الاعتراف بأرض الصومال.. عقيدة إسرائيلية جديدة لحصار تركيا من أربعة محاور

"اختارت إسرائيل أن ترى نفسها جزيرة ديمقراطية محاطة بالفوضى"
"إن الاعتراف بأرض الصومال هو أكثر بكثير من مجرد خطوة دبلوماسية إضافية لتعزيز الحضور الإسرائيلي في القرن الإفريقي، فهو في سياقه الأوسع يرمز إلى نهاية مرحلة الانكفاء خلف السور، وانخراط إسرائيل في محور مركزي وتحالفات عابرة للقارات تستهدف كسر المثلث التركي".
بهذه المقدمة استهل موقع "القناة 12" العبري تقريره الذي سلط الضوء خلاله على دوافع الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال الانفصالي، موضحا أن هذه الخطوة "تعد تجسيدا للإستراتيجية الإسرائيلية الجديدة التي تشكل المنطقة".
"والتي تضع إسرائيل في قلب نظام تحالفات يرتكز على أربعة محاور رئيسة في آسيا وإفريقيا، يهدف بالأساس إلى كبح التوسع التركي وخلق توازن جيوسياسي جديد"، وفق قوله.

ولادة عقيدة
وأشار الموقع إلى أن هذا التغير في العقيدة الإسرائيلية يرجع إلى عملية السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وقال: "لم يؤد الهجوم إلى تحطيم شعور إسرائيل بالأمن التكتيكي فحسب، بل هزّ جذور المفهوم السياسي الذي رافق إسرائيل طوال العقود الماضية، وهو مفهوم (الفيلا في الغابة)".
وتابع: "هذا المصطلح الذي صاغه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك آنذاك، تحوّل إلى إستراتيجية انعزال وانفصال عن المنطقة".
وأوضح مقصده قائلا: "فقد اختارت إسرائيل أن ترى نفسها جزيرة ديمقراطية محاطة بالفوضى، وأن يقتصر تحصينها على جدران ذكية، وأنظمة دفاع نشطة، وانسحابات أحادية الجانب إلى خطوط دفاع مريحة".
هكذا، كانت "الفيلا"، حسب وصفه، "تعبيرا عن السلبية، ليس فقط على المستوى المادي، بل الأكثر أهمية على المستوى الفكري".
واستطرد: "إسرائيل قطعت نفسها عن محيطها، واعتادت على موقع الدفاع خلف الجدار، تاركة الشرق الأوسط يعيد تشكيل نفسه من دونها".
واستدرك الموقع: "لكن كما أثبتت حرب السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فإن الجدار لا يكفي أبدا في بيئة معادية".
وتابع: "فالفراغ الجيوسياسي الذي نشأ نتيجة ضعف القوى التقليدية وانهيار أنظمة إقليمية خلال الربيع العربي، سرعان ما امتلأ بطموحات الهيمنة التركية والإيرانية".
وهو ما دفع إسرائيل -بحسب الموقع- إلى إدراك أن "السبيل الوحيد لضمان وجودها ليس الاختباء خلف الأسوار، بل أن تصبح لاعبا فاعلا ومؤثرا في الفضاء الإقليمي".
وبناء عليه، يرى أن "التحركات الدراماتيكية في الأسابيع الأخيرة، وعلى رأسها الاعتراف التاريخي بسيادة صوماليلاند، تعكس ولادة عقيدة جديدة: تحالف (من الهند إلى كوش)، وهي منطقة تقع جنوب مصر وشمال السودان".
مثلث نفوذ
ووفق الموقع العبري، "تضع هذه العقيدة إسرائيل في قلب شبكة تحالفات ترتكز على أربعة أعمدة رئيسة: الهند في الشرق، إثيوبيا في الجنوب، أذربيجان في الشمال، واليونان وقبرص في الغرب".
وشدد على أن "هذه التحالفات ليست ترفا، بل ضرورة إستراتيجية في مواجهة المشروع التركي الساعي إلى الهيمنة، والذي بلغ ذروته بعد أن رسّخ وجودا عسكريا واقتصاديا في ليبيا والصومال".
“ويطمح لاستكمال (مثلث نفوذ) عبر سوريا، في أراضي الإمبراطورية العثمانية السابقة، ضمن سياسة (النيو-عثمانية) التي يقودها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان”. وفق تعبيره.
وحذر الموقع من أن "هذا المثلث، إذا اكتمل، فسيحل محل (المحور الشيعي) الذي أضعفته إسرائيل بشكل كبير في العامين الأخيرين، وسيقيد حركتها ويصعّب عليها الازدهار في الشرق الأوسط".
من هنا، يرى الموقع أن إسرائيل "تحسن صنعا حين تعمّق أدوات الضغط على النظام في سوريا، ولا تقع في فخ (التسوية الأمنية) التي تحاول أنقرة تسويقها".
ولفت إلى أنه "في قلب هذا التحالف الجنوبي تقف إثيوبيا"، التي عدها "محورا أساسيا للاستقرار الإقليمي".
فهي دولة يبلغ عدد سكانها 140 مليون نسمة، وتمتلك واحدة من أسرع الاقتصادات نموا في العالم.
وأشاد الموقع بمشروع سد النهضة قائلا: "هذه الدولة العملاقة أنجزت عام 2025 مشروع سد النهضة، محققة استقلالا في الطاقة وسيطرة كاملة على مياه النيل".
واستدرك: “غير أن هزيمتها أمام إريتريا عام 1991 تركتها محاصرة بلا منفذ بحري، محاطة بدول معادية تقودها تركيا وتسعى لعزلها”. وفق ادعائه.
لذلك، قبل نحو عام، وقعت إثيوبيا وصوماليلاند مذكرة تفاهم تقضي بتأجير 20 كيلومترا من الساحل الصومالي لإثيوبيا لمدة 50 عاما، مقابل التزام إثيوبي بدراسة الاعتراف باستقلال صوماليلاند بجدية.
وتابع التقرير: "هنا تدخل صوماليلاند إلى المشهد، فهي ليست مجرد إقليم، بل تمثل معادلة جيوسياسية بامتياز".
وتقع صوماليلاند على المسار الحيوي المؤدي إلى البحر الأحمر، الذي تمر عبره نحو 30 بالمئة من حركة الحاويات العالمية، وعلى الجانب الآخر من المضيق الضيق تقع اليمن والحوثيون.
في هذا السياق، يرى التقرير أن "الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند يمنح شرعية لمذكرة التفاهم مع إثيوبيا بشأن استئجار الساحل، وبذلك يساعد أديس أبابا على مواجهة الحصار التركي-المصري-الإريتري الذي يقيّد خطواتها".
"والأهم من ذلك، أنه يعزلها عن النفوذ التركي في مقديشو، ويغرس إسفينا في المشروع التركي المركزي في المنطقة"، بحسب ادعاءات الموقع.

هيمنة هندية
في الجهة الأخرى من العالم، وتحديدا في آسيا، "أدرك ناريندرا مودي، الزعيم المؤسس للهند الحديثة والذي يخوض فترة ثالثة متتالية في الحكم، هذه الديناميكية، وقد اختار هو أيضا إثيوبيا لتكون ركيزته المركزية في فضاء القرن الإفريقي"، يقول التقرير العبري.
وتابع: "فقبل بضعة أسابيع، أنهى مودي زيارة سياسية تاريخية إلى أديس أبابا، وتحدث بشكل صريح وواضح عن أهدافه في المنطقة".
ومن وجهة نظره، فإن هذه الزيارة تعني أن "مودي يسعى بحزم لتحقيق استقلال إستراتيجي كامل، مستفيدا من الموقع الفريد للهند في المنافسة الصينية-الأميركية".
في هذا السياق، لفت التقرير إلى أنه "ليس من قبيل الصدفة أن إستراتيجية الأمن القومي التي نشرها البيت الأبيض قبل أسابيع قليلة، حددت هدفا محددا يتمثل في (تسخير الهند لترتيبات تخدم المصالح الأميركية في المحيط الهادئ)".
وفي مواجهة هذه النظرة الأميركية للهند، يتحرك مودي "ليثبت أن نيودلهي ليست أداة بيد أي قوة عظمى".
فهو، وفق التقرير، "يُظهر استقلالية استثنائية حين يلتقي الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفي الوقت نفسه يدير مفاوضات مباشرة وصلبة مع إدارة دونالد ترامب".
وزعم أن "هذه القوة تستند إلى صلابة عسكرية تجلت قبل نحو نصف عام فقط، عندما واجهت الهند خصمها النووي المسلم (باكستان) في جولة قتال مكثفة انتهت بإظهار دلهي تفوقا مطلقا".
وقدر التقرير أن "هذا الشعور بالأمان يترجمه مودي إلى عقيدة بحرية بعيدة المدى: بناء أقوى أسطول بحري في فضاء المحيط الهندي يهدف إلى ضمان هيمنة هندية على طرق التجارة الحيوية الممتدة من مضيق هرمز وصولا إلى مداخل البحر الأحمر في جيبوتي وصوماليلاند". بحسب ما ذكره الموقع.
وهكذا تلتقي مصالح الكيان الإسرائيلي والهند في إفريقيا، فوفق موقع القناة العبرية، "اكتسب التحالف بين نيودلهي وإسرائيل زخما كبيرا بزيارة مودي إلى أديس أبابا".
فقد رأى الموقع أن "هذا التحالف هو المحرك وراء محور (من الهند إلى كوش)، الذي يهدف إلى كبح التوسع التركي وإرساء توازن جيوسياسي جديد".
وفق تلك المعطيات، خلص الموقع إلى أن "الاعتراف بصوماليلاند يشكّل حلقة في عقيدة الأمن القومي الإسرائيلية الجديدة".
وأضاف: "إنها قطعة أساسية في (البازل) الذي يوحّد هذا المسار بأكمله، فهي تتيح لإسرائيل أن تُسقط قوتها بعيدا عن حدودها، وأن تؤمن طرق التجارة الحيوية، وأن تعقد تحالفات مع قوى عالمية على أساس مصالح مشتركة".
واختتم قائلا: "وكما أظهرت القمة الثلاثية في القدس مع اليونان وقبرص، لم تعد إسرائيل (الفيلا في الغابة) التي تنتظر مصيرها، بل أصبحت لاعبا مؤثرا، يحوّل قوته التكنولوجية والعسكرية إلى مكاسب سياسية تغيّر وجه الشرق الأوسط، من الهند إلى كوش".













