شرق المتوسط على صفيح ساخن.. ماذا تفعل إسرائيل وكيف ترد تركيا؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في ديسمبر/ كانون الأول 2025، أعلنت إسرائيل واليونان وقبرص الرومية اتفاقها على تعميق التعاون الأمني والدفاعي، في خطوة عكست طموحات الأطراف الثلاثة شرق البحر المتوسط.

في السياق، نشرت صحيفة يني شفق التركية مقالا للكاتب التركي “فاروق أونالان” ذكر فيه أن شرق المتوسط تحوّل خلال الخمسة عشر عاماً الماضية إلى صدعٍ جيوسياسي.

ليس فقط بسبب ثرواته الغنية من الهيدروكربونات، بل أيضا نتيجة تصاعد صراعات النفوذ الإقليمي.

في قلب هذا المشهد، يبرز التعاون الثلاثي بين إسرائيل واليونان وإدارة قبرص الرومية، بوصفه أحد أهم محركات التوتر في المنطقة.

من وجهة نظر أنقرة، لا يُنظر إلى هذا التعاون على أنه تقارب دبلوماسي عابر أو شراكة تقنية في مجال الطاقة، بل يُقرأ كجزء من محاولة تطويق إستراتيجية، تهدف إلى إقصاء تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية عن معادلة شرق المتوسط. 

ويزداد هذا التصور ترسخا مع تداخل ملفات الطاقة، والمناطق البحرية ذات الصلاحية، والتوازن العسكري، والشرعية السياسية في إطار تحالف واحد متعدد الأبعاد.

الطاقة كرافعة للتحالفات

ويقف العامل الطاقوي في صلب هذا التقارب الثلاثي، فقد تمّ اكتشاف حقول غاز كبرى مثل ليفياثان وأفروديت وتمار، والتي منحت شرق المتوسط أهمية متزايدة في أمن الطاقة الأوروبي والعالمي. 

غير أن تركيا ترى أن هذه الشراكات بُنيت على مقاربة تعظيمية تتجاهل مبادئ الإنصاف والمساواة في القانون الدولي، وتستبعد بشكل ممنهج الحقوق المشروعة لتركيا ولشمال قبرص التركية.

ويُعد مشروع خط أنابيب "إيست ميد" المثال الأبرز على هذا التوجه. فعلى الرغم من الشكوك الواسعة حول جدواه التقنية والاقتصادية والبيئية، وعدم تحوله إلى مشروع منفّذ فعلياً، إلا أنه يحتفظ بدلالته السياسية، فهو يبدو أنّه محاولة لتجاوز تركيا جغرافياً وإستراتيجيا. 

والمفارقة هنا هو أنّه من وجهة النظر التركية، ما زالت أنقرة تمثل المسار الأكثر واقعية وأقل كلفة لنقل غاز شرق المتوسط إلى أوروبا. غير أنّها على الرغم من ذلك ما زالت تُقصى عمداً من هذه الحسابات.

إنّ ترسيم المناطق البحرية يشكّل أحد أخطر أبعاد الصراع القائم. فالتفسيرات التي تعتمدها اليونان وإدارة قبرص الرومية، والقائمة على منح الجزر الصغيرة صلاحيات بحرية مكافئة للبرّ الرئيس، تُعدّ في نظر تركيا خروجا عن أسس اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ومبدأ الإنصاف. 

وتعد الخرائط التي تُرسم انطلاقا من جزر مثل كاستيلوريزو (ميس) بأنّها محاولة لحصر تركيا داخل خليج أنطاليا، وهو ما يمسّ بشكل مباشر أمنها القومي وحرية حركتها البحرية.

في هذا السياق، فإنّ التحالف الثلاثي لا يُعَدّ إطاراً طاقويّاً فقط، بل كتلة سياسية–إستراتيجية تهدف إلى تقييد الدور البحري التركي. 

لذلك، فإنّ اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي وقّعته تركيا مع ليبيا عام 2019 كان ردا إستراتيجيا مباشرا على هذه المساعي؛ إذ أعاد خلط الأوراق وفرض واقعا قانونيا وجيوسياسيا جديدا في شرق المتوسط.

وخلال السنوات الأخيرة، انتقل التعاون الثلاثي من مستوى التنسيق السياسي والاقتصادي إلى مستوى أعمق يتضمن أبعاداً عسكرية وأمنية واضحة. فقد ازدادت المناورات العسكرية المشتركة، واتفاقات الدفاع، وآليات تبادل المعلومات الاستخباراتية. 

وتُوِّج هذا المسار بعقد القمة الثلاثية العاشرة في القدس في ديسمبر 2025؛ حيث اتفق قادة الدول الثلاث على تعزيز التعاون في مجالات الأمن والدفاع، ومكافحة الإرهاب، وحماية البنى التحتية الحيوية.

أمّا من وجهة نظر أنقرة، فإنّ هذه التطورات تعكس تحول التعاون إلى هيكل أمني ذي طابع عسكري، خصوصا في ظل منح إدارة قبرص الرومية دورا عسكريا فعليا قبل التوصل إلى حل للقضية القبرصية. 

وترى تركيا أيضاً أنّ هذا النهج يشكّل تغييرا أحاديا للوضع القائم، ويخلق بنية أمنية قد تُربك التوازنات داخل حلف شمال الأطلسي نفسه.

وتتعامل أنقرة مع تموضع إسرائيل في هذا المحور بصفته خيارا براغماتيا تحكمه المصالح لا التقديرات الأيديولوجية. فقد سعت تل أبيب، مستفيدة من فترات التوتر مع تركيا، إلى توسيع هامش مناوراتها عبر اليونان وقبرص الرومية. 

غير أن الرؤية السائدة في أنقرة ترى أن أي بنية إقليمية في شرق المتوسط لا يمكن أن تكون مستدامة من دون تركيا، وذلك بصفتها فاعلا إقليميا ذا قدرات جغرافية وعسكرية واقتصادية يصعب تجاوزها.

إستراتيجية تركية متعددة الأدوات

في مواجهة هذا الواقع فإنّ تركيا لا تعتمد على أدوات القوة الصلبة وحدها، بل توظّف مزيجاً من الدبلوماسية النشطة، والتحركات القانونية في مجال قانون البحار، ومشاريع الطاقة البديلة إلى جانب الردع العسكري.

وتشكّل اكتشافات الغاز في البحر الأسود، وتقدم الصناعات الدفاعية المحلية، واستمرار أنشطة التنقيب في شرق المتوسط، عناصر أساسية في هذه الإستراتيجية. 

حيث إنّ الهدف التركي الأساسي يتمثل في ترسيخ قناعة مفادها أن أي معادلة تُبنى في شرق المتوسط من دون تركيا محكوم عليها بعدم الاستدامة، سواء ميدانيا أو دبلوماسيا. 

ورغم أنّ أنقرة لا ترى الصراع خيارا حتميا، فإنها تؤكد في الوقت نفسه أنّ تجاوز حدود الإنصاف والمصالح المشروعة لن يمرّ دون رد. 

في هذا الإطار، يكتسب تصريح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حول أن "ما يُراد طبخه في قبرص الرومية هو تحت رادارنا من البداية إلى النهاية" دلالة خاصة. فالرسالة لا تتعلق فقط بمشاريع تُناقش على طاولات السياسة، بل بإمكانية انتقال بعض هذه الترتيبات إلى اختبارات ميدانية ذات طابع عسكري أو أمني. 

ويعكس هذا الخطاب رغبة أنقرة في الجمع بين الحزم والمرونة، وإيصال رسالة ردع مفادها أن تركيا تراقب وتستعد، دون أن تدفع بالضرورة نحو المواجهة.

وختم الكاتب التركي مقاله قائلا: يبقى شرق المتوسط ساحة إستراتيجية مفتوحة على الاحتمالات؛ حيث يصعب فرض وقائع دائمة عبر تحالفات إقصائية. 

فالتجربة أثبتت أن تجاهل دور تركيا وحقوقها، وكذلك حقوق جمهورية شمال قبرص التركية، لا يؤدي إلى استقرار مستدام. 

وبينما قد يبدو مسار التهدئة في غزة إيجابياً نسبياً، فإن الترتيبات الإستراتيجية في شرق المتوسط تظل قيد المراقبة الدقيقة. فهي منطقة لا تحتمل المفاجآت، حيث كل خطوة محسوبة، وكل تحرك مرشح لأن يقابَل بردٍّ مكافئ.