ترامب يشهر العصا النووية بوجه إيران.. الدبلوماسية أولًا والحرب خيار مطروح

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في خطاب اتسم بنبرة حازمة ورسائل موجهة إلى الداخل والخارج على حد سواء، رسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب ملامح المرحلة المقبلة من سياسته تجاه إيران، مؤكدًا أن بلاده لن تسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي "تحت أي ظرف".

وجاءت تصريحاته خلال أول خطاب عن حالة الاتحاد في ولايته الثانية، في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها حسابات الردع العسكري مع رهانات الدبلوماسية، وتتصاعد فيها المخاوف من انزلاق جديد في الشرق الأوسط.

ترامب الذي خاطب جلسة مشتركة للكونغرس في 24 فبراير/شباط 2026، قدّم الملف الإيراني بوصفه اختبارًا مركزيًا لهيبة الولايات المتحدة ومصداقية سياستها الخارجية، مشددًا على أن خياره الأول لا يزال يتمثل في الحل الدبلوماسي، لكنه قرن ذلك بتحذير واضح من أن واشنطن "على أهبة الاستعداد" للجوء إلى خيارات أخرى إذا فشلت المفاوضات.

وبينما تحدث عن استمرار الاتصالات مع طهران، أشار إلى أن بلاده لم تتلقَّ حتى الآن التعهد القاطع بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، ويرى أن هذا التعهد يمثل جوهر أي اتفاق محتمل.

الخطاب لم يقتصر على إعادة تأكيد الموقف التقليدي القائم على منع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، بل حمل تصعيدًا في اللهجة؛ إذ وصف ترامب إيران بأنها "الدولة الراعية الأولى للإرهاب في العالم"، متهمًا إياها بمواصلة تطوير برامج صاروخية قادرة على تهديد أوروبا والقواعد الأميركية، بل والعمل على إنتاج صواريخ يمكن أن تصل إلى الأراضي الأميركية.

وبهذه العبارات، أعاد الرئيس الأميركي رسم الخط الأحمر الذي لطالما شكل محور التوتر بين البلدين، مؤكدًا أن أي عودة إيرانية إلى تسريع برنامجها النووي ستواجه برد حاسم.

ويأتي هذا الموقف في ظل تحولات إقليمية متسارعة، حيث تتشابك المواجهات غير المباشرة، وتتصاعد المخاوف من سباق تسلح في المنطقة، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى موازنة الانخراط العسكري مع تجنب حرب واسعة النطاق.

وبينما يكرر ترامب تفضيله للدبلوماسية، فإن إشارته الصريحة إلى الاستعداد لكل الخيارات، بما فيها العسكرية، تعكس محاولة لإعادة تثبيت معادلة الردع، وطمأنة الحلفاء، والضغط على طهران في آن واحد.

داخليًا، يحمل الخطاب أيضًا بعدًا سياسيًا واضحًا، إذ يسعى ترامب إلى إظهار الحزم في مواجهة خصوم الولايات المتحدة، وتأكيد أن إدارته لن تتهاون في قضايا الأمن القومي. أما خارجيًا، فهو رسالة مزدوجة: دعوة إلى اتفاق بشروط صارمة، وتحذير من كلفة المواجهة إذا تعثرت الدبلوماسية.

وبين هذين المسارين، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت لغة التهديد ستدفع نحو تسوية جديدة، أم أنها ستؤسس لمرحلة أكثر توترًا في العلاقة بين واشنطن وطهران.

حالة الاتحاد

أعاد خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب تسليط الضوء على أهمية هذا التقليد الدستوري في الولايات المتحدة، بوصفه محطة سنوية لا تقتصر على استعراض منجزات الإدارة، بل تشكّل منصة لتحديد أولويات المرحلة المقبلة داخليًا وخارجيًا.

وتفاعل صحفيون وإعلاميون وناشطون على نطاق واسع مع الخطاب عبر وسوم مثل #ترامب و#خطاب_الاتحاد و#إيران، مشيرين إلى أن خطاب حالة الاتحاد يمثل فرصة للرئيس لعرض سياساته ومبادراته أمام الكونغرس والشعب الأميركي، فضلًا عن توجيه رسائل إستراتيجية إلى المجتمع الدولي. ولفتوا إلى أن مضامين الخطاب غالبًا ما تنعكس على توجهات الأسواق المالية، وعلى مناخ الاستثمار والاقتصاد العالمي، نظرًا لما يحمله من مؤشرات حول سياسات الأمن والطاقة والتجارة.

ويرى مراقبون أن أهمية الخطاب لا تنبع فقط من رمزيته السياسية، بل من كونه أداة لتكريس صورة القيادة الأميركية وإظهار تماسك مؤسسات الحكم، حتى في ظل الانقسامات الحزبية الحادة. ففي هذه المناسبة، يقدّم الرئيس روايته لأداء الدولة، ويحدد التهديدات التي يعدها أولوية، ويرسم الإطار العام لتحركاته المقبلة.

تهديد صريح

الشق المتعلق بإيران كان الأكثر إثارة للجدل في خطاب ترامب. فقد انقسم المحللون بين من رأى في حديثه محاولة لإظهار الحزم واستعادة قوة الردع الأميركية، وبين من عد تصريحاته تمهيدًا سياسيًا وإعلاميًا لاحتمال مواجهة عسكرية.

وتركز الجدل على وصفه إيران بأنها “أكبر راعٍ للإرهاب في العالم”، وعلى تحذيره من برامجها الصاروخية والنووية، وتأكيده أنه لن يسمح لها بامتلاك سلاح نووي.

فبينما رأى بعض المعلقين أن هذه اللغة تندرج ضمن سياسة الضغط القصوى لتحسين شروط التفاوض، ذهب آخرون إلى عدها مؤشرات تصعيد قد تفتح الباب أمام مواجهة مباشرة.

وتزامن الخطاب مع تصاعد الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط. فقد أفادت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية بهبوط 12 مقاتلة أميركية من طراز “إف-22” في إسرائيل، بالتوازي مع استمرار إبحار حاملة الطائرات “جيرالد فورد” في البحر المتوسط، واقترابها من المنطقة للانضمام إلى حاملة الطائرات “لينكولن”.

كما تحدثت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية عن وصول الطائرات إلى قاعدة جوية إسرائيلية ضمن الانتشار الأميركي الجاري.

وفي المقابل، حاولت طهران إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا. فقد أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن “الاتفاق بات في المتناول”، مشددًا على ضرورة إعطاء الأولوية للحل الدبلوماسي، في إشارة إلى جولة المفاوضات المرتقبة في جنيف.

ترامب يستعرض

وبعيدًا عن الملف الإيراني، ركز متابعون على استعراض ترامب لما عده إنجازات تحققت خلال العام الأول من ولايته الثانية، خاصة فيما يتعلق بالاقتصاد وتأمين الحدود وتشديد إجراءات الهجرة.

ورأى مؤيدوه أن الخطاب قدّم صورة عن “عودة العصر الذهبي لأميركا”، من خلال خفض معدلات التضخم وتعزيز الإنتاج المحلي وتشديد السياسات الأمنية. في المقابل، شكك منتقدون في دقة الأرقام والمعطيات التي أوردها، وعدوا الخطاب أقرب إلى عرض انتخابي منه إلى تقرير مؤسسي.

الخطاب الأطول

ومن أبرز ما أثار الانتباه أن خطاب ترامب استمر ساعة و48 دقيقة، ليصبح – بحسب متابعين – الأطول في تاريخ خطابات حالة الاتحاد، متجاوزًا الرقم القياسي الذي سجله الرئيس الأسبق بيل كلينتون عام 2000، وحتى رقمه الشخصي الذي حققه في مارس/آذار 2025.

وقد استُخدم طول الخطاب ذاته مادة للنقاش على منصات التواصل الاجتماعي، بين من رأى فيه دلالة على رغبة الرئيس في استعراض حصيلة واسعة من السياسات، ومن عده استعراضًا مطولًا لا يخلو من المبالغة.

تصفيق وانقسام

المشهد داخل قاعة الكونغرس عكس حالة الانقسام السياسي في البلاد. فقد بدا الجمهوريون في حالة تصفيق متكرر لكل مقطع تقريبًا، بينما جلس عدد كبير من الديمقراطيين دون تفاعل يُذكر، في مشهد عده مراقبون تجسيدًا حيًا للاستقطاب الحاد الذي يطبع الحياة السياسية الأميركية.

وسخر بعض المتابعين من “التصفيق المبالغ فيه”، في حين رأى آخرون أن احتجاجات نواب ديمقراطيين تعكس رفضًا عميقًا لنهج ترامب وسياساته، سواء في ملف إيران أو في قضايا الهجرة والاقتصاد.

 

انتقادات حادة

وشنّ معارضون هجومًا لاذعًا على الرئيس الأميركي، واصفين خطابه بأنه مليء بالتضليل والمبالغات، خاصة في ما يتعلق بالتهديد الإيراني. وانتقدوا تركيزه على التصعيد العسكري بدل الدفع الجاد نحو إحياء الاتفاق النووي، مقدرين أن خطابه يعكس نزعة مواجهة أكثر منه رغبة حقيقية في تسوية.

كما طالت الانتقادات مواقفه من قضايا الهجرة والمناخ والفقر، حيث رأى معارضوه أن الخطاب يعمّق الانقسام المجتمعي بدل أن يسعى إلى توحيد الصف الأميركي.

وبين خطاب يُقدَّم بصفته إعلان قوة وردع، وقراءة معارضة ترى فيه تصعيدًا غير محسوب، يبقى خطاب حالة الاتحاد محطة كاشفة لاتجاهات السياسة الأميركية في مرحلة دقيقة، تتقاطع فيها رهانات الداخل مع حسابات المواجهة أو التفاوض في الخارج.