خطاب الحريري في ذكرى اغتيال والده.. عودة للسياسية أم تموضع محسوب؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

ألقى رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، سعد الحريري، خطابًا في 14 فبراير/شباط 2026، بمناسبة الذكرى السنوية الـ21 لاغتيال والده، أمام حشد جماهيري في بيروت. وقد فُسرت رسائله خلال الخطاب على أنها إشارات محتملة لعودته إلى العمل السياسي بعد غياب دام أربع سنوات.

وكان الحريري قد أعلن في يناير/كانون الثاني 2022 تعليق نشاطه السياسي، داعيًا تيار "المستقبل" الذي يقوده إلى عدم خوض الانتخابات النيابية، مبررًا قراره بما وصفه بـ"النفوذ الإيراني، والتخبط الدولي، والانقسام الوطني، واستعار الطائفية، واهتراء الدولة".

لبنان الموحد

خلال خطابه في ذكرى اغتيال والده، في 14 فبراير/شباط 2026، قال سعد الحريري: "من حق اللبنانيين بعد سنوات من الحروب أن يكون لديهم بلد واحد وجيش واحد وسلاح واحد". مؤكدًا أن "مشروعنا لبنان واحد، ولا نسمح بعودته إلى فتنة طائفية، والثمن الذي دفعناه يشهد على ذلك".

وشدد على تمسك "تيار المستقبل" بخيار الاعتدال ونهج الدولة، مؤكدا أن "مشروع الحريري لم يكن حلما ينتهي باغتياله". وفسّر قرار الابتعاد عن العمل السياسي قائلاً: "السياسة حين تكون على حساب مشروع الدولة لا مكان لها في مدرستنا. هناك من يحب السلطة، أما أنا فأحب جمهوري".

وتابع: "من راهن على إلغاء الحريرية نقول له: من جرب المجرب…"، مضيفًا في ختام كلمته: "نحن لا ننكسر لأن مشروع الحريري باقٍ".

وعن الانتخابات البرلمانية التي يُتردد أنها قد تؤجل لأسباب تقنية، تساءل: “هل ستجري الانتخابات؟ وماذا سيفعل تيار المستقبل؟”. موضحًا: "لدي جواب واحد: قولوا لي متى الانتخابات لأخبركم ماذا سيفعل المستقبل، لكن أعدكم: متى حصلت الانتخابات، سيسمعون أصواتنا ويحسبونها، سواء كانت بانتخابات أو بلا انتخابات".

واحتشد الآلاف من مناصري "تيار المستقبل" من مختلف المناطق اللبنانية في بيروت، إحياءً للذكرى، ورفع المشاركون لافتات تطالب بالعودة إلى العمل السياسي.

كما شدد الحريري على عدم جواز الدخول في أي خلاف عربي–عربي، داعيًا اللبنانيين إلى "الابتعاد عن استغلال هذه الخلافات"، مشيرًا إلى أن "الدور السعودي في البلد ثبّت اتفاق الطائف ودعم الاستقرار، ولم ندخل كطرف بأي نزاع بين الدول العربية".

ووجّه التحية لأهالي الجنوب، معقل حزب الله، مؤكّدًا أن تطبيق اتفاق الطائف كاملاً يعني "عدم وجود السلاح إلا بيد الدولة، وإلغاء الطائفية السياسية، وإنشاء مجلس الشيوخ، وتطبيق اتفاق الهدنة بحذافيره".

وأضاف أن المجتمع الدولي "ينظر إلى لبنان كمَلِك لتضييع الفرص"، لافتًا إلى أن "لبنان يمتلك ثروات كبيرة، ولكن هناك سوء إدارة".

ورداً على ما إذا كان قد عقد لقاءات مع "حزب الله"، نفى الحريري حدوث أي لقاء رسمي، موضحًا أن الحزب "جزء من المكون اللبناني، ويوجد حوار مع الأحزاب الشيعية ضمن الحكومة".

في السياق ذاته، زارت شخصيات سياسية ودبلوماسية عربية وغربية، بالإضافة إلى وفود حزبية ونيابية، الحريري في محل إقامته ببيروت، من بينهم رئيسا الحكومة السابقان نجيب ميقاتي وتمام سلام، والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية.

رسائل متعددة

وفي ظل الخطاب الجديد لسعد الحريري، رأت الصحافة اللبنانية أن فيه دلالات ورسائل عدة تجاوزت البعد التعبوي لجمهوره، لتؤشر إلى محاولة إعادة تثبيت حضوره السياسي ضمن معادلة لبنانية وإقليمية معقدة.

وذكرت صحيفة "النشرة" اللبنانية، في 17 فبراير، أن "الخطاب، وإن جاء بلغة وجدانية عالية، تضمن رسائل متعددة الاتجاهات تعكس إعادة تموضع محسوبة أكثر منها إعلان عودة فورية إلى العمل السياسي التقليدي". مشيرة إلى أن عبارة الحريري "لستم قلّة" أرادت تثبيت الشرعية الشعبية وإعادة شد العصب السياسي.

وبحسب الصحيفة، كانت الرسالة واضحة في هدفها نفي السردية التي سادت خلال فترة ابتعاده عن الحياة السياسية، والتي تحدثت عن تراجع حضور التيار الذي يمثله. وهذا التأكيد المتكرر يعكس محاولة إعادة إنتاج الشرعية الشعبية لـ"تيار المستقبل"، وإظهار أن القاعدة الشعبية ما زالت قائمة وقابلة لإعادة التعبئة.

ورأت الصحيفة أن "الخطاب كان إعادة تموضع لا إعلان عودة"، وترى أنه لا يشكل إعلان عودة سياسية مباشرة بقدر ما هو تمهيد مدروس لإعادة تثبيت حضوره في المعادلة اللبنانية.

وأضافت أن الخطاب جمع بين إعادة شد العصب الشعبي، وتبرير الانسحاب السابق، وطرح رؤية سياسية تقوم على استعادة الدولة المركزية والانفتاح العربي.

واختتمت الصحيفة بأن "الرسالة الأبرز تمثلت في أن الحريرية السياسية لم تغب، بل أعادت ترتيب أوراقها، وأن قرار العودة إلى السلطة لن يكون متسرعًا، بل مرتبطًا بتبدل التوازنات الداخلية والإقليمية. بالتالي، زمن الغياب قد انتهى، لكن زمن العودة الكاملة لم يحن بعد".

وفي سياق متصل، قال الكاتب نبيل موسى في مقال نشره موقع "جنوبية" اللبناني، في 14 فبراير، إن الحريري لو أراد العودة الفورية للعمل السياسي، لكان بوسعه قول جملة واحدة واضحة: "قررت التراجع عن قرار تعليق العمل السياسي لتيار المستقبل وخوض الانتخابات النيابية على كامل الأراضي اللبنانية في أي موعد جرت".

وأضاف الكاتب أن الحريري اختار البقاء في "المنطقة الرمادية"، في انتظار الوقت المناسب؛ لأنه يؤمن بأن "كل شيء بوقته حلو". مشيرًا إلى أن خطاب الحريري “حمّال أوجه”؛ إذ يفسر الماء بعد جهد بالماء، ويترك بيئته في حالة تيه سياسي.

كما أوضح الكاتب أن الحريري يعلم أنه غير قادر حتى الآن على اتخاذ قرار العودة إلى الساحة السياسية، نظرًا لوجود خلافه مع الرياض، وعدم قدرته على العودة إلى بيروت بدعم من أبو ظبي؛ لأن مثل هذه الخطوة ستفسر على أنها تدخل في خلافات بين السعودية والإمارات، ما يعني أنه "سيحرق يديه ورصيده السياسي".

"رؤية إيرانية"

وعلى صعيد الصحافة الإيرانية ونظرتها لخطاب سعد الحريري وعودته إلى بيروت، كتب الكاتب الإيراني حسن هاني في مقال نشرته وكالة "إيلنا" الإيرانية في 16 فبراير، أن عودة رئيس الوزراء اللبناني السابق قد تؤدي إلى تشكّل حالة من التعددية القطبية واحتدام التوتر السياسي في لبنان.

وأضاف هاني: أن "اليوم، في ظل الظروف الراهنة في لبنان وعجز الحكومة الحالية عن نزع سلاح حزب الله ضمن إطار زمني محدد، يبدو أن عودة الحريري قد تغيّر المعادلات اللبنانية، وتفضي إلى نوع من المواجهة الاجتماعية والسياسية بين الشيعة والسنة. خصوصًا أنه يتمتع بنفوذ اقتصادي ومالي وسياسي ملحوظ في المناطق ذات الغالبية السنية".

وأوضح الكاتب أن الحريري سيحاول في الانتخابات البرلمانية المقبلة حصد غالبية المقاعد لصالح تيار المستقبل، بما يمكّنه من تشكيل الحكومة التي يسعى إليها، متوقعًا أن يشهد لبنان خلال العامين الجاري والمقبل تحولات جوهرية في بنية الحكم، وكذلك على الصعيدين الاجتماعي والسياسي.

وفي السياق ذاته، قالت صحيفة "نداء الوطن" اللبنانية في 14 فبراير: إن الحريري ركز خلال لقاءاته مع عدد من الفاعليات والنواب على أن "لبنان والمنطقة يشهدان تحولًا إستراتيجيًا، ويملك لبنان فرصة ذهبية نتيجة سقوط مشروع إيران و(حزب الله)، وبالتالي يمكننا استثمار هذه الفرصة لأن سلوك الممانعة كان يعيق كل المشاريع التطويرية".

وأضافت الصحيفة أن الحريري أكد أمام النواب أنه "متحمس للعودة إلى الحياة السياسية، وأن تيار المستقبل وإرث والده سيحافظ عليهما، وسيترأس كتلة نيابية، لذلك سيكون حاضرًا في الانتخابات ترشيحًا ودعمًا، وفق كل دائرة وظروفها".

كما ذكرت الصحيفة أن الحريري شدد على أنه "لا تحالف مع حزب الله مهما كانت الظروف، بل إن هدف خوض الانتخابات هو تشكيل كتلة تدعم مشروع الدولة وتنقذ لبنان، فيما يبقى تأليف اللوائح متروكًا لوقته. خصوصًا أن قانون الانتخاب يفرض قواعد مغايرة للقانون الأكثري، لكن الأكيد أنه لا تحالف مع حزب الله ومحوره".

وختامًا، أكدت الصحيفة أن الحريري شدد على العلاقة مع السعودية والرهان على دورها والتنسيق معها، مؤكدًا أن لبنان أمام فرصة جديدة يجب استغلالها، لكنه رأى أن الانتخابات فرصة للتغيير، في حين أن موعدها ليس نهائيًا، رغم ترشح رئيس البرلمان نبيه بري، ما يستدعي الانتظار لتصبح الأمور أكثر جدية.