صراع الطاقة في البحر المتوسط.. كيف تعيد تركيا تشكيل المشهد لصالحها؟

"لم يأت توقيع الاتفاق بين المؤسسة الوطنية الليبية للنفط والشركة الوطنية التركية للبترول صدفة"
على مدار السنوات الأخيرة، وفي إطار التنافس المحموم على مصادر الطاقة، شهد شرق البحر المتوسط توترات بارزة بشأن السيطرة على المياه الإقليمية المختلفة.
وخلال صيف 2025، ظهرت تطورات جوهرية، قد تُفضي إلى إعادة تعريف موازين القوى وديناميكيات العلاقات بين مختلف الأطراف الفاعلة.
في هذا الإطار، تناول "معهد الدراسات السياسية الدولية" الإيطالي العلاقات بين تركيا وليبيا قائلا: "تثير العلاقة بين أنقرة وطرابلس اهتماما خاصا، إذ إن التعاون بينهما في قطاع الطاقة يتعزز بشكل أكبر على حساب أطراف مجاورة مثل اليونان وقبرص الرومية".

أربع مناطق بحرية
في الخامس والعشرين من يونيو/ حزيران 2025، وُقع بروتوكول تفاهم بين المؤسسة الوطنية الليبية للنفط والشركة الوطنية التركية للبترول لإجراء دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية في أربع مناطق بحرية".
وهذا الاتفاق أثار قلق أثينا التي ترى أنه يقوض موقفها في المياه الإقليمية، وهو موقف سبق أن تضرر بفعل مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 بين أنقرة وحكومة الوفاق الوطني الليبية آنذاك، والتي جرى تجديدها عام 2022 مع حكومة الوحدة الوطنية، بشأن ترسيم منطقة اقتصادية حصرية بين ليبيا وتركيا.
إلا أن ما يثير قلق أثينا بشكل خاص هو احتمال أن يقوم البرلمان الليبي في طبرق، كما جرى التلميح في أغسطس/ آب 2025، بالمصادقة على مذكرة التفاهم الخاصة بالمناطق الاقتصادية الحصرية الموقعة عام 2022، والتي يعترف بها حتى الآن فقط حكومة طرابلس.
ومثل هذه الخطوة ستؤدي إلى "تأميم" الاتفاقات التي كانت حتى الآن ذات طابع فصائلي، مما يعزز موقع تركيا في شرق المتوسط ليس فقط على المستوى الجيوسياسي، بل أيضا على الصعيدين القانوني والدبلوماسي.
وجاءت التحركات التركية كرد فعل على تحركات اليونان، وقال المعهد في هذا السياق: "لم يأت توقيع الاتفاق بين المؤسسة الوطنية الليبية للنفط والشركة الوطنية التركية للبترول صدفة".
بل جاء مدفوعا بخطوة اتخذتها أثينا في مايو/ أيار 2025 حين أطلقت مناقصة دولية لاستكشاف الهيدروكربونات في أربعة مربعات بالبحر المتوسط، بعد أن أبدت شركة شيفرون الأميركية اهتمامها بمربعين جنوب جزيرة كريت ومربع قبالة شبه جزيرة البيلوبونيز.
واعترضت حكومة الوحدة الوطنية الليبية على هذه المناقصة، ثم اتجهت إلى إبرام بروتوكول التفاهم مع أنقرة.
وبحسب المعهد، لا يقتصر الاتفاق على الاستكشاف الجيولوجي البحري في أربعة حقول جنوب الخط الوسيط بين اليونان (جزيرة كريت وشبه جزيرة البيلوبونيز) وليبيا.
بل يشمل أيضا إجراء مسح زلزالي ثنائي الأبعاد في مساحة قدرها عشرة آلاف كيلومتر مربع من المياه الليبية البحرية، مع الالتزام بمعالجة البيانات الناتجة خلال فترة لا تتجاوز تسعة أشهر.
وهذه العملية تمنح أنقرة مكسبا بالغ الأهمية يتمثل في الحصول على بيانات زلزالية وجيولوجية، ما يتيح لها تفوقا تنافسيا في قرارات الاستكشاف والاستثمار بالمتوسط، ويمنحها القدرة على التأثير في السياسات الطاقوية البحرية المستقبلية.
أما بالنسبة إلى ليبيا، فمثل هذه الاستكشافات قد تفتح الباب أمام استثمارات أجنبية جديدة في قطاع النفط والغاز البحري، الذي لم يُستغل بعد بشكل كامل.
وتشير التقديرات إلى أن الاحتياطيات غير المستكشفة قد توفر أكثر من 48 مليار برميل من النفط المؤكد و53 تريليون قدم مكعب من الغاز.
وتكلفة أي عملية حفر في المياه العميقة قد تتراوح بين 60 و120 مليون دولار، بينما قد تصل كلفة الاستثمار الكلي، بما يشمل منصات الاستخراج وخطوط النقل ومصانع المعالجة، إلى ما بين 3 و5 مليارات دولار.
وفي الوقت نفسه، تسعى ليبيا إلى تحقيق هدف معلن يتمثل في رفع إنتاجها اليومي إلى 1.6 مليون برميل في عام 2026، وهو رقم يتجاوز مستوى الإنتاج الحالي الذي بلغ في نوفمبر/ تشرين الثاني نحو 1.2 مليون برميل يوميا.
ويعتقد المعهد أن سد هذا الفارق، الذي يبقى أقل بكثير من مستويات الإنتاج قبل الحرب، يتطلب إعادة تأهيل المواقع القائمة واكتشاف حقول جديدة، وهو ما يستلزم تدفقا كبيرا من الاستثمارات الأجنبية.
في هذا السياق، ذكر أنه ليس من قبيل المصادفة أن البلاد أعلنت عن أول جولة منح امتيازات نفطية في 22 مربعا بعد توقف دام 17 عاما، في إشارة واضحة إلى رغبتها في إعادة فتح الأبواب أمام المستثمرين الدوليين.
مع ذلك، لفت إلى أن الاتفاق بصيغته الحالية لا يمنح أنقرة حقوقا مباشرة في عمليات الحفر.
لكن هذا الوضع قد يتغير جذريا إذا قررت حكومة الشرق الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر الاعتراف بمذكرة التفاهم الخاصة بالمناطق الاقتصادية الحصرية الموقعة عام 2019.
في هذا السياق، تشير تقارير إلى أن المجلس قرر في يونيو/ حزيران 2025 تشكيل لجنة فنية لدراسة الاتفاق، وفي أغسطس/ آب طرحت إمكانية الموافقة عليه بشكل ملموس"، بحسب ما أفاد به المعهد.

حسابات دقيقة
ولفت المعهد الإيطالي إلى أن هذه التحركات في التوقيت الحالي لم تأت صدفة، بل تعكس مسارا متدرجا من إعادة فتح قنوات الحوار بين تركيا والإدارة التي يقودها المشير خليفة حفتر في شرق ليبيا، وهو مسار يتجاوز الاتفاقات الاقتصادية والبنى التحتية التي بدأت منذ عام 2023.
وأوضح مقصده قائلا: فقد جاءت زيارة صدام حفتر، النجل الأكبر للمشير ونائبه، إلى أنقرة في أبريل/ نيسان 2025، وما تبعها من لقاءات مع الجنرال سلجوق بيرقدار أوغلو ووزير الدفاع يشار غولر، لتوسع دائرة الحوار وتشمل ملفات أمنية ودفاعية.
ثم عزز هذا الاتجاه لاحقا رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن بزيارة إلى بنغازي في أغسطس/ آب 2025، خصصت لبحث أشكال تعاون أمني ملموس، دون المرور بطرابلس.
وبحسب تقدير المعهد، يعكس هذا التقارب السياسي والأمني، المتزامن مع توسيع العلاقات الاقتصادية والبنية التحتية، توجها براغماتيا وإستراتيجيا من الطرفين.
وأوضح أنه بالنسبة لحفتر، فإن الانفتاح على أنقرة لا يوفر فقط فرصا اقتصادية عبر الاستثمارات التركية في برقة، بل قد يعزز موقعه في مواجهة حكومة غرب ليبيا التي أضعفتها الانقسامات المؤسسية والصراعات المستمرة بين العشائر والمليشيات رغم وقف إطلاق النار عام 2020.
وفي الوقت ذاته، يمكن للمشير أن يوظف تقاربه مع تركيا كورقة تفاوضية مع الاتحاد الأوروبي، سعيا إلى انتزاع اعتراف دولي بدوره السياسي، وبشكل خاص مع اليونان التي توقع المعهد أن "تجد نفسها مضطرة إلى إعادة فتح قنوات التواصل معه في ظل ملف المناطق الاقتصادية الحصرية".
أما تركيا، فإن إعادة التموضع مع شرق ليبيا يعكس حسابا سياسيا دقيقا.
فرغم استمرار دعمها لحكومة طرابلس، يدرك أردوغان أن الاكتفاء بهذا الدعم لا يضمن استقرارا طويل الأمد ولا يحمي مصالح أنقرة الاقتصادية.
لذلك، يعتقد المعهد أنه "يسعى إلى لعب دور الوسيط بين الطرفين، عبر دبلوماسية مزدوجة المسار تتيح له توسيع نفوذه على الساحة الدولية".
وبحسبه، "يظل الهدف الرئيس هو دفع مجلس النواب في طبرق إلى المصادقة على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019".
من جانب آخر، نوه التقرير إلى أن أنقرة "تأمل أيضا في توظيف تهدئة العلاقات مع شرق ليبيا لتعزيز حضورها في ساحات إفريقية أخرى تنافس فيها روسيا، مثل منطقة الساحل والقرن الإفريقي".
على الصعيد الإقليمي، يرى المعهد أن "هذه المراجعة التكتيكية تتماشى أيضا مع سياق إقليمي أكثر هدوءا لصالح تركيا".
فالتطبيع التدريجي مع مصر والإمارات، وهما من أبرز داعمي حفتر تاريخيا، أسهم في تخفيف حدة التنافس بالوكالة داخل ليبيا.
في هذا السياق، لم يستبعد المعهد أن "يضع التقارب مع القاهرة أنقرة في موقع أقوى في نزاعها مع اليونان حول ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة، وهي قضية طالما حظيت فيها أثينا بدعم مصري".
وعلى مستوى أوسع، يقدر أن "سقوط نظام الأسد في سوريا على يد أحمد الشرع، بدعم تركي، قلص من مساحة المناورة الروسية، وهو ما استغلته أنقرة لإعادة تنشيط الحوار مع حفتر، الذي كان يحظى بدعم موسكو".
علاوة على ذلك، "تُشير رسالة مُسربة من وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في يوليو/ تموز 2025 إلى وجود تنسيق جار مع سوريا للتوصل إلى اتفاق بحري يُعيد تعريف حدود المناطق الاقتصادية الخالصة الجديدة مقارنة بتلك المُتفق عليها مع الأسد، وهو ما من شأنه أن يعزز الطموحات التركية في شرق المتوسط".

جرس إنذار
في ردود الفعل الأوروبية على هذه التطورات، قال المعهد: “تمثل هذه التطورات جرس إنذار لليونان، التي انتقلت من موقف الإدانة المباشرة إلى نهج أكثر انفتاحا يقوم على التحرك الدبلوماسي السريع تجاه كل من طرابلس وبنغازي، إضافة إلى خطوات دولية”.
وتجلى ذلك في الرسالة التي وجهتها أثينا في سبتمبر/ أيلول 2025 إلى الأمم المتحدة تطالب خلالها بإلغاء مذكرة 2019 وترفض المطالب الليبية التركية بشأن المناطق البحرية.
ووفق المعهد، "شددت الرسالة على شرعية الاتفاق البحري اليوناني المصري لعام 2020، مؤكدة أنه أبرم وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، رغم أن هذه الاتفاقية لا تعترف بها كل من الولايات المتحدة وتركيا".
وبحسبه، "دعمت مصر هذا الموقف برسالة إضافية في 9 سبتمبر/ أيلول 2025 تدين الاتفاق الموقع في يونيو/ حزيران 2025 بين أنقرة وطرابلس".
غير أن التقارب المتدرج بين القاهرة وأنقرة قد يدفع مصر -بحسب التقرير- إلى "تبني مقاربة أكثر براغماتية والبحث عن قنوات حوار جديدة مع تركيا في هذا الملف".
في ظل هذا الضغط، أشار إلى أن أثينا "أطلقت جولة مشاورات مع كل من طرابلس وبنغازي لتعزيز علاقاتها مع الطرفين".
وأردف: "ورغم تأكيد بلقاسم حفتر لرئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس أن مجلس النواب لن يصادق في الوقت الراهن على مذكرة 2019، استقبلت أثينا في أكتوبر/ تشرين الأول صدام حفتر في زيارة رسمية لبحث التعاون العسكري والأمن الإقليمي".
"وفي موازاة الحفاظ على قنواتها مع شرق ليبيا، فتحت اليونان أيضا حوارا مع طرابلس لترسيم منطقة اقتصادية خالصة بين البلدين، مع طرح إمكانات تعاون أوسع في مجالات الطاقة والنقل والهجرة".
كما اقترح ميتسوتاكيس على البرلمان اليوناني إنشاء منتدى خماسي لشرق المتوسط يضم اليونان وليبيا ومصر وقبرص الرومية وتركيا للمرة الأولى.
ولفت المعهد إلى أن "هذا الإطار يختلف عن منتدى غاز شرق المتوسط الذي اُستبعدت منه أنقرة، إذ سيركز على خمسة محاور هي الهجرة، وحماية البيئة البحرية، والربط الإقليمي، وترسيم المناطق البحرية، والحماية المدنية".
ومع ذلك، يعتقد أن "خطر استمرار اليونان في موقع أقل قوة مقارنة بتركيا يبقى قائما".
وعزا ذلك قائلا: "ففي شرق ليبيا، تتفاوت أدوار أبناء حفتر؛ إذ يحظى صدام حفتر بنفوذ أكبر من شقيقيه خالد وبلقاسم، ويعده كثيرون الوريث الفعلي والمسؤول عن إدارة العلاقات الخارجية، بما في ذلك مع أنقرة".
لذلك، يرجح المعهد أنه "رغم تطمينات سبتمبر/ أيلول 2025 وتصريحات رئيس مجلس النواب عقيلة صالح في ديسمبر/ كانون الأول التي عدت مذكرة 2019 باطلة، لا توجد ضمانة نهائية تحول دون مصادقة سلطات طبرق وبنغازي عليها مستقبلا".
بالنسبة لروما، قال التقرير: "هذا المناخ غير المستقر في شرق المتوسط لا ينبغي أن يُستهان به من قبل الدول الأوروبية الأخرى، خصوصا المطلة على البحر مثل إيطاليا".
وأضاف: "فإلى جانب مشاركتها في مشروع خط أنابيب الغاز "إيست ميد" الذي لم يُنفذ بسبب مروره في مناطق بحرية متنازع عليها بين ليبيا وتركيا، تبقى شركة إيني الإيطالية المنتج الدولي الرئيس للغاز في ليبيا، وتسعى عبر المناقصة الجديدة إلى تعزيز حضورها في الاستكشاف والتطوير والإنتاج".
فضلا عن ذلك، "تعمل روما على ترسيخ نفوذها التقليدي في ليبيا، سواء في طرابلس أو بنغازي، مستفيدة من علاقتها مع أنقرة".
وبحسب المعهد، "عكس اللقاء الثلاثي في إسطنبول خلال أغسطس/ آب 2025 بين أردوغان ورئيس الوزراء الليبي عبد الحميد الدبيبة ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني رغبة مشتركة في تعزيز التعاون لمواجهة التحديات مع الغرب الليبي، الشريك التاريخي لكل من روما وأنقرة".
وفي السياق ذاته، زار وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوزي صدام حفتر في يونيو/ حزيران 2025، في إشارة عدها المعهد "رغبة إيطاليا في فتح قنوات مع الشرق الليبي أيضا".
وتوقع أن يثمر هذا التلاقي في النهج بين أنقرة وروما إلى تشكيل آلية ثلاثية مؤسسية تشمل تركيا وإيطاليا وليبيا، تتناول ملفات أمن الطاقة والاختصاص البحري ضمن أولوياتها.
بل وذهب إلى القول: إن يكون ذلك "بالتنسيق مع الولايات المتحدة التي تدعم بدورها مقاربة متوازنة بين طرابلس وبنغازي عبر جهود المبعوث الخاص مسعد بولس".
ووفق تقديره، فإن "مثل هذا الإطار يمكن أن يتيح مواءمة أنشطة إيني مع استثمارات النفط والغاز الوطنية التركية، على أساس تعاون وحوار بدلا من منافسة قد تتحول إلى صراع منهجي".
أما على المدى الطويل، فرجح أن يشكل هذا التعاون أرضية لتوسيع الشراكة على المستوى الأوروبي.
وعزا ذلك إلى أنه مع تزايد نفوذ أنقرة، قد تجد الدول الأوروبية نفسها مضطرة إلى إشراكها في ملفات المتوسط، رغم الخلافات مع اليونان وقبرص الرومية.
وشدد المعهد على أن تعزيز التعاون التركي الإيطالي من شأنه أن يسهل هذا المسار، خاصة مع تقارب أنقرة والقاهرة، كما يمكن أن يشكل أيضا توازنا أمام النفوذ الروسي المتنامي في المتوسط، الذي يُنظر إليه كتهديد مشترك من جانب أوروبا وتركيا.













