حذف صفرين من الليرة السورية.. كسر إرث العقوبات أم رهان محفوف بالمخاطر؟

مصعب المجبل | منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

مع بدء تداول العملة السورية الجديدة رسميا مطلع عام 2026، تدخل البلاد مرحلة نقدية مختلفة تحمل أبعادا تتجاوز الشكل والتصميم إلى ما هو أعمق اقتصاديا وماليا.

فعملية حذف صفرين من الفئات النقدية للعملة السورية، وما رافقها من استبدال منظم للعملة القديمة، لا تعد مجرد إجراء تقني روتيني بحسب الخبراء، بقدر ما تمثل رسالة سياسية واقتصادية تهدف إلى إعادة ضبط المشهد النقدي وتعزيز الثقة بالليرة السورية داخليا وخارجيا.

 استبدال العملة السورية

وطرحت العملة السورية الجديدة بأوراقها النقدية ذات التصميم الجديدة بعد حذف صفرين من فئاتها في السوق السورية بشكل رسمي بدأ من الرابع من يناير 2026.

وانطلقت عملية استبدال العملة القديمة بالجديدة في عدد من مراكز الصرافة بالعاصمة السورية دمشق، حيث شهدت الأسواق حالة إقبال من المواطنين في اليوم الأول.

وطُرحت في التداول الفئات النقدية الأصغر، حيث جرى حذف صفرين من كل فئة نقدية، وتضمنت الفئات المطروحة فئة 10 ليرات، التي تعادل 1000 ليرة سورية (قديمة)، وفئة 25 ليرة، التي تعادل 2500 ليرة سورية (قديمة)، وصولا إلى فئة 50 ليرة، التي تعادل 5000 ليرة سورية (قديمة).

أما الفئات الأعلى تشمل 100 ليرة، و200 ليرة، وصولا إلى فئة 500 ليرة.

وجميع الفئات النقدية الجديدة تحمل رموزا تمثل مختلف المحافظات السورية، في إطار ما وصفه بالهوية البصرية الجديدة للعملة السورية، ولكل فئة نقدية رمزا بصريا خاصا يعكس تنوع الجغرافيا السورية، مثل البرتقال الذي يرمز إلى الساحل السوري، والقطن الذي يرمز إلى المناطق الشمالية والشمالية الشرقية، والزيتون والسنابل التي تشير إلى مناطق متعددة من البلاد، بما فيها البادية السورية.

وأجرى وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعّار، وحاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية جولة ميدانية في 4 يناير 2025 على عدد من مراكز استبدال العملة في دمشق، لمتابعة سير العمل والاطلاع على تنفيذ الإجراءات المعتمدة.

وشملت الجولة تقييم واقع العمل داخل المراكز، ومستوى الجاهزية الفنية والتنظيمية، ومتابعة آليات استبدال العملة والالتزام بالتعليمات والضوابط الناظمة، لتقديم الخدمة للمواطنين بكفاءة.

وأكد الشعّار أن هذه الجولة تأتي في إطار الجهود الحكومية لمتابعة تنفيذ السياسات الاقتصادية، ورفع كفاءة الخدمات المقدمة، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي ودعم الاستقرار النقدي.

وكان أعلن مصرف سوريا المركزي، 29 ديسمبر 2025، إصدار تعليمات تنفيذية للمرسوم رقم 293 لعام 2025 الخاص بإطلاق العملة السورية الجديدة.

وأوضح المصرف أن الاستبدال يقوم على حذف صفرين من القيمة الاسمية للعملة، بحيث تصبح كل 100 ليرة قديمة ليرة واحدة جديدة، مع اعتماد مراكز رسمية داخل سوريا حصراً لعمليات الاستبدال.

وأكد أن المراكز تشمل 59 مؤسسة مالية وأكثر من 1500 فرع، على أن تبدأ عملية الاستبدال في 1 كانون الثاني 2026 ولمدة 90 يوما قابلة للتمديد بقرار يصدر قبل 30 يوما من انتهاء المدة المحددة.

وظهر الرئيس السوري أحمد الشرع وهو يتجوّل في دمشق في 5 يناير 2026 وهو يتعامل مع بائع بعملات ورقية من الفئة الجديدة للعملة السورية.

وتشهد سوريا فترة تعايش بين العملتين (القديمة والجديدة)، تمتد لمدة 90 يوما، يتم خلالها استبدال العملة القديمة بشكل كامل، مع إمكانية تمديد هذه الفترة في حال عدم انتشار العملة الجديدة بصورة شاملة في الأسواق.

لا سيما أن عملية الاستبدال إجراء روتيني، رغم ما تحمله من رمزية وخاصة بإزالة صورة بشار الأسد وأبيه حافظ، حيث جرى استبدال كتلة نقدية بكتلة نقدية أخرى، دون أي تغيير في سعر صرف الدولار أو في المؤشرات الاقتصادية الأساسية.

وسبق أن كشف حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية، خلال لقاء خاص مع الإخبارية، في 20 أكتوبر 2025 عن مشاريع جديدة لتطوير المصرف المركزي تتعلق بدعم العملة الوطنية الجديدة، مؤكداً أن بعثة خاصة من الولايات المتحدة الأميركية ستتولى متابعة استبدال النقد المطروح وطرحه في الأسواق.

وأشار حصرية إلى أن الاجتماعات التي أجريت في واشنطن تهدف لدعم عملية التعافي في سوريا والمضي قدما في تطوير المصرف المركزي واندماج القطاع المالي السوري مع النظام المالي العالمي، وجعل المصرف يعمل وفق القواعد العالمية.

وقد زارت بعثة خارجية مختصة بأنظمة الدفع سوريا في منتصف نوفمبر 2025 لدراسة أنظمة الدفع وتقديم أفضل الحلول لتطويرها بما يلبّي الطموحات الوطنية.

وفي ظل تلك المعطيات، فإن الجهود اليومية السورية تهدف لتحرير القطاع المصرفي من القيود المتراكمة منذ أكثر من 50 عاما نتيجة العقوبات وإهمال المصرف المركزي.

ويؤكد القائمون على السياسة النقدية أن خطوة استبدال العملة السورية، لا تعني تحسنا فوريا في الواقع المعيشي.

إذ يرى خبراء اقتصاديون أنها تشكل حجر أساس في مسار أوسع لإعادة التقدير للعملة الوطنية، وتنظيم التداول النقدي، وتهيئة البيئة المصرفية لمرحلة تعاف اقتصادي تدريجي في سوريا الجديدة التي تنشد عملية الإعمار الواسعة.

"تعزيز الثقة"

وضمن هذه الجزئية، يؤكد الباحث الاقتصادي، رضوان الدبس، لـ "الاستقلال" أن تحسن الليرة السورية الجديدة، ينظر له بداية من تحسن قيمة العملة أمام العالم".

وأضاف الدبس قائلا: "إن المستثمرين، والمنظمات الحكومية، والسفراء الأجانب، والدول الأخرى تشعر بأن الاقتصاد السوري بدأ ينهض وبدأ يمارس دوره، أي أن وزارة المالية أو المصرف المركزي بدأوا يمارسون مهامهم الطبيعية وبدأوا يضعون أنفسهم على الطريق الصحيح، فهذا يعطي دافعا ويمنح ثقة للمستثمرين الأجانب بأن الدولة بدأت تأخذ الوضع الصحيح، وهذا يعطي دافعا للمستثمرين".

ولفت الدبس إلى أن "النقطة الأكثر أهمية للمواطن السوري أنها ستسهل عمليات تبادل العملة، يعني كنا نعرف أن المواطن السوري كان ينزل مثلا إلى السوق، وكان أغلبنا يحمل حقيبة بيده أو كيسا أسود يحمل فيه أموالا بسبب قيمة العملة، وهذا بالتالي كان يصعب كثيرا عمليات التداول".

وأردف "وبالتالي كان كثير من الناس يلجؤون إلى الدولار أو إلى الليرة التركية من أجل تسعير قيمة بضاعتهم. الآن، من المفترض أن يعود الوضع الطبيعي، وأن يعود الناس للتعامل بالليرة السورية، وبالتالي يصبح التسعير بالليرة السورية أيضا، والتعامل بالليرة السورية".

وأشار الدبس إلى أنه "عندما تكون الليرة بدل الدولار هي المتداول في السوق يتعزز الثقة بها، وتتوافر سيولة من العملات الأجنبية لدى المصرف المركزي، وبالتالي يعود الدولار إلى المصرف المركزي ويرجع إلى مخازنه الطبيعية في البنوك، أي الأماكن الأساسية التي يجب أن يكون فيها".

والنقطة الثانية وفق الخبير الاقتصادي، في "مناطق كثيرة في الشمال السوري المحرر سابقا، وهي محافظة إدلب وأريافها كاملة، وأرياف حلب الشمالية كاملة، كلها تتعامل بالليرة التركية، ولا تتعامل بالليرة السورية منذ سنوات".

ولهذا وفق الدبس "فإن عودة التعامل بالليرة السورية في محافظة إدلب وأريافها (كانت تتعامل بالليرة التركية والدولار قبل سقوط حكم بشار الأسد)، وهي تعد قوة اقتصادية لا يستهان، سوف تسحب كمية جيدة من العملة السورية ويبدأ تداولها هناك، وتعود قيمة الدولار إلى المصرف المركزي، فهذه الأمور يمكن أن تسهم في الحالة الاقتصادية السورية".

وكان الرئيس أحمد الشرع بعد كشفه عن الأوراق النقدية الجديدة في 29 ديسمبر 2025 قال: إن "تبديل العملة عنوان لأفول مرحلة سابقة لا مأسوف عليها، وبداية مرحلة جديدة يطمح لها الشعب السوري".

وأكد الشرع أن "شكل العملة الجديدة تعبير عن الهوية الوطنية الجديدة والابتعاد عن تقديس الأشخاص".

وقال الشرع: "إذا أراد أحد أن يشتري شيئا بسيطا، فيحتاج إلى حمل أكياس حتى يقوم بتداول، لذلك الناس يذهبون إلى الدولار" مضيفا أن "اليوم، سهولة هذه الخدمة تعزز العملة الوطنية".

ويضطر السوريون لحمل كميات كبيرة من الأوراق النقدية القديمة في حقائبهم أو في أكياس بلاستيكية من أجل تلبية احتياجاتهم، إذ كانت تعد فئة الخمسة آلاف الأعلى المتداولة في السوق قبل البدء بـ استبدالها بـ فئة 500 ليرة.

ويراوح سعر الصرف في الآونة الأخيرة بين 10 و11 ألفا في مقابل الدولار، بينما كان يراوح عند مستوى 15 ألفا في الأشهر التي سبقت سقوط حكم نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024.

"إجراءات تالية"

مع إعلان واشنطن ثم الاتحاد الأوروبي رفع عقوبات مفروضة منذ سنوات، يأمل سوريون أن تدور عجلة التعافي، في مسار يقول خبراء اقتصاديون إنه يحتاج الى وقت طويل ولا يكفي رفع العقوبات وحده لدفعه قدما في ظل غياب بيئة استثمار مشجعة تجذب المستثمرين ورؤوس الأموال.

وينال رفع العقوبات الأوروبية الأخير تحديدا النظام المصرفي الذي كان مستبعدا من الأسواق الدولية، بعدما تم تجميد أصول المصرف المركزي وحظر التعامل معه.

وهنا يشير الخبير الاقتصادي الدبس إلى أن "استبدال العملة السورية هي أحد المراحل الاقتصادية في ظل سوريا الجديدة والتي يجب أن تتبعها مراحل أخرى من وزارة المالية ووزارة الاقتصاد، من العمليات التشريعية، وعمليات التحول الرقمي، والتحول إلى التعامل الإلكتروني، وتشريعات البنوك التي تسهم جميعها في العملية الاقتصادية المنشودة بسوريا".

وألمح الدبس إلى أن "العملة السورية الجديدة من شأنها أن تكون غير قابلة للتزوير، وهو ما سيسهم في تسهيل عمليات التداول خلال المرحلة القادمة، ويحد من حالات الغش والتزوير، الأمر الذي يوفر حماية أكبر للمواطنين مقارنة بالفترة السابقة".

وأردف "كما أن وجود كميات كبيرة من العملة السورية المزورة والقديمة في السوق، والتي لن يصرفها البنك المركزي السوري، من شأنه أن يسهم في تحسين واقع العملة السورية، عبر سحب العملات المهترئة والمزورة من التداول، كونها لا تستند إلى أي أساس قانوني لدى البنك المركزي".

وختم بالقول "هذه الإجراءات مجتمعة من شأنها أن تحسن قيمة العملة السورية، وتعزز الثقة في التعامل بها خلال المرحلة المقبلة".

وتعول سوريا الجديدة على دعم الدول الصديقة والغربية لإطلاق مرحلة إعادة الإعمار في البلاد التي قدرت الأمم المتحدة كلفتها بأكثر من 400 مليار دولار.

ويقول الباحث الاقتصادي بنجامين فاف لوكالة الصحافة الفرنسية في هذا الصدد "مع رفع العقوبات عن سوريا بشكل عام، نتوقع وتيرة متزايدة في إعادة إعمار البنية التحتية، كالطرق والمستشفيات والمدارس"، مرجحا أن "تُسرّع دول مثل السعودية وقطر وتركيا التي تربطها علاقات بالحكومة الجديدة، وتيرة التجارة والاستثمار، خصوصا في مجال إعادة الإعمار".

لكن قطاعات أخرى أبرزها الطاقة والقطاع المصرفي تتطلّب "استثمارات كبرى ووقتا أطول بكثير لتتحقق فعليا" في "عملية قد تستغرق بضعة أشهر أخرى"، وفق فاف الذي يعمل في مؤسسة كرم شعار للاستشارات.

وتتطلب إعادة ربط النظام المصرفي السوري بالقطاع المصرفي العالمي اتخاذ تدابير على مستويات عدة.

ويشرح فاف ذلك بقوله: "قبل أن تُجدد البنوك الأوروبية، على سبيل المثال، علاقاتها أو علاقات المراسلة المصرفية مع البنوك السورية، سيتعين عليها تقييم معايير الامتثال لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في سوريا، وهو أمر سيستغرق وقتا" نظرا لتأخر سوريا الكبير في هذا المجال.