الحد الأقصى للعقوبة.. هل يدخل الأردن مرحلة جديدة في تجريم دعم المقاومة؟

قرار الحكم جاء وفقا لقانون "منع الإرهاب" رغم عدم حصول فعل على أرض الأردن
في سابقة تاريخية، أقدم القضاء الأردني على تجريم حركة "حماس"، بعد تثبيت الأحكام المشددة على المعتقلين الأردنيين في قضية "دعم المقاومة"، وسط دعوات أطلقتها هيئة الدفاع عن "معتقلي المقاومة" للبرلمان لتعديل قانون “منع الإرهاب” الذي وصفته بأنه "أداة تجريم".
وأصدرت محكمة التمييز الأردنية في 10 فبراير/ شباط 2026، قرارا بتأييد الحكم 20 عاما مع الأشغال الشاقة بحق المعتقلين الأردنيين (إبراهيم جبر، وحذيفة جبر، وخالد المجدلاوي)، بتهمة دعم المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وإمداد الضفة الغربية بالسلاح.

"العقوبة الأعلى"
رغم جملة أخطاء شخَّصها محامو الدفاع عن المعتقلين الثلاثة كانت قد وقعت فيها محكمة أمن الدولة في قرارها الصادر ضد المعتقلين وحكمهم بالسجن لمدة 20 عاما، لكن "محكمة التمييز" هي الأخرى أصرَّت على ما ذهبت إليه الأخيرة من قرار، وقضت بثبيت الحكم المشدد ضدهم.
ومن تلك الأخطاء التي شخَّصها المحامون، أن محكمة أمن الدولة أخطأت عندما أدانتهم وفق أحكام قانون "منع الإرهاب" رغم أن المادة المستند عليها ضمن القانون توجب ضرورة توافر القصد الخاص كركن من أركان الجريمة، والذي يتمثل على وجه الخصوص والتحديد باستعمال المواد الخطرة في تنفيذ أعمال إرهابية أو على وجه غير مشروع.
وأكّد المحامون أن محكمة أمن الدولة أخطأت أيضا حينما عدّت أفعال المميزين (المعتقلين) أفعالا إرهابية غير مشروعة على الأراضي الأردنية ترادف أعمال المقاومة المشروعة في الإقليم المحتمل، وذلك في معرض تبريرها عدم تطبيق أحكام "الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب" التي استثنت المقاومة وأفعالها المشروعة من وصف الإرهاب.

لكن محكمة التمييز تجاهلت كل ذلك، وقالت في قرارها الأخير: إن "العقوبة التي قضت بها محكمة أمن الدولة جاءت ضمن الحد القانوني المقرر للجنايات التي جُرّموا بها متفقين معها بالارتقاء بالعقوبة إلى حدها الأعلى بالنظر إلى جسامة الأفعال التي وصفوها بالآثمة والشنيعة والعبث بأمن الوطن والمواطن".
وأضافت أن "ما توصلت إليه محكمة أمن الدولة يقوم على استخلاص صحيح للنتائج من البينات وحيث إنها طبّقت القانون على ما توصلت إليه من وقائع تطبيقا سليما وعللت قرارها تعليلا صحيحا وكانت العقوبة ضمن الحد القانوني".
وفي نهاية أبريل/ نيسان 2025، أصدرت محكمة أمن الدولة، أحكامًا بالسجن لمدة 20 عامًا مع الأشغال المؤقتة بحق أربعة متهمين في القضية المعروفة باسم "دعم المقاومة الفلسطينية"، وهم: إبراهيم جبر، وحذيفة جبر، وخالد المجدلاوي، وأحمد عايش.
وجاء الحكم بعد أشهر من المحاكمات التي بدأت باعتقال الشقيقين إبراهيم وحذيفة جبر في 13 مايو/أيار 2023، حيث وُجهت إليهما تهمة نقل أسلحة من مدينة المفرق إلى بلدة حوارة، دعما للمقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية. ووفقا للائحة الاتهام، فقد وُصف دورهما بأنه لوجستي في عملية تهريب السلاح.
أما المتهمان الآخران، خالد المجدلاوي وأحمد عايش، فتمّ توقيفهما في وقت لاحق من العام نفسه؛ حيث نفيا التهم الموجهة إليهما، مؤكدين أن نشاطهما كان إنسانيًا وإغاثيا يهدف إلى مساعدة المتضررين في قطاع غزة وطلبة العلم.

"قرار سياسي"
بخصوص تثبيت محكمة التمييز الحكم الصادر من محكمة أمن الدولة بحق المعتقلين، قالت مصادر قانونية أردنية لـ"الاستقلال"، طالبة عدم الكشف عن هويتها: إن "القرار يُعد ذهابا صريحا نحو تجريم حركة المقاومة الإسلامية حماس بذاتها، وليس فقط الأفعال المسندة للمتهمين".
وبحسب المصادر، فإن "القرار تجاوز حدود محاكمة الأفعال الفردية إلى تبنّي توصيف سياسي مباشر للحركة، في مسار يتناقض مع الالتزامات الدستورية والدولية المترتبة على السلطات الأردنية، بما فيها السلطة القضائية، خصوصًا في ظل مبادئ دولية تتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها".
وأشارت إلى أن "محكمة التمييز لم تقم بالرد على أغلب أسباب التمييز المقدمة من قبل وكلاء الدفاع، وردها جاء مجمل وملؤه اللغة السياسية لا القانونية بشكل واضح، وهذا يشكل سابقة في القضاء الأردني".
وأكدت المصادر أن "محكمة التمييز أقرت محكمة أمن الدولة على قرار الإدانة والعقوبة الشديدة (٢٠) عام دون أي تسبيب قانوني أو تعليل فقهي، وهو أمر يثير الشك حول مستوى الضغوط التي تعرضت لها الهيئة الحاكمة لإصدار القرار بهذا الهزال القانوني".
وشددت المصادر على أن "هذا الحكم يُعد سابقة تاريخية في الأردن من حيث شدة العقوبة؛ حيث إنه تاريخيا لم يتم إنزال هذا المستوى من العقوبة بحق الأردنيين الذين حاولوا تقديم المعونة للمقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية".
من جهتها، قالت المحامية الأردنية في مجال حقوق الإنسان، هالة عاهد، خلال تدوينة على "إكس" في 21 فبراير، إنه "من المؤسف أن تذهب المحكمة بالحد الأعلى للعقوبة رغم أن المعايير الدولية واتفاقية منع الإرهاب العربية تستثني المقاومة من تعريف الإرهاب".
وفي السياق، قال مركز "صدارة" للمعلومات والاستشارات، خلال بيان على موقعه الإلكتروني في 23 فبراير، إن "هذه الأحكام المشددة تشير إلى التمسك بنهجٍ حازم إزاء تجريم أي نشاط يُعدّ مساندًا للمقاومة الفلسطينية، خاصة تقديم أي نوع من أشكال الدعم أو الإمداد، والتصدي لجميع محاولات التهريب أو التسلل باتجاه الأراضي الفلسطينية".
من ناحية أخرى، رأى المركز أن "هذه الأحكام تؤكد لحلفاء الأردن الأمنيين، خاصة الولايات المتحدة وإسرائيل، التزام المملكة بتأمين بيئتها الداخلية وضبط الحدود، رغم التوتر السياسي مع الاحتلال على وقع التطورات في الضفة الغربية.
كما يكشف الحكم، بوصفه صادرا عن أعلى محكمة في السلم القضائي، سيطرة صانع القرار على توجهات الجهاز القضائي، وإغلاقه الباب بوجه أي احتمالات لإجراء تسويات قبل الحكم البات النهائي في الملف؛ إذ كان يُظن أن محكمة التمييز وبما تملكه من وزن ورزانة قضائية، لن تنساق خلف محكمة أمن الدولة، وأن بإمكان المتهمين والدفاع خلق حالة تمايز بينهما. وفقا للمركز.
ووصف المركز هذا الأمر بأنه "مؤشر خطير يجازف فيه صانع القرار بسمعة القضاء ومحكمته العليا في الوعي المجتمعي ويُلحق السلطة القضائية التي يُفترض أن تكون مستقلة إلى أدوات السلطة السياسية ومقاربتها الأمنية".

اختبار البرلمان
على وقع قرار محكمة التمييز، أطلقت "هيئة الدفاع عن معتقلي دعم المقاومة" في الأردن، دعوات عاجلة للبرلمان الأردني في 23 فبراير، طالبوا فيها بضرورة تعديل قانون "منع الإرهاب"، عادة إياه بأنه بات "أداة تجريم رئيسية" في مواجهة العمل الوطني المشروع.
ووضعت "هيئة الدفاع عن معتقلي دعم المقاومة" البرلمان الأردني أمام مسؤولياته التشريعية، مطالبة بطرح مشروع قانون معدل ينص صراحة على وقف تجريم المقاومة وتثبيت حق دعمها.
وأكّدت الهيئة في بيانها ضرورة "إيقاف وصم المقاومة وملاحقتها تحت مسمى جريمة الإرهاب على وجه السرعة"، مشددة على أن دعم الكفاح المسلح هو حق مكفول بموجب ميثاق الأمم المتحدة والاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، ولا يمس أمن الدول.
وكشف البيان عن تفاصيل إجرائية مثيرة للجدل؛ حيث أوضحت الهيئة أنها كانت قد تقدمت بطلب في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2025، لإعادة نظر القضية من قبل هيئة مغايرة لضمان الحياد، إلا أن القرار القطعي صدر في نهاية المطاف من ذات الهيئة التي نظرت طعون النائب العام سابقا، وهو ما عدّته الهيئة "التفاتاً عن الضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة".
وأشارت الهيئة إلى أن استمرار تجريم هذه الأفعال يتناقض مع الواقع السياسي الحالي؛ حيث تُحاكم دولة الاحتلال الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية بتهمة "الإبادة الجماعية" في قطاع غزة.
وطالبت الهيئة القضاء بتفعيل اتفاقيات منع الإبادة وحق الشعوب في تقرير المصير عند النظر في مثل هذه الملفات، مؤكدة إيمانها بعدالة قضية موكليها وحقهم في إعادة المحاكمة تحت مظلة تشريعية تحمي حق دعم المقاومة.
وفي منتصف يناير 2026، ذكرت أسر المعتقلين أنه جرى إبلاغهم من خلال أبنائهم المعتقلين بتعرضهم لحملة قمع مفاجئة من قبل قوة أمنية في سجن الجويدة.
وأوضح بيان لذوي المعتقلين، أنه تمّ خلال عملية القمع تحطيم أدواتهم الكهربائية الخاصة بالطهي وإلقاء ملابسهم ومتعلقاتهم الشخصية بالقمامة وتحطيم أسرة النوم الخاصة بهم وتوجيه الإهانات المباشرة لهم والصراخ عليهم أمام النزلاء الجنائيين بشكل مفاجئ.
وأشار البيان إلى أن هيئة الدفاع تحتفظ بحقها في مقاضاة أي من يثبت ارتكابه لأي انتهاك بحق موكليها لدى القضاء الشرطي المختص.
وكان المعتقلون الثلاثة (إبراهيم جبر، وحذيفة جبر، وخالد المجدلاوي)، قد جرى إيقافهم في مايو/ أيار 2023، أي قبل اندلاع أحداث السابع من أكتوبر، والإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة.
المصادر
- محكمة التمييز تؤيد الحكم على معتقلي دعم المـ ـقـ ـاومة بالسجن 20 سنة
- الأحكام الأردنية القاسية بحق معتقلي دعم المقاومة مؤشر على سيطرة صانع القرار على توجهات الجهاز القضائي وإغلاقه الباب بوجه أي تسويات
- محكمة أردنية تقضي بسجن عدد من متهمي قضايا "دعم المقاومة" 20 عاماً
- دعوة لتعديل قانون "منع الإرهاب" بالأردن بعد حكم بالسجن 20 عامًا لـ"دعم المقاومة"
















