من أموال المقاصة إلى تسرب الطلبة.. هكذا تجرف الأزمة المالية التعليم الفلسطيني

خالد كريزم | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تتعرض المنظومة التعليمية الفلسطينية منذ سنوات لعملية تجريف غير مسبوقة، تفاقمت أخيرا لتُنتج واقعًا تعليميًا مشوّهًا يتمثل في أسبوع دراسي مبتور وفاقد تعليمي كارثي يهدد جيلاً كاملًا.

فخلال الأعوام الأخيرة، خضعت المنظومة التعليمية لاستنزاف متواصل بلغ في الفترة الأخيرة مستوى غير مسبوق، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على التحصيل العلمي والاستقرار الاجتماعي.

جذور الأزمة

السبب الأول للأزمة الحالية يكمن في امتناع إسرائيل عن تحويل عائدات المقاصة (إيرادات الضرائب) التي تمثّل ثلثي إيرادات السلطة الفلسطينية.

فمنذ عام 2019، بدأت حكومة الاحتلال اقتطاعات شهرية من هذه الإيرادات بحجة دفع السلطة رواتب لأسر الأسرى والشهداء، وقد خُصم نحو مليار دولار بين فبراير/شباط 2019 ويوليو/تموز 2024.

بعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، استقطعت إسرائيل 75 مليون دولار شهريًا – قيمة حصة غزة – ثم أوقفت التحويلات كليًا منذ مايو/أيار 2025.

وبحسب معطيات رسمية، وصلت الأموال المحتجزة إلى 4.5 مليارات دولار بنهاية 2025 ما جعل السيولة المتاحة لدفع الرواتب والخدمات تصل إلى أدنى مستوى.

إضافة إلى ذلك، فقدت السلطة ربع ناتجها المحلي بعد إلغاء تصاريح العمل لما يزيد على 200 ألف عامل في إسرائيل وتشديد الحصار والحواجز، فتراجعت إيرادات الضرائب المحلية وأصبح تمويل الرواتب مستحيلاً بدون ديون جديدة.

تزامن حجب الأموال مع انخفاض حاد في المساعدات الخارجية، فقد بلغ الدعم الدولي للسلطة 358 مليون دولار عام 2025 مقارنة بنحو ملياري دولار عام 2008.

أما التعهد العربي بتقديم 100 مليون دولار شهريًا الذي تبنته الجامعة العربية عام 2012 فلم يتحقق إلا جزئيًا، بحسب المركز العربي للأبحاث في واشنطن.

ومع تراكم الديون والاقتراض من البنوك المحلية، وصلت ديون السلطة إلى ما يعادل 106 بالمئة من الناتج المحلي بحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

واضطرت الحكومة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2021 إلى دفع نصف الرواتب أو أكثر أو أقل في بعض الأحيان وبشكل غير منتظم، وكان التعليم والصحة الأكثر تضررًا.

واليوم أصبحت المدارس الحكومية غير قادرة على دفع مستحقات المعلمين أو تشغيل المدارس طوال الأسبوع، وأصبح التعطيل لا مفر منه.

إلى جانب ذلك، يحمّل العديد من الخبراء السلطة المسؤولية عن بعض أوجه الأزمة. تقرير صادر عن المركز العربي للأبحاث يرصد أن السلطة تراكمت لديها ديون ضخمة للبنوك والموردين نتيجة سوء التخطيط والاعتماد المفرط على الإيرادات المحجوزة والاقتراض.

كما تعاني موازنات التعليم والصحة من افتقار للشفافية؛ إذ يطالب اتحاد المعلمين الفلسطينيين بتخصيص بند واضح للتعليم وإنشاء صندوق طوارئ لضمان صرف الرواتب. 

يضاف إلى ذلك صعوبة التحصيل الداخلي وضعف الجباية المحلية بسبب الاقتصاد المنهك، ما يجعل الحكومة عاجزة عن تعويض النقص من مصادر أخرى.

آثار مدمرة

منذ بدء دفع الرواتب الجزئية قبل خمس سنوات، يعيش المعلمون حالة تذمر وإضرابات. تشير مصادر محلية إلى أن العاملين في التعليم يشكّلون أكثر من نصف موظفي القطاع العام، يحصلون على 60 بالمئة فقط من رواتبهم وعلى فترات متقطعة، ما دفعهم إلى إضرابات طويلة.

في فبراير/شباط 2026، أضربت نقابة المعلمين مجددًا، احتجاجًا على اقتطاع لجزء من الراتب وحجب الحكومة الفلسطينية رواتب نحو مئة معلم مشارك في احتجاجات سابقة، عقابا لهم.

وتشير تقارير إلى أن الإضراب عطّل نحو نصف مدارس الضفة الغربية. حتى أثناء العمل، يُلزم المعلمون بالحضور ثلاثة أيام أسبوعيًا فقط ويُقلَّص دوامهم إلى حصص مركّزة، ما يزيد الضغط عليهم ويحد من قدرتهم على تقديم دروس متكاملة.

إذ أجبرت الأزمة وزارة التربية والتعليم على تقليص الأسبوع الدراسي من خمسة إلى أربعة أيام خلال العام الدراسي 2024/2023 ثم إلى ثلاثة مع بداية عام 2025 /2026. كما تأخر الفصل الدراسي أسبوعًا بسبب عدم توفر التمويل.

ويتطلب المنهاج الفلسطيني 182 يومًا دراسيًا لإكمال المحتوى، لكن الطلاب في المدارس الحكومية حضروا أقل من 50 يومًا في الفصل الأول، أي أنهم فقدوا نصف وقتهم الدراسي تقريبًا.

وتعرِّض هذه الفجوة الطلاب لخطر عدم اكتساب مهارات القراءة والحساب الأساسية؛ فقد حذرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" من تحوّل الأزمة من فقر تعلم إلى حالة طوارئ منهجية كاملة.

وبسبب الضغط الزمني، يركّز المعلمون على مواد اللغة العربية والرياضيات والإنجليزية بينما تُهمَل العلوم والدراسات الاجتماعية. ونتيجة لتراجع الرواتب وعدم الاستقرار، ترك العديد من المعلمين وظائفهم واتجهوا للعمل في المصانع أو التجارة كما أكدت مديرة مدرسة زينبية بنابلس في تصريحات صحفية.

هذا النقص زاد من أعباء المدرسين الباقين الذين أصبحوا يدرّسون 40 دقيقة للحصة الواحدة ويغطون أكثر من مادة. 

على الجانب الآخر، يتزايد عدد الطلاب المنقطعين من بين 650 ألف طالب وطالبة موزعين على 1948 مدرسة حكومية بالضفة، إضافة إلى 500 شعبة  لرياض الأطفال.

وتشير تقديرات مسؤولي السلطة إلى أن 5 – 10 بالمئة من الطلبة في الضفة الغربية تسرّبوا من المدارس خلال العامين الماضيين، ويلجأ بعضهم إلى العمل لاعتقادهم بعدم جدوى الدوام المتقطع.

وقد أثّرت الاضطرابات على الحياة الأسرية والاجتماعية. فالعائلات تضطر إلى ترك أولادها وحدهم في البيوت أو إلى دفع مبالغ إضافية للدروس الخصوصية لتعويض نقص التعليم، ما ينهك ميزانياتها. كما أن نقص الروتين المدرسي ينتج توترًا وكسلاً بين الطلبة، وفجوة واضحة في مستوياتهم. 

وإضافة إلى ذلك، تشير الأونروا إلى أن انتهاكات الاحتلال واعتداءات المستوطنين أدت إلى 2000 حادثة تعطل عن التعلم خلال عامي 2024/ 2025، ما ترك الطلاب في حالة خوف وصدمات نفسية.

بلا حلول

تشرح معلمة لغة عربية في مدرسة حكومية برام الله تفاصيل وجذور الأزمة بالقول: “منذ 4 سنوات لا نتقاضى الراتب كاملا. بدأ الأمر بصرف 80 بالمئة منه ثم تناقص إلى 70 وأخيرا 60 بالمئة”.

وفي حديث لـ"الاستقلال"، أردفت المعلمة التي رفضت الكشف عن اسمها خوفا من فقدان عملها: “راتبي كان 4700 شيكل ثم تناقص إلى 3500 والآن 2700 وهي تمثل نسبة 60 بالمئة، ولدي مستحقات بـ 50 ألف شيكل” (الدولار يساوي 3,13 شواكل).

وواصلت القول: “كل قسيمة راتب تظهر رقم المستحقات الإجمالي، لكن هذا مجرد حبر على ورق، فبشكل عملي لا يوجد أي صرف لهذه المستحقات”.

وتابعت: “بدلا من إعطائنا الراتب كاملا، كان الحل بالنسبة لهم (السلطة الفلسطينية) أن نعمل على التدريس 3 أيام وجاهي ويومين عن بعد”.

لكن هذا الأمر كان له آثار مدمرة على الطلاب، إذ تقول إن “نسبة الفائدة قليلة جدا ولا تتجاوز حوالي 20 بالمئة لأن الطلاب لا يلتزمون بمتابعة الدروس وحضورها عندما يكونون في البيت”.

وتوضح أن “هناك أناسا ليس لديهم كارت كهرباء (شحن مسبق) أو إنترنت، أو يوجد في البيت جهاز حاسوب واحد مع 4 طلاب، ويضطرون لتقسيم الوقت كل واحد يتابع من الحصة 10 دقائق فقط. كل هذا يؤثر على التحصيل العلمي”.

وتؤكد أن المعلمين لا يستطيعون إكمال المنهج الدراسي ويضطرون لعدم شرح الكثير من الدروس المهمة لضيق الوقت وتقليص عدد الأيام.

أمام هذا الواقع، اضطر الكثير من الأهالي للجوء إلى إرسال أبنائهم للدروس الخصوصية لتعويض النقص، “لكن هذا يكون فوق طاقتهم خاصة أن الموظفين لا يتقاضون رواتب كاملة والعمال عاطلون”، وذلك بسبب منع الاحتلال الإسرائيلي دخولهم للعمل في الأراضي المحتلة

ووصلت الأزمة إلى المعلمين المتقاعدين، حيث تفيد المعلمة أنهم يتقاضون فقط 200 شيكل (أقل من 100 دولار) شهريا بسبب الأزمة.

ويدعو اتحاد المعلمين وجمعيات أولياء الأمور إلى إنشاء صندوق طوارئ يضمن دفع رواتب كاملة للعاملين في التعليم حتى زوال الأزمة، وإلى جعل التعليم أولوية قصوى في الموازنة العامة. 

يقترح الاتحاد خططًا لزيادة الإيرادات المحلية ووقف الإنفاق غير الضروري، ويطالب الحكومة بشفافية أكبر في إدارة الموارد. 

كما تطالب "الحملة الشعبية لحماية التعليم" بتجنيد مساهمات من القطاع الخاص والجاليات الفلسطينية في الخارج لتمويل المدارس بشكل مباشر.

ويفترض الخبراء أن الحل الجذري يكمن في معالجة الأسباب السياسية والاقتصادية للأزمة. ويؤكد المركز العربي للأبحاث أن استمرار احتجاز إسرائيل أموال الضرائب هو العامل الحاسم في تدهور التعليم.

ورأى المركز أن إصلاح الحوكمة المالية للسلطة، وتعزيز الإيرادات المحلية، والحد من الفساد والإنفاق غير المنتج، كلها خطوات ضرورية لحل الأزمة.