"المثلث الكبير".. هل تبتعد أنقرة عن الغرب نحو موسكو وبكين؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في خطوة عدّها موقع صيني “محاولة من تركيا لتجنب مصير إيران”، تسعى أنقرة بشكل استباقي لإيجاد بدائل إقليمية ودولية لمواجهة الغرب، مقترحة إنشاء ”مثلث كبير" بين الصين وروسيا وتركيا.

إلا أن اللافت في الأمر أن روسيا لم تتجاهل هذه الدعوة وتفاعلت معها من خلال سفارتها لدى أنقرة.

دلالة واضحة

واستهلَّ موقع "سوهو" تقريره مشيرا إلى أن دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية وأحد أبرز حلفاء أردوغان، هو من يقف وراء هذه الفكرة.

ووفقا للتقرير، "طرح بهتشلي هذه الفكرة عبر مقال نشر في 12 فبراير/ شباط 2026، ما أعاد تسليط الضوء على توجهات أنقرة الإستراتيجية في ظل التحولات الدولية المتسارعة".

وفي تعليق وصفه بـ"اللافت"، أشار الموقع إلى تصريح القائم بأعمال السفارة الروسية في أنقرة أليكسي إيفانوف الذي عبر عن إعجابه بالفكرة قائلا إن ما طرحه بهتشلي "مثير للاهتمام". 

وعقّب الموقع قائلا: "التصريح لا يرقى إلى موقف رسمي، لكنه يحمل دلالة سياسية واضحة".

في هذا السياق، نوَّه التقرير إلى أن "هذه ليست المرة الأولى التي تطرح فيها أنقرة مثل هذه التصورات".

واستشهد على ذلك بدعوة زعيم حزب الوطن اليساري، دوغو برينجك، في يناير/ كانون الثاني 2026 تشكيل تحالف يضم تركيا وروسيا وإيران والصين، مؤكدا أنه "سيكون قوة تاريخية قادرة على منع اندلاع حرب عالمية جديدة ومواجهة النفوذ الأميركي". 

أما في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، فقد طرحت تركيا -وفق التقرير- فكرة أكثر غرابة تمثلت في إنشاء تحالف رباعي يضم روسيا وتركيا والصين والولايات المتحدة، بذريعة منع اندلاع حرب عالمية ثالثة.

غير أن ما أثار اهتمام الموقع، "ليس ما إذا كان هذا التحالف سينجح أم لا، بل لماذا تستمر تركيا في إصدار مثل هذه التصريحات".

وتابع: "بالنظر إلى تصريحات تركيا السابقة المماثلة، يتبين نمط واضح: كلما تصاعدت التوترات الدولية، تقترح تركيا (حلا جديدا)، ما يعكس في النهاية حقيقة واحدة: أن تركيا تبحث لنفسها عن مخارج بديلة".

وأضاف: "فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، لكنها على خلاف دائم مع الولايات المتحدة وأوروبا، وتحاول الانخراط في تكتلات مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في القطيعة الكاملة مع الغرب".

ويمكن تلخيص إستراتيجية أردوغان في عبارة واحدة: "المراهنة على أكثر من خط"، وهي "مراهنة باتت أكثر إلحاحا مع التطورات الأخيرة". وفق الموقع.

بعد حساس

وقدر الموقع الصيني أن "مخاوف أنقرة بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض تزايدت؛ إذ تبنت واشنطن سياسة أكثر تشددا تجاه حلفائها، مستخدمة أدوات مثل الرسوم الجمركية والتهديدات العسكرية بشكل متكرر حتى أنها لوحت علنا باستخدام القوة للاستيلاء على جزيرة غرينلاند".

وفي هذا الإطار، يعتقد أن "الأحداث الأخيرة، وعلى رأسها قيام الولايات المتحدة بخطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى جانب الحشود العسكرية الأميركية قرب إيران، دقت ناقوس الخطر في أنقرة".

وأضاف أن "أوساط تركية ترى في أي قطيعة كاملة مع الولايات المتحدة ذريعة قد تجر تداعيات ثقيلة، لا سيما في ظل وجود قوات أميركية على الأراضي التركية، وهو عامل يمنح هذه الحسابات بعدا أمنيا حساسا".

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو أنقرة -وفق التقرير- معنية بإعداد بدائل مسبقة تضمن لها هامش تحرك أوسع.

واستدرك: "غير أن هذه الطروحات، في جوهرها، أقرب إلى رسائل سياسية منها إلى خطط مكتملة قابلة للتنفيذ".

وعزا الموقع ذلك قائلا: "فمن الناحية الواقعية، تبدو فرص قيام (مثلث) تركي روسي صيني في المدى القريب محدودة".

ومن جهة أخرى، "لا تزال تركيا عضوا في حلف شمال الأطلسي، كما أن اقتصادها مرتبط بدرجة كبيرة بالاتحاد الأوروبي، فيما يظل أمنها مندمجا بعمق في البنية الغربية".

وبالتالي، يعتقد أن "أي تحول إستراتيجي جذري لا يمكن أن يتم في فترة قصيرة".

من الجانب الآخر، يرى الموقع أن الدبلوماسية الصينية تقوم على مبدأ واضح مفاده "الشراكة من دون تحالف"، فبكين لا تنخرط في تكتلات عسكرية مغلقة، ولا تبني اصطفافات تستهدف طرفا بعينه.

وأوضح أن بكين تتعامل "مع مثل هذه الطروحات بما يقتضي الحفاظ على إيقاع ثابت ومتزن".

وتابع: "فإذا رغبت تركيا في تعزيز التعاون ضمن أطر متعددة الأطراف، يمكن توسيع التنسيق في مجالات محددة".

"أما إذا كان الهدف هو إنشاء اصطفاف ذي طابع مواجه للغرب، فإن ذلك لا ينسجم مع المبادئ المعلنة للسياسة الخارجية الصينية". وفق قوله.

بعبارة أخرى، يرى التقرير أن بكين "لا تميل إلى تحويل قلق الآخرين الإستراتيجي إلى التزام خاص بها، بل تركز على ترسيخ موقعها كقوة مستقرة يجذب ثباتها شركاء محتملين".

إشارات مزدوجة

ووفق تحليل الموقع، "تدرك أنقرة على الأرجح أن مثل هذه المبادرات قد لا تحظى باستجابة عملية مباشرة، لكنها تواصل طرحها لاعتبارات تتعلق بإرسال إشارات مزدوجة".

وتابع: "فهي ترسل رسالة إلى الغرب أولا، مفادها أن استمرار الضغوط قد يدفعها إلى البحث عن خيارات بديلة، وإلى موسكو وبكين ثانيا، بوصفها جس نبض يعكس استعدادا لتوسيع التعاون إذا ما توفرت مساحة أكبر للمناورة".

وعلى مستوى أوسع، يقدر الموقع أن "هذه الطروحات المتكررة تعكس شعورا متناميا لدى قوى متوسطة الحجم بعدم الاطمئنان إزاء بنية النظام الدولي الأحادي".

وأردف: "فمع تحول العقوبات إلى أداة اعتيادية في السياسة الدولية، وتصاعد حضور الردع العسكري في الخطاب الدبلوماسي؛ تتجه دول عدة إلى تنويع علاقاتها الإستراتيجية لتفادي الانكشاف أمام الضغوط".

وضرب أمثلة لعدة دول "السعودية تتبنى سياسة خارجية متعددة المسارات، والهند تسعى إلى استقلالية إستراتيجية، فيما تعزز إيران توجهها شرقا، بينما تواصل تركيا توزيع رهاناتها على أكثر من محور".

واستطرد: "القاسم المشترك بين هذه المقاربات هو توسيع هامش الحركة وتقليل المخاطر".

خلاصة القول، يرى "سوهو" أن احتمالات قيام "المثلث الكبير" بين الصين وروسيا وتركيا في الأمد القريب "ضعيفة".

واستدرك: "غير أن دلالته الرمزية واضحة: جاذبية النظام القائم تتراجع، في حين لم تتبلور بعد ملامح نظام بديل مستقر، ما يدفع الدول إلى البحث عن مواقع أكثر أمانا ضمن المشهد الدولي المتغير".