توتر مكتوم ورسائل مبطنة.. هكذا يشد أردوغان وتر علاقة ترامب ونتنياهو

"طالما احتفظ ترامب بنفوذه داخل الكونغرس، ستبقى لديه القدرة على اتخاذ خطوات جريئة في ملفات حساسة"
شكّل المؤتمر الصحفي الذي أعقب اللقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2025، محطة سياسية لافتة، ليس فقط بسبب ما أُعلن فيه صراحة، بل بسبب ما حمله من رسائل ضمنية عميقة، لا سيما فيما يتعلق بتركيا ودورها الإقليمي.
مركز “سيتا” التركي يرى في مقال للكاتب التركي “قدير أوستون”، أنه رغم الأجواء الودية والإطراءات المتبادلة التي طغت على المؤتمر، فإن مضمون تصريحات ترامب كشف عن تباينات حقيقية في الرؤى بين واشنطن وتل أبيب، خصوصا في ملفات تركيا وسوريا وإيران.
عقلانية مطلوبة
فمنذ اللحظة الأولى بدا واضحاً أن ترامب كان قد استثمر المؤتمر لتوجيه رسالة مباشرة إلى إسرائيل، مفادها ضرورة التعامل مع تركيا بـ"عقلانية".
فإشادة ترامب المتكررة بالرئيس رجب طيب أردوغان، وتأكيده احترامه له بوصفه قائداً قوياً لم تكن مجرد مجاملات دبلوماسية، بل عكست قناعة أميركية متزايدة بأن تركيا باتت الفاعل الإقليمي الأكثر تأثيراً في الساحة السورية.
وذهب ترامب أبعد من ذلك عندما وصف تركيا بأنها "الرابح الأكبر" في سوريا، وذلك في إشارة واضحة إلى نجاح سياساتها هناك بعد انهيار نظام الأسد.
إنّ هذه الرسائل وضعت نتنياهو في موقف حرج؛ إذ وجد نفسه مضطراً إلى تخفيف حدة خطابه والاكتفاء بالحديث عن المخاوف الأمنية على الحدود، بدلاً من طرح مطالبه القصوى المعتادة.
ويعكس هذا التحول إدراكاً إسرائيلياً، بأن الإدارة الأميركية الحالية لا تنظر بعين الرضا إلى السياسات الإسرائيلية التي تسهم في زعزعة الاستقرار في سوريا.
وجاءت التطورات في سوريا قبيل عودة ترامب إلى السلطة لتُعزز الموقف التركي.
فقد تمّ عد نهاية نظام الأسد تتويجاً لسنوات من السياسة التركية النشطة، في وقت أصبحت فيه مسألة توحيد البلاد سياسياً ورفع العقوبات الدولية أولوية قصوى للمجتمع الدولي.
في هذا السياق، لعبت تركيا دور الوسيط النشط، سواء عبر تشجيع الدول العربية على الانخراط في دعم الاستقرار السوري، أو من خلال العمل على تبديد المخاوف الأميركية والأوروبية بشأن مستقبل دمشق.
في المقابل، بدت إسرائيل على مسار مختلف تماماً. فقد كثّفت عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية بذريعة حماية أمن الجولان، ورفعت منسوب خطابها الداعم لوحدات حماية الشعب والدروز، ونفذت ضربات مباشرة على أهداف في دمشق.
كل ذلك أرسل إشارات واضحة بأن تل أبيب قد تتحول إلى عامل تعطيل للاستقرار بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل.
ومع توجيه إسرائيل، بدعم مباشر من ترامب، ضربة قوية لإيران، بدأت ترى في تركيا المنافس الإقليمي الجديد الذي يملأ الفراغ المتشكل في سوريا.
وهذا التحول في الإدراك الإسرائيلي يفسّر تصاعد الخطاب المعادي لتركيا في الإعلام والسياسة الإسرائيلية خلال الفترة الأخيرة.

في خضم هذا التصعيد، اختار ترامب موقفاً مغايراً، فقد رفض الانجرار وراء الخطاب الإسرائيلي المعادي لتركيا.
فقد أكد، بشكل مباشر وغير مباشر، أن الاستقرار في سوريا لا يمكن تحقيقه من دون الدّور التركي. في هذا الإطار، جاءت عبارته الشهيرة الموجّهة إلى نتنياهو: "كونوا معقولين تجاه تركيا".
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يعقد نتنياهو قمة ثلاثية مع اليونان وقبرص الرومية قبل زيارته إلى واشنطن، حيث أطلق خلالها تصريحات تحدثت عن "أحلام إمبراطورية" في المنطقة، وذلك في إشارة غير مباشرة إلى تركيا.
غير أن امتناعه عن تسميتها صراحة يعكس إدراكه لموقف ترامب الإيجابي من أنقرة، ورغبته في تجنب صدام علني مع الإدارة الأميركية.
من جهة أخرى، بدا ترامب واضحاً في تفضيله الاستماع إلى كل من أردوغان والرئيس السوري الجديد أحمد الشرع في ما يتعلق بمستقبل سوريا، مع السعي في الوقت نفسه إلى كبح السياسات الإسرائيلية التي قد تعرقل الاستقرار.
ويأتي ذلك في سياق هدف إستراتيجي أوسع لدى ترامب، يتمثل في سحب القوات الأميركية من سوريا، وهو هدف لا يرى إمكانية لتحقيقه دون ترسيخ الأمن والاستقرار أولاً.
ملفات حساسة
ولا شك أن أحد أكثر الملفات حساسية والتي طُرحت في المؤتمر الصحفي كان مسألة بيع مقاتلات إف-35 لتركيا.
فقد أعلن ترامب بوضوح أن إدارته "تفكر بجدية كبيرة" في هذا الخيار. وإنّ خطوة كهذه تحمل تحدياً مباشراً للوبي الإسرائيلي في الكونغرس، الذي عمل لسنوات على عرقلة أي صفقة من هذا النوع.
ويعتمد اللوبي الإسرائيلي في معارضته على مبدأ "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل في الشرق الأوسط، وهو مبدأ منصوص عليه في القوانين الأميركية.
غير أن تطبيق هذا المبدأ على تركيا، الدولة العضو في حلف الناتو، يفتقر إلى أساس قانوني واضح. ومع ذلك، تحاول إسرائيل تصوير الصفقة المحتملة على أنها تهديد إستراتيجي، مستندة إلى سيناريوهات إعلامية تتحدث عن احتمال مواجهة عسكرية بين تركيا وإسرائيل في سوريا.
غير أنّ ترامب، المدرك لقوة هذا اللوبي، سعى إلى تفكيك حججه من خلال تأكيده أن تركيا لن تستخدم مقاتلات إف-35 ضد إسرائيل.
وبهذا، وضع نتنياهو في موقف صعب؛ حيث إنّ معارضة رغبة رئيس أميركي يصف نفسه بأنه "أكبر أصدقاء إسرائيل" ليست مهمة سهلة، خاصة في ظل التراجع الملحوظ في صورة إسرائيل داخل الساحة السياسية الأميركية.

وعلى الرغم من المظاهر الودية، فإن العلاقة بين ترامب ونتنياهو لا تخلو من توتر عميق.
فقد سبق أن عبّر ترامب عن انزعاجه من تهنئة نتنياهو لجو بايدن بعد انتخابات 2020، وذكّره علناً بحجم المساعدات الأميركية لإسرائيل في إشارة إلى عدم تكافؤ العلاقة بين الطرفين.
كما أبدى استياءه من الضغوط الإسرائيلية التي كادت تجر الولايات المتحدة إلى مواجهة غير مرغوبة مع إيران.
في هذا السياق، يمكن فهم الإشادات التي وجّهها ترامب إلى أردوغان والشرع على أنها رسائل غير مباشرة إلى نتنياهو، ومفادها أن واشنطن تمتلك بدائل إقليمية، وأن الشراكة مع إسرائيل ليست شيكاً أبيض.
وتُشير مجمل هذه المعطيات إلى أن المرحلة الممتدة حتى انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني 2026 تمثل فرصة حقيقية للعلاقات التركية–الأميركية.
فطالما احتفظ ترامب بنفوذه داخل الكونغرس، ستبقى لديه القدرة على اتخاذ خطوات جريئة في ملفات حساسة مثل إعادة تركيا إلى برنامج إف-35.
أما في حال فقدانه السيطرة على أحد جناحي الكونغرس، فإن هامش حركته سيتقلص، وستزداد قوة اللوبيات المعارضة لأي تقارب إستراتيجي مع أنقرة.
من هنا، تبدو المرحلة الراهنة لحظة مفصلية قد تعيد رسم توازنات جديدة في الشرق الأوسط، ويبدو أنّ تركيا سيكون لها فيها دور محوري لا يمكن تجاهله.















