كيف ستتعامل غزة مع فقدان دعم 60% من مستشفياتها ومراكزها الصحية؟

"الاحتلال. يطلب بيانات حساسة عن عمّال المنظمات وعائلاتهم"
في استمرار لقراراتها التعسفية الإجرامية، ألغت حكومة الاحتلال الإسرائيلي رخصة تشغيل حوالي 37 منظمة غير حكومية، وأمهلتها مدة لا تتجاوز 60 يوما للانسحاب من غزة والضفة الغربية.
وأمام تضييق الخناق المتزايد على الأراضي الفلسطينية، تزايد الضغط الدولي لإلغاء هذا الحظر على المنظمات غير الحكومية.
وقالت صحيفة "إلباييس" الإسبانية: إن حكومة الاحتلال أكدت مطلع يناير/ كانون الثاني 2026 تطبيق قرار بتعليق عمل 37 منظمة غير حكومية دولية في قطاع غزة والضفة الغربية.
وقد حثّت جهات إنسانية محلية وعالمية سلطات الاحتلال على إعادة النظر في هذا القرار الذي سيقطع المساعدات التي يعتمد عليها آلاف الغزيين في خضم واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

وضع حرج
لكن أصرّت حكومة بنيامين نتنياهو على موقفها ومضت قدما في تنفيذ القرار الذي زعمت أنه ضروري لمكافحة "الإرهاب".
ونتيجة لهذه القرارات التعسفية، تضطر عشرات المجموعات الموجودة على الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك “أطباء بلا حدود” و"أوكسفام"، على إنهاء أنشطتها بموجب لوائح جديدة.
ويأتي هذا إثر استحداث السلطات الإسرائيلية في مارس/ آذار 2025 نظام تسجيل جديد مثيرا للجدل، يقضي بإلغاء تراخيصها الحالية.
وأمام هذا الوضع، أكدت المنظمات المتضررة أن النظام الجديد ينتهك المبادئ الإنسانية المتمثلة في الاستقلالية والحياد، ويفرض شروطا سياسية لا تمت بصلة لعملها الإنساني، ويطالبها بمعلومات لا تستطيع تقديمها دون تكبّد مخالفات قانونية.
ووفقا لإسرائيل، بدأ سريان إلغاء التراخيص في غرة يناير 2026، ولن يبقى أمام المنظمات سوى مهلة 60 يوما للانسحاب.
في حال تطبيق هذا الإجراء، سينجرّ عن إلغاء عمل هذه المنظمات فقدان جزء كبير من القطاع الإنساني في الأراضي الفلسطينية، حيث إنه الداعم الوحيد لكثيرين من سكان غزة.
ونددت المفوضة الأوروبية للتعاون الدولي والتنمية، حاجة لحبيب، بهذا الإجراء، محذرة من أنه "يعني عرقلة وصول المساعدات المنقذة للحياة".
وقالت في بيان: "لا يمكن تطبيق سجل المنظمات غير الحكومية بشكله الحالي، فالقانون الإنساني لا يدع مجالا للشك: يجب أن تصل المساعدات إلى من يحتاجونها".
تأتي هذه الجهود الرامية إلى طرد هذه المنظمات في وقت يواجه فيه قطاع غزة والضفة الغربية وضعا حرجا على أرض الواقع.
معايير تعسفية
ووفقا لوزارة الصحة في غزة فقد قتلت قوات الاحتلال 416 شخصا وأصابت 1150 آخرين في القطاع منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول.
في غضون ذلك، شرعّت سلطات الاحتلال منذ 31 ديسمبر/ كانون الأول 2025 في هدم 25 مبنى في مخيم نور شمس للاجئين شمال غرب الضفة الغربية، مما أدى إلى تشريد نحو 100 عائلة فلسطينية.
وزعم الاحتلال أن العملية تأتي في إطار جهود "مكافحة الإرهاب"؛ إلا أن السكان النازحين نددوا بها بصفتها خطة لتهجيرهم من الأراضي الفلسطينية.
من جانبها، أصرّت المنظمات المتضررة أن عملية التسجيل الجديدة تتطلب "خرقا لواجبها في حماية موظفيها".
وقد أكدت هذه المعلومات مسؤولة السياسات في منظمة أوكسفام بالقدس، بشرى خالدي.
وفي حديثها إلى عدة وسائل إعلام، نددت خالدي بالخطة، موضحة أن الإجراءات الجديدة تتطلب منهم "تسليم بيانات حساسة عن عمّال المنظمة الفلسطينيين وعائلاتهم".
وأوضحت أن هذا الأمر بالغ الصعوبة "بعد العامين الماضيين اللذين شهدا مقتل عدد قياسي من عمال الإغاثة في غزة، تجاوز 500 عامل"، مستشهدة بأرقام صادرة عن المكتب الإعلامي لحكومة غزة.
من جهته، دعا الفريق القطري للعمل الإنساني، وهو المنتدى الذي يضم وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إسرائيل إلى إعادة النظر في موقفها بعد إعلان الوزير عميحاي شيكلي تعليق عمل المنظمات غير الحكومية.
وكان الفريق قد حذر في بيان سابق من أن منع هذه الهيئات سيعرض العمليات الإنسانية في غزة للخطر من خلال نظام "يقوم على معايير غامضة وتعسفية ومسيسة للغاية، ويفرض متطلبات لا يمكن استيفاؤها دون انتهاك الالتزامات القانونية الدولية".

هامش ضيق
بالإضافة إلى ذلك، سيلحق انسحاب 37 منظمة غير حكومية من غزة ضررا بالغا بالقطاع الصحي المنهك أصلا، والذي تشكل فيه المنظمات الدولية أكثر من نصف الجهات الفاعلة.
وتدير هذه المنظمات أو تدعم 60 بالمئة من المستشفيات الميدانية، وسيؤدي اختفاؤها إلى إغلاق ثلث المراكز الصحية، وهي نتيجة كارثية خاصة بعد أن دمر الهجوم الإسرائيلي 94 بالمئة من المستشفيات، جزئيا أو كليا، وفقا لمنظمة الصحة العالمية.
بالمثل، سيُشكل هذا القرار ضربة قوية للأمن الغذائي، إذ يعتمد 132 موقعا من أصل 195 موقعا لإعداد الطعام في القطاع بشكل مباشر على المنظمات الدولية غير الحكومية.
ونقلت الصحيفة أن "19 منظمة حقوقية مقرها إسرائيل أدانت إلغاء تصاريح المنظمات غير الحكومية. وكانت منظمة بتسيلم، التي تتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، ومنظمة كسر الصمت، المتكونة من جنود سابقين معارضين للاحتلال، من بين الموقعين على البيان المشترك".
وحذرت المنظمات قائلة: "بالتوازي مع الانتهاكات على الأراضي الفلسطينية، وكجزء من العدوان الإسرائيلي على سكان غزة، تم تقييد وصول المساعدات الإنسانية بشكل كبير منذ أكتوبر 2023".
ونقلت صحيفة "التيامبو" الكولومبية عن المحلل الدولي، كارلوس نوفوا، بأن حظر المنظمات غير الحكومية في غزة يُعد "إجراء متطرفا".
وحول احتمالية التفاوض لإلغاء هذا القرار، أشار المحلل إلى أن الهامش هنا ضيّق وتعدّ المسألة صعبة نظرا لسرعة وقوة تنفيذ الإجراء الإسرائيلي.
ورغم عدم استبعاد التوصل إلى اتفاق لاحق، إلا أنه من غير المرجح أن يصدر اتفاق مباشر من الجهات الفاعلة المعنية في غزة.
وأضاف: “هذا أمر لن يصدر عن الحكومة الإسرائيلية، أو عن حماس”.
وتابع نوفوا: "أعتقد أن المجتمع الدولي وهذه الجماعات التي تتمتع بنفوذ كبير في إسرائيل، قادرون، من خلال تدخل الولايات المتحدة، على المساعدة في التوصل إلى حل وسط، من الواضح أن سكان غزة في أمس الحاجة إلى المساعدات، وما تريده إسرائيل هو السيطرة عليها".















