صفقة "آرو-3".. حين تحوّل الخوف من موسكو إلى أرباح استراتيجية لإسرائيل

منذ يومين

12

طباعة

مشاركة

في صفقة هامة، وافق البرلمان الألماني (البوندستاغ) في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2025 على توسيع هائل لعقد الدفاع المبرم مع شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI)، مُخصصا مبلغا إضافيا قدره 3.1 مليارات دولار لشراء منظومة الدفاع الصاروخي "آرو- 3".

ووفقا للشركة الإسرائيلية، فقد صُممت منظومة "آرو- 3" لاعتراض أحدث التهديدات بعيدة المدى، التقليدية وغير التقليدية، خارج الغلاف الجوي.

وتجلّى سباق التسلح الدائر حاليا في القارة الأوروبية بشكل أوضح في ظل الحرب بين روسيا وأوكرانيا، عندما أكدت بيلاروسيا في 22 ديسمبر 2025، امتلاكها 10 صواريخ باليستية روسية من طراز "أوريشنيك" فرط صوتية، يُعتقد أن منظومة "آرو- 3" قادرة على اعتراضها.

أكبر صفقة

هذه الصفقة الجديدة تُكمّل الصفقة الأولى الموقعة قبل عامين، ليصل إجمالي قيمة الصفقة إلى حوالي 6.5 مليارات دولار.

وبحسب محلل الشؤون العسكرية والإستراتيجية الإسرائيلي، يعقوب لابين، فإن هذه "أكبر صفقة تصدير دفاعي في تاريخ إسرائيل".

وقال لابين، في مقال نشره معهد القدس للإستراتيجية والأمن (JISS): إن هذه الصفقة تعكس تحولا نوعيا؛ إذ تضع التكنولوجيا الإسرائيلية في صميم منظومة دفاع دولة أوروبية محورية في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لمواجهة التهديدات الصاروخية الروسية.

ويركز توسيع الصفقة على زيادة كبيرة في وتيرة إنتاج صواريخ الاعتراض وقاذفات "آرو- 3"، بما يضمن قدرة منظومات الدفاع الجوي الألمانية على مواكبة التهديدات المتسارعة القادمة من موسكو.

وقد قادت الصفقة الأصلية لمنظومة "آرو- 3" وزارتا الدفاع في إسرائيل وألمانيا، فيما تولت شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية دور المتعاقد الرئيس.

وأوضح لابين أن ثقة ألمانيا في منظومة "آرو- 3" تعززت بشكل واضح بفضل جاهزيتها العملياتية، التي تجلت بوضوح خلال حرب الـ12 يوما مع إيران في يونيو/حزيران 2025.

فخلال الحرب، نجحت منظومة "آرو- 3"، إلى جانب نظيرتها "آرو- 2" الذي يعمل في طبقات الجو العليا، في اعتراض مئات الصواريخ الباليستية الإيرانية، ما أسهم في إحباط هجمات إغراق صاروخي استهدفت منشآت إستراتيجية، وكان من شأنها أن تكون مدمرة لولا فعالية منظومات "آرو".

كما أدت منظومات "ثاد" الأميركية إلى جانب السفن الحربية الأميركية المجهزة بصواريخ الاعتراض "إيجيس إس إم"، أدوارا مهمة في هذا السياق أيضا.

وأطلقت إيران مجموعة متنوعة من صواريخها، بما في ذلك صاروخ "عماد" الذي يعمل بالوقود السائل -وهو نسخة معدلة من صاروخ "قدَر"، المطور بدوره من صاروخ "شهاب 3"- وصاروخ "خرمشهر 2" -وهو صاروخ يعمل بالوقود الصلب وطُوّر على أساس صاروخ "فاتح 110"- وصاروخ "فاتح 1" الإيراني "فرط الصوتي".

وقال لابين: "وفر أداء منظومة آرو بيانات عملياتية حاسمة للدول المحتملة الشراء، مكّنتها من التحقق العملي من فعالية المنظومة".

وأضاف: "فبعيدا عن المؤشرات النظرية، أثبتت (آرو 3) قدرتها على التعامل مع سيناريوهات إغراق صاروخي واقعية شديدة التعقيد، شملت وابلا عالي السرعة من الصواريخ الباليستية؛ إذ أُطلق على إسرائيل أكثر من 550 صاروخا باليستيا خلال حرب استمرت 12 يوما".

درع أوروبا

ويرى لابين أن صفقة ألمانيا لا تُعدّ مجرد صفقة ثنائية، بل هي حجر الزاوية في مبادرة "درع السماء الأوروبية" (ESSI)، التي باتت منظومة "آرو- 3" ركيزة أساسية لها.

وقد وضعت الحكومة الألمانية منظومة "آرو- 3" صراحة ضمن إطار مواجهة التهديدات الروسية، مثل التهديد الذي تشكله صواريخ "إسكندر" والأسلحة الفرط صوتية من طراز “كينجال” المنتشرة جزئيا في جيب كالينينغراد المحصور بين بولندا وليتوانيا، العضوين في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.

وأشار الكاتب إلى أن عائدات هذه الصفقة ستُمكّن من مواصلة البحث والتطوير لإصدارات وتحديثات مستقبلية لمنظومة "آرو".

وتمثل الصفقة الألمانية إثباتا عمليا لجدوى منظومة "آرو-3" بالنسبة لبقية دول حلف الناتو، التي تتجه بصورة متزايدة نحو إسرائيل بحثا عن حلول دفاعية متقدمة. وفق المقال.

وتتابع الدول المنضوية ضمن مبادرة "درع السماء الأوروبية"، لا سيما دول الجناح الشرقي مثل البلطيق ورومانيا، عن كثب كيفية دمج ألمانيا لمنظومة "آرو-3"، في ظل مواجهتها تهديدات مماثلة من الصواريخ الباليستية الروسية.

وفي هذا السياق، أبرمت رومانيا في يوليو/ تموز 2025 صفقة بقيمة ملياري يورو لاقتناء أنظمة دفاع جوي قصيرة وقصيرة جدا المدى (SHORAD وVSHORAD) من تصنيع الشركة الإسرائيلية "رافائيل".

وتشير تقارير إلى إبداء عدد من الدول اهتماما بدمج منظومات اعتراض من الطبقة العليا لمواجهة التطور المتسارع في ترسانات الصواريخ الروسية.

وأسهمت الجاهزية العملياتية التي أظهرتها منظومة "آرو-3" خلال الحرب مع إيران في تسريع هذا الاهتمام؛ إذ بات لدى المشترين المحتملين دليل عملي على معدلات اعتراض المنظومة لصواريخ إيرانية حديثة، وهي تقنيات كثيرا ما تتقاطع أو تتشابه مع نظيراتها الروسية. يقول لابين.

لحظة فاصلة

وقال قائد الدفاع الجوي الألماني، العقيد دينيس كروجر، لصحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية في ديسمبر 2025: إنه يتوقع أن تحذو دول أخرى حذو ألمانيا، إذ لم يعد خطر الصواريخ الباليستية مجرد احتمال نظري لأي عاصمة أوروبية.

وأضاف كروجر أن الدول الأوروبية بحاجة أيضا إلى قدرات الإنذار المبكر. قائلا: “ألمانيا حاليا أكثر أمانا بكثير بفضل هذا النظام”. وفق ادعائه.

وتُشير تقارير إلى أن شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية تُجري بالفعل محادثات مع "عدة دول" بشأن تصدير منظومة "آرو"، مستفيدة من الزخم الذي أحدثته الصفقة مع ألمانيا.

ويجب النظر إلى صفقة بيع منظومة "آرو-3" في إطار تشكّل محور تعديلي آخذ في التبلور يضم روسيا وإيران والصين، وهي ديناميات تفاقمت بفعل الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوترات بين الناتو وروسيا.

فقد تحولت إيران إلى أحد المزودين الرئيسين لروسيا بوسائل "الإرهاب الجوي" -وفق وصف لابين- عبر تزويدها بكميات كبيرة من مسيّرات "شاهد" وصواريخ "فتح 360" الباليستية قصيرة المدى التي استخدمتها موسكو ضد أوكرانيا.

وتابع: "يُشكل توسع ترسانة الصواريخ الصينية تهديدا آخر يُلقي بظلاله على الحسابات الإستراتيجية العالمية، فقد وسّعت بكين بشكل ملحوظ ترسانتها من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، مُنشئة بذلك (ظلا نوويا) يمتد إلى ما هو أبعد من منطقة المحيطين الهندي والهادئ".

واستطرد: “حلف الناتو أقر صراحة بالتحدي البنيوي الذي تمثله وتيرة التحديث العسكري السريع في الصين، إلى جانب تقاربها الإستراتيجي مع روسيا”.

وختم لابين بالتأكيد على أن "توسيع صفقة (آرو-3) إلى 6.5 مليارات دولار، يعدّ لحظة فاصلة للتحالف الغربي في ظل عصر يتسم بتطور سريع في مجال الحرب الصاروخية".