الاتفاق السوري الإسرائيلي.. أمن الحدود أم فتح أبواب التطبيع؟

"إدارة ترامب والحكومة السورية تسعيان إلى شيء أكثر حميمية"
لأول مرة منذ حرب 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1973، أعلنت سوريا والولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، في بيان مشترك يوم 6 يناير/كانون الثاني 2026، التوصل إلى اتفاق ينص على إنشاء “آلية تنسيق مشتركة”، وهو ما عدها مراقبون “تطبيعا”، في مقابل تأكيد آخرين أنها مجرد “خلية أمنية”.
هذه الآلية هي “خلية اتصال دائمة لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، وتعزيز التواصل الدبلوماسي، وبحث قضايا تجارية، تحت إشراف الولايات المتحدة”. وفق البيان المشترك الذي نشرته الخارجية الأميركية.
التصريحات السورية منذ بدء اللقاءات مع أميركا والكيان، تتحدث عن أن الهدف هو وقف الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة وإعادة تفعيل اتفاقية فصل القوات لعام 1974 التي تواصل إسرائيل خرقها منذ سقوط النظام في ديسمبر/ كانون الأول 2024.
لكن حديث البيان عن قضايا أخرى بخلاف "ترتيبات دائمة للأمن والاستقرار لكلا البلدين"، مثل "الفرص التجارية"، وكشف صحف إسرائيلية عن تفاصيل تتعلق بالتعاون في مجالات تشمل الطب والطاقة والزراعة، أثار علامات استفهام حول: هل الاتفاق مجرد أمني حقا أم تطبيع للعلاقات؟

هل هناك بنود سرية؟
بحسب البيان، "قرر الطرفان إنشاء آلية دمج مشتركة (خلية اتصال مخصصة) لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر فيما يتعلق بتبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية، وذلك تحت إشراف الولايات المتحدة".
"وستكون هذه الآلية منصة لمعالجة أي خلافات على وجه السرعة والعمل على منع سوء الفهم"، وسوف تتولي الولايات المتحدة الإشراف على الآلية الجديدة، على أن تعمل على معالجة أي نزاعات بشكل فوري لمنع سوء الفهم والتصعيد.
وبحسب البيان، شارك من إسرائيل، سفيرها لدى واشنطن يحيئيل ليتر، والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء رومان جوفمان، والقائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي جيل رايخ، ومن سوريا، وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس المخابرات حسين سلامة.
أما الفريق الأميركي فضمّ المبعوث ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، وتوم باراك، المبعوث الأميركي إلى سوريا.
لكن صحفا عبرية تحدثت عن بنود تم الاتفاق عليها، ولم ترد في نص البيان، فيما لم تنشر سوريا أي تفاصيل عن الاتفاق، ما أثار تساؤلات: هل هناك بنود سرية؟ أم أن هذه مزاعم إسرائيلية تحاول فرضها؟
صحيفة "جيروزاليم بوست"، ادعت في 6 يناير، أن الجانبين الإسرائيلي والسوري اتفاقا، بجانب "آلية الاندماج"، على إطلاق محادثات في مجالات مدنية تشمل الطب والطاقة والزراعة، من دون تحديد جدول زمني لبدء التنفيذ".
أيضا قال مراسل قناة 12 الإسرائيلية "أميت سيغال": إن الحديث يدور حول "مقترح أميركا لتحقيق سلام اقتصادي بين إسرائيل وسوريا"، أي تطبيع اقتصادي.
تحدث عن "مناقشة خطة جديدة للتعاون الاقتصادي مع سوريا، أي منطقة اقتصادية مشتركة مترامية الأطراف على طول الشريط المنزوع السلاح الحالي، تشمل مشاريع طاقة ومصانع أدوية، والأكثر أهمية من ذلك كله، منتجع تزلج".
زعم أنه "بحسب المقترح الأميركي السوري، ستضم المنطقة محطة طاقة رياح، وخط أنابيب نفط خام، ومراكز بيانات، ومنشآت طبية، والأفضل من ذلك كله، أن المنطقة ستظل منزوعة السلاح".
المراسل العسكري الإسرائيلي كتب: "قد يظن المرء أنه بعد أن شنت إسرائيل آلاف الغارات، وهي تسيطر حاليًا على الأراضي السورية، سيظل الأمن هو الموضوع الوحيد الجدير بالتفاوض"، زاعما أن "إدارة ترامب والحكومة السورية تسعيان إلى شيء أكثر حميمية".
وتحدث عن "قواعد ضريبية مستقلة، وشروط تأشيرة مخففة، وآليات تحكيم للنزاعات المالية، وربما حتى إطار عمل عملة مشتركة".
أضاف: "يُقدم هذا المخطط الكثير لسوريا: نمو في الناتج المحلي الإجمالي يُقدر بنحو 4 مليارات دولار (بزيادة قدرها 20 بالمئة عن الناتج الحالي) إلى جانب زيادة في قدرة توليد الطاقة بمقدار 800 ميغاواط، وتوفير 15 ألف وظيفة جديدة، وخفض الاعتماد على الأدوية بنسبة 40 بالمئة".
"أما إسرائيل، فتُتاح لها فرصة تحويل منطقة عازلة قاحلة إلى "ممر اقتصادي حيوي"، مع الاستفادة من "خفض الإنفاق العسكري" لحماية حدودها الشمالية، وفق مراسل القناة 12.
وطرح "أميت سيغال" سؤال: "هل ستتم هذه الصفقة برمتها فعلا دون انضمام سوريا إلى اتفاقيات الأديان الإبراهيمية؟" أي التطبيع الكامل، وأجاب: "للأسف، نعم".
وتابع: "حسب ما رأيت، لا تتضمن أي من مسودات الوثائق شرطا رسميا للسلام في الخطة، قد يزيد ذلك من احتمالية السلام، لكنه ليس مضمونا بأي حال من الأحوال".
ما سر صمت سوريا؟
لم تُصدر الحكومة السورية، على الفور، بيانا يرحب أو يرفض البيان الثلاثي بنصه الكامل، بحسب البيانات الرسمية السورية المتاحة للصحافة الدولية.
وما نُقل حتى الآن يأتي من مصادر سورية غير رسمية أو تصريحات مسؤولين متداخلة في وسائل إعلام، ما أثار تساؤلات عن سر الصمت الرسمي عن أمر هام وخطير كهذا.
وسائل الإعلام الرسمية السورية أفادت بأن المناقشات في باريس ركزت على إحياء اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 التي أنشأت منطقة عازلة تحت إشراف الأمم المتحدة بين إسرائيل وسوريا بعد حرب الشرق الأوسط عام 1973.
ومصادر سورية مطلعة أكدت لوكالات الأنباء أن محادثات باريس ركزت على وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية بالأراضي السورية.

وكالة "رويترز"، نقلت عن مسؤول سوري، قوله: إن الجولة الأخيرة من المحادثات مع إسرائيل في باريس، "اختتمت بمبادرة لتعليق جميع الأنشطة العسكرية الإسرائيلية ضد سوريا".
لكن إسرائيل لم تؤكد موافقتها على تعليق العمليات العسكرية في سوريا، وتوغلت في جنوب سوريا في اليوم التالي لتوقيع الاتفاق، وذكر مكتب نتنياهو أنهم ركزوا خلال المحادثات على القضايا الأمنية، والتعاون الاقتصادي بين إسرائيل وسوريا.
وقال المسؤول السوري: إنه "لن يكون من الممكن المضي قدما في الملفات الإستراتيجية في المحادثات مع إسرائيل دون وجود جدول زمني واضح وملزم لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية التي تم الاستيلاء عليها بعد الإطاحة ببشار الأسد في أواخر عام 2024".
ونقلت وسائل إعلام عربية، منها شبكة الجزيرة الإنجليزية، عن مسؤولين سوريين أن سوريا تشدد على ضرورة أن يكون هناك "جدول زمني واضح" لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة (خصوصًا الجولان) قبل الانتقال إلى تفاهمات سياسية أوسع، وهو ما يُظهر أن دمشق تربط أي تقدم بتنازلات إسرائيلية ملموسة.
مصادر أخرى ترى أن الحكومة السورية لا تزال حذرة وتحافظ على موقفها التقليدي الرافض لأي اعتراف بعلاقات طبيعية دون استرجاع سيادة سوريا الكاملة على أراضيها.
لذا يرى محللون أن التبرير الذي يمكن تفهمه للاتفاقية بين سوريا ودولة الاحتلال هي أن "النظام يحاول كسب الوقت ولا ينوي تطبيق الاتفاق، وصيغة الاتفاق تساعد بهذا التبرير". بحسب المحلل الفلسطيني "ياسين عز الدين".
كامب ديفيد 2
من جانبها، تقول الناشطة السورية في أميركا "ميساء قباني"، إن ما تم الاتفاق عليه في باريس، برعاية تركية أميركية، هو: غرفة عمليات مشتركة مقرها عمان، ستعمل خلال ثلاثة أشهر على إعادة السويداء إلى الدولة وفق الاتفاقات السابقة بين المحافظ وأبناء المنطقة.
وإنشاء "منطقة عازلة، يتم استثمارها اقتصاديًا"، بما يعني "منع الوجود العسكري على جانبي الحدود، لا قوات، لا أسلحة ثقيلة، ولا نشاط أمنيا قتاليا داخل المنطقة".
وستكون مخصصة فقط لتجارة، استثمار، صناعة، زراعة، نقل، ومشاريع بنى تحتية، دون أن تتدخل إسرائيل أو الجيش السوري في هذه المنطقة، مع تقديم ضمانات أمنية (إسرائيلية) بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لسوريا.
أضافت أن "هذه التجربة تشبه إلى حد كبير ما تم الاتفاق عليه في اتفاقية كامب ديفيد حول سيناء كمنطقة منزوعة السلاح؛ حيث كان الوجود العسكري مقيدًا بشدة ولا يزال حتى يومنا هذا، مقابل ذلك فُتحت الطريق أمام الاستقرار، والسياحة، والاستثمار".
وأكدت "قباني"، وهي عضو بجماعة "لنُعيد لسوريا عظمتها من جديد"، أن "تل أبيب قدمت ضمانات بأنها لن تتدخل نهائيًا في شرق الفرات في حال حاولت الحكومة توحيد البلاد، بانتظار الانتهاء من صيد الفلول في الساحل، وبانتظار ساعة الصفر".
ويتعارض هذا مع ما قاله رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في بيان، من أنه "تم الاتفاق على الحفاظ على أمن الأقلية الدرزية في سوريا"، وهو أمر لم يرد في بيان الخارجية الأميركية ويعطي لإسرائيل حق التدخل في شأن سوريا.
ويرى المحلل ياسر الزعاترة، أن البيان الأميركي السوري الإسرائيلي "كارثي بامتياز"، ومحاكمته بلغة السياسة لا تشير إلى "ذكاء" بقدر ما تعكس "تجريبا للمجرب"، وسير على خطى سلطة "أوسلو" ومن يمضي على شاكلتها.
قال: "سؤال السياسة الأكبر هو ذاته دائما ممثلا في الموازنة بين مصالح ومفاسد، وهنا لا يشك عاقل أبدا في أننا إزاء بيان كارثي"، ولن يوقف العبث الصهيوني الأميركي، لا في سوريا ولا في عموم المنطقة.
أضاف: يصرخ الصهاينة ليل نهار، بأنهم لن يسحبوا قواتهم إلى المواقع التي كانت فيها عشية سقوط نظام بشار، ويصرون على دعم الانفصاليين الدروز، بل يتواصلون مع بعض العلويين في الساحل، ولا يخفون دعمهم لنوايا الانفصال عند "قسد"، وهو ما تدعمه أميركا ضمنيا".
تطبيع اقتصادي
وتشير معالم "آلية الاندماج" التي تحدث عنها البيان بين إسرائيل وسوريا، إلى أنها تميل لخطة كشفت عنها صحف أميركية تتبناها إدارة ترامب في الشرق الأوسط، تقوم على استبدال التوتر واتفاقيات السلام، أو "السلام السياسي" في المنطقة بـ "السلام الاقتصادي".
وأشار لهذه الخطة مبكرا موقع "أكسيوس" الأميركي، في 7 ديسمبر، حين كشف، بمناسبة تمرير صفقة الغاز لمصر، أن الولايات المتحدة لا تسعى لإعادة دفء العلاقات بين القاهرة وتل أبيب فقط، بل بين إسرائيل والدول العربية أيضا، عبر ما يُسمى "الدبلوماسية الاقتصادية".
الموقع أوضح أن الوساطة الأميركية بين السيسي ونتنياهو، لم يكن غرضها فقط ترتيب لقاء خاص بينهما، ولكنها في سياق التطبيع ككل بين إسرائيل والدول العربية وفق خطة ترامب واتفاقات "أبراهام".
وأوضح أن كبير مستشاري ترامب وصهره، جاريد كوشنر، "ركز خلال لقائه الأخيرة مع نتنياهو على أفكار استثمار إسرائيل خبراتها الاقتصادية من أجل إغراء الدول العربية كلها على التطبيع".
ونقل عن مسئول أميركي شرحه ذلك بقوله: إن "على إسرائيل استثمار قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وموارد الغاز الطبيعي، وخبرتها في مجالات الطاقة المتجددة والمياه في دبلوماسيتها الإقليمية".
وهو ما يعني أن الولايات المتحدة تستهدف التركيز على "الحوافز الاقتصادية" في مجالات التكنولوجيا والطاقة بين إسرائيل ودول عربية بهدف إعادة إدماج إسرائيل دبلوماسيًا في المنطقة.
أي وضع نموذج جديد من "الدبلوماسية الاقتصادية" لانخراط الدولة العبرية في العالم العربي، بهدف إعادة مسار اتفاقيات إبراهيم إلى الواجهة، تدريجيا وبطرق ملتوية.

بعبارة أخرى، تستهدف واشنطن استبدال "السلام السياسي" في المنطقة بـ "السلام الاقتصادي"، وإعادة بناء التحالف الإسرائيلي العربي الذي انهار بفعل حرب غزة، ولكن على أسس اقتصادية هذه المرة.
أي تقديم خدمة لإسرائيل، عبر إعادة رسم خريطة تحالفات في الشرق الأوسط على أساس مصالح اقتصادية وأمنية مع الدول العربية، بعدما انهارت التحالفات السابقة بفعل تأثيرات حرب غزة.
وكانت مجلة "ذا ويك"، قالت، مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني 2025: إن "واشنطن ترى في صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل "جزءًا من شبكة أوسع للتعاون الاقتصادي الإقليمي بين إسرائيل ومصر ودول عربية"، وعدتها تعزيزًا لبعض روابط التحالفات الإستراتيجية".
وأوضح تقرير لـ "معهد الشرق الأوسط" (MEI)، ومقره واشنطن، في 17 نوفمبر 2025، أن هدف التطبيع الأميركي مع دول عربية، هو خلق علاقات اقتصادية وتجارية بين إسرائيل ودول المنطقة.
وقد تم توسيع هذه الاتفاقات خلال ولاية ترامب الثانية، وشملت خطوات نحو انضمام دول جديدة مثل كازاخستان، مع صفقات اقتصادية قوية وصلت إلى مليارات الدولارات كمحفزات لتلك الاتفاقات.
ما يعكس تحويل الفكرة من "أرض مقابل سلام سياسي" إلى "سلام مقابل اقتصاد"؛ حيث تُقدم المصالح الاقتصادية كحافز أساسي لاقتراب الدول العربية من التطبيع مع إسرائيل.
ومع هذا انتقد مراكز أبحاث، بينها "تاشتام هاوس" البريطاني، في 17 أكتوبر 2025، خطة ترامب، مؤكدة أن التركيز على وقف الحرب والعلاقات الاقتصادية لا يحقق سلامًا سياسيًا كاملاً دون معالجة جذور النزاع وإجراء مفاوضات سياسية فعالة.
وأضافت أن السلام الاقتصادي وحده، دون خطوات سياسية ملموسة، لن يؤدي إلى حل شامل ولن يبدل الواقع السياسي في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني بشكل دائم.
المصادر
- بيان مشترك بشأن الاجتماع الثلاثي بين حكومات الولايات المتحدة الأميركية، ودولة إسرائيل، والجمهورية العربية السورية
- Israel, Syria to set up communication mechanism after US-mediated talks
- Israel and Syria agree to US-supervised communication cell for military de-escalation
- The Abraham Accords
- Scoop: U.S. discussing potential Sisi-Netanyahu summit
- Why Israel stalled $35 bn gas deal with Egypt and what it means for Middle East
- Trump’s Gaza plan is still not a complete peace settlement














