تواطؤ صامت.. كيف وصلت الأسلحة الأوروبية إلى مليشيا الدعم السريع؟

"أنظمة تسليح حديثة ظهرت لدى الدعم السريع تحتوي على مكونات أوروبية"
"إن الأسلحة المصنعة في أوروبا تغذي الفظائع في السودان، وإن على دول الاتحاد الأوروبي وقف مبيعات الأسلحة إلى الإمارات على الفور"، بهذا التصريح انتقد سفير الخرطوم لدى الاتحاد الأوروبي عبد الباقي كبير، موقف القارة العجوز من الحرب الدائرة في بلاده.
وندد كبير في مقابلة مع النسخة الأوروبية من صحيفة "بوليتيكو" الأميركية منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، بدور الإمارات في دعم وتسليح الدعم السريع، المتهمة من قِبل الأمم المتحدة بارتكاب مجازر عرقية وعنف جنسي ممنهج وتهجير جماعي.
ووفقا لكبير، فإن "الاتحاد الأوروبي ملتزم بقيمه" ولا يمكنه السماح بإعادة تصدير الأسلحة المخصصة للإمارات إلى مناطق النزاع.
وصرح قائلا: "لم تكن هذه الأسلحة مخصصة للاستخدام من قبل أطراف ثالثة"، واصفا الموقف الأوروبي بأنه "مزعج للغاية".
في هذا السياق، كشف موقع "تاتس" الألماني عبر تحقيق موسع، كيف وصلت أسلحة أوروبية إلى أيدي مليشيا الدعم السريع.
بُعد جديد
وفي حديثه للموقع، أوضح الصحفي الليبي محمد سنوسي كيف تحولت منطقة الكفرة الليبية لمركز دعم لوجستي لمليشيا الدعم السريع.
وقال: "تدوي محركات الطائرات النفاثة على المدرج بحيث يمكن سماعها من مسافات بعيدة، فمنذ اندلاع الحرب في السودان المجاور، تهبط في مدينة الكفرة الليبية طائرات شحن تقريبا كل ليلة، يتم تفريغ حمولتها ثم تقلع مجددا".
وتابع الصحفي الذي يوثق كل طائرة تهبط هناك: "الأشهر الثلاثة الماضية وحدها، أحصت 300 طائرة".
وأضاف: "بعضها يحمل أرقام تسجيل تعود للإمارات قادمة من أبوظبي".
وتقع واحة الكفرة في موقع بالغ الأهمية؛ إذ تتمركز في جنوب شرق ليبيا داخل عمق الصحراء الكبرى.
وبحسب الموقع، "تعد هذه المنطقة القاحلة الواقعة تحت سيطرة قوات الجنرال خليفة حفتر، طريق تهريب تقليدي للذهب والمهاجرين والأسلحة".
ولفت التقرير إلى أنه "منذ أربعة أعوام، يشهد المطار أعمال توسعة متواصلة، حيث تهبط فيه يوميا ما يصل إلى ثلاث طائرات نقل ثقيلة من الطراز الروسي".
وتابع: "وبحسب اتصالاته داخل الكفرة، يعلم محمد سنوسي -وهو اسم مستعار لدواعٍ أمنية- أن هذه الطائرات غالبا ما تُفرغ مركبات يتم نقلها لاحقا لمسافة 240 كيلومترا إلى داخل السودان".
وأردف: "ومن خلال الكفرة ومسارات التهريب الأخرى، حصلت الدعم السريع، التي تقاتل الجيش السوداني، أخيرا على معدات عسكرية جديدة، من بينها مركبات مدرعة وحتى طائرات مسيرة قتالية، ما يمثل بعدا جديدا تماما للحرب في إفريقيا".
ووفقا له، "ظهرت هذه المعدات في مجازر مليشيا الدعم السريع بالفاشر نهاية أكتوبر/ تشرين الأول 2025".
فقد وثّق التقرير الألماني "مقاطع فيديو نشرتها المليشيات على قناتها على تطبيق تلغرام، ظهرت خلالها أنظمة تسليح حديثة، تحتوي على مكونات أوروبية وألمانية".

اتفاقية أوروبية إماراتية
وانتقد الموقع الألماني موقف برلين تجاه دور الإمارات في حرب السودان، وقال: "حين سافرت وزيرة الاقتصاد الألمانية كاتارينا رايشه إلى أبوظبي منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، بعد وقت قصير من مجازر الدعم السريع في الفاشر، كان ذلك ليكون توقيتا مثاليا لطرح ملف السودان".
وعزا ذلك إلى أن "الإمارات الثرية تُعد أهم شريك تجاري لألمانيا في المنطقة، متقدمة حتى على السعودية".
واستدرك: "لكن الوزيرة قالت بدلا من ذلك: (بهذه الزيارة نُعمق تعاوننا ونفتح آفاقا جديدة. ففي عالم يشهد توترات جيوسياسية متزايدة، يجب على ألمانيا أن تُشكّل شراكاتها الإستراتيجية بفاعلية)".
في هذا السياق، ذكر الموقع أن عملاق صناعة الطائرات الأوروبي (إيرباص) تجري مفاوضات حثيثة لإبرام صفقة ضخمة مع الإمارات لتوريد طائرات النقل العسكري A400M، والتي من المقرر تصنيعها في الإمارات مستقبلا".
وأفاد بأنه "في منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، عرضت الشركة الطائرة في معرض دبي وسط احتفاء كبير".
وبحسب الموقع، فإنه "يبدو أن الحملة الترويجية، التي شملت تحليقا للطائرة فوق الخليج مع فتح باب الشحن الخلفي، قد أثمرت بالفعل؛ إذ وقعت الشركة على هامش المعرض اتفاقا إطاريا صناعيا مع شركة مبادلة للاستثمار في أبوظبي".
وقالت إيرباص في ردها على استفسار الموقع: إن الاتفاق "خطوة مهمة لتعزيز قطاع الطيران والفضاء في دولة الإمارات". مضيفة أن الاتفاق "يضع إطارا للتعاون في تصنيع وتجميع وصيانة طائرة النقل العسكري A400M".
وتروج الشركة للطائرة بصفتها مناسبة بشكل خاص لنقل المركبات المدرعة الثقيلة، وقادرة على الهبوط في مدارج قصيرة وغير ممهدة بفضل محركاتها التوربينية.
ويرى الباحث في شؤون التسلح، ماكس موتشلر، من معهد "بون الدولي لدراسات النزاعات" أن الأمر واضح: "طائرة A400M مناسبة تماما لنقل مركبات مثل النمر".
وأضاف موتشلر أن امتلاك الإمارات لهذه الطائرة سيجعلها أكثر قدرة على تنفيذ سياسة تصدير نشطة: "كلما ازدادت قدرة الإمارات على التحكم في إنتاجها العسكري، زادت احتمالات وصول هذه المعدات مستقبلا إلى السودان واليمن وغيرها".
ولفت الموقع إلى أن "الاتفاقية النهائية بين إيرباص والإمارات لا تزال غير مكتملة".
وأردف: "أما بشأن احتمال استخدام الطائرة في السودان، فتلتزم الشركة الصمت، وتكتفي بالقول: (إيرباص تلتزم بالكامل بالقوانين الوطنية والأوروبية الخاصة بتصدير المعدات العسكرية)".
أما المكتب الاتحادي الألماني للاقتصاد ومراقبة الصادرات (BAFA)، المسؤول عن منح تراخيص تصدير السلاح، فلم يجب عن سؤال ما إذا كانت هناك مخاوف من استخدام الأسلحة الألمانية في السودان.
واكتفى، حسب الموقع، بالقول: إن تراخيص التصدير تُمنح فقط "عندما يكون مصير هذه السلع في بلد التسلم مضمونا عبر إقرار نهائي بالاستخدام".

سخاء كبير
"ويُذكر أن الجانب الألماني لم يتحقق من المصير النهائي للأسلحة في الإمارات سوى مرة واحدة فقط، وذلك في عام 2017". وفقا لما ذكره الموقع.
"مع ذلك، تُظهر ألمانيا قدرا كبيرا من السخاء في صادراتها العسكرية إلى الإمارات". يقول التقرير.
ويتابع: "فمنذ عام 2023، تجاوزت قيمة صادرات السلاح الألمانية إلى الإمارات 244 مليون يورو، وللمقارنة، بلغ إجمالي قيمة صادرات الأسلحة الألمانية إلى فرنسا عام 2023 نحو 293 مليون يورو".
ورغم الانتقادات الموجهة إلى الإمارات، أشار الموقع إلى أن "الكتلة البرلمانية للاتحاد المسيحي في البوندستاغ تتمسك باستمرار الإمدادات إلى أبوظبي".
وقال المتحدث باسمها للشؤون الخارجية، يورغن هارت، لموقع "تاتس": إن الحظر الشامل على الصادرات نادرا ما يكون الحل الصحيح.
وأضاف أن "مجلس الأمن الاتحادي يقرر في كل حالة على حدة، وهذا هو النهج السليم، وسيُؤخذ في الحسبان السجل الكارثي للسياسة الإماراتية تجاه السودان".
أما المتحدث باسم السياسة الخارجية في كتلة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، أديس أحمدوفيتش، فلم يرد على استفسارات الموقع المتكررة.
من جانبهم، قال ممثلو وزارة الخارجية الألمانية: إنهم "حثوا مرارا جميع داعمي أطراف النزاع على وقف توريد الأسلحة إلى السودان".
وأضافوا أن موردي السلاح لكلا الجانبين (يتحملون مسؤولية المساهمة في إنهاء معاناة الشعب في السودان).
على الجهة الأخرى، أوضح الموقع الألماني أن "الجيش المصري -الحليف الأبرز للجيش السوداني ضد الدعم السريع- يبحث عن خيارات أخرى لاستهداف المليشيات المتمردة".
وتابع: "ففي نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، قصفت طائرات حربية مصرية قافلة في ليبيا كانت متجهة من الكفرة نحو السودان.
وبحسب الموقع، "أفادت مصادر محلية بأن شاحنات وقود وذخيرة انفجرت، وأن عددا كبيرا من القتلى والجرحى نُقل لاحقا إلى مستشفى الكفرة.
وعقّب الصحفي الليبي سنوسي: "يبدو أننا لم نعد على الهامش، نحن الآن في قلب الحرب".
















