوط الإنتاج، وارتفاع معدلات الهدر والأعطال.

وختم حديثه قائلاً: "كل ذلك يحدث بالإضافة إلى تآكل القدرة على الالتزام بمعايير الجودة المطلوبة للتصدير، وهو ما يهدد القدرة التنافسية للصناعة المصرية على المدى المتوسط والطويل".

لذلك تحذر نشرة "إنتربرايز" من أن المصانع المصرية تواجه خيارين لا ثالث لهما: إما تحسين بيئة العمل وهياكل الأجور، أو خسارة الفنيين لصالح السوق السعودي.

غير أن هذا الخيار يبدو نظريًا أكثر منه عمليًا، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة، وضغوط التمويل، وارتفاع أسعار المواد الخام، وهي عوامل تقلص قدرة أصحاب المصانع على إجراء تحسينات سريعة في الأجور دون المساس بهوامش الربح أو حتى القدرة على الاستمرارية.

وأشارت "إنتربرايز" إلى أن هذا النزيف البشري لا يحدث دفعة واحدة، بل يتطور بشكل تراكمي يصعب رصده مبكرًا.

فخروج عدد محدود من الفنيين ذوي الخبرة قد لا ينعكس فورًا في البيانات الرسمية، لكنه يخلق اختناقات تشغيلية داخل المصانع، ويؤدي إلى فقدان المعرفة غير المكتوبة التي لا يمكن تعويضها عبر التدريب السريع.

ومع مرور الوقت، يتحول هذا الفقد إلى إضعاف لسلاسل الإنتاج المحلية، وتقليص القدرة على التوسع الصناعي أو جذب استثمارات جديدة.

حجة التحويلات

وفي المقابل، تستخدم بعض الجهات الرسمية مثل وزارة القوى العاملة ووزارة الهجرة وشؤون المصريين في الخارج حجة التحويلات المالية كمكسب اقتصادي محتمل لسفر العمال.

فزيادة أعداد العاملين في الخارج تعني تدفقات أكبر من النقد الأجنبي، وهو ما تحتاجه مصر في ظل أزمتها المستمرة في ميزان المدفوعات.

لكن هذا المنطق يغفل الفارق الجوهري بين التحويلات المالية بصفتها دخلا استهلاكيا، ورأس المال البشري الصناعي كأداة تنمية طويلة الأمد. فالتحويلات مهما ارتفعت، لا تعوض فقدان القدرة الإنتاجية المحلية، ولا تسد فجوة التصنيع.

ويعزز هذا الطرح ما أشار إليه عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية محمد البهي الذي حذر من أن الاعتماد على الأجور المنخفضة كميزة تنافسية للصناعة المصرية يقترب من نهايته.

فمع انفتاح سوق العمل الإقليمي وتراجع تكلفة الانتقال، لم يعد الفني مقيدا بجغرافيا واحدة، بل أصبح جزءا من سوق تنافسية عابرة للحدود.

وبينما يرى بعض المراقبين أن معوقات مثل نظام الكفيل وضعف الحماية العمالية قد تحد من اندفاع الفنيين المصريين نحو السعودية، يشير الواقع الاقتصادي إلى أن ضغوط المعيشة، واستقرار العملة، والفارق الكبير في الأجور، تدفع العامل إلى قبول شروط عمل قد لا يقبل بها داخل بلده، مقابل أجر أعلى وقدرة أكبر على الادخار.

صراع الكفاءات

في المحصلة، لا يمكن فهم القرار السعودي بمعزل عن إطار صراع المواهب الذي يتبلور في المنطقة، بصفته امتدادا لتحول أعمق في بنية المنافسة الصناعية العربية.

السعودية تخوض هذا الصراع من موقع الهيمنة الصناعية الفعلية؛ إذ تظهر بيانات القيمة المضافة للتصنيع أنها تتصدر الاقتصادات العربية بفارق كبير.

فقد بلغت قيمة إنتاجها الصناعي نحو 192.7 مليار دولار في 2024، أي أكثر من ثلاثة أضعاف نظيرتها في مصر التي سجلت حوالي 54 مليار دولار في العام نفسه. وفقا لبيانات البنك الدولي.

ويرتكز هذا التفوق بشكل رئيس على ثقل قطاعات البتروكيماويات والمعادن والمنتجات النفطية المكررة، وهي قطاعات تشكل العمود الفقري للتصنيع في الخليج، رغم توجه الرياض المتسارع لبناء قاعدة صناعية غير نفطية ضمن رؤية 2030.

في المقابل، تواجه مصر تحديا أكثر تعقيدا لا يرتبط فقط بحجم القاعدة الصناعية أو تنوعها، بل بقدرتها على الحفاظ على رأس مالها البشري الصناعي.

فالصناعة المصرية التي تعتمد على نحو أربعة ملايين مشتغل في الصناعات التحويلية، تدخل صراع الكفاءات من موقع هش، في ظل تآكل الأجور الحقيقية، وضغوط التمويل والطاقة، واتساع الفجوة بين العائد المحلي والعروض الإقليمية.

وإذا لم يتحول هذا التحدي إلى فرصة لإعادة هيكلة سياسات الأجور، وتحسين بيئة العمل، وربط الإنتاجية بالحوافز، فإن الصناعة المصرية قد تواجه نزيفا صامتا، لا يقاس فقط بعدد الفنيين المغادرين، بل بما يتركه هؤلاء من فراغ معرفي وتشغيلي يضعف سلاسل الإنتاج ويقوض القدرة التنافسية على المدى الطويل.