مكاسب إسرائيل وخسائر إيران من إطاحة واشنطن بالرئيس الفنزويلي

عبرت إسرائيل عن ارتياح علني وسارعت للثناء على الخطوة وربطها بإيران
حمل العدوان الأميركي المفاجئ على فنزويلا، واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو مطلع يناير/كانون الثاني 2026، دلالات متناقضة في مواقف كل من إيران وإسرائيل.
ففي حين أبدت إسرائيل ارتياحًا علنيًا وسارعت إلى الترحيب بالخطوة وربطها مباشرة بإيران، شكّل هذا التطور ضربة قاسية لطهران التي خسرت أحد أبرز حلفائها الإستراتيجيين في أميركا اللاتينية.

مكاسب إسرائيل
لم تتأخر إسرائيل في إعلان ارتياحها العلني للعدوان الأميركي على فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، إذ سارع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تهنئة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على ما وصفه بـ«قيادته الجريئة والتاريخية دفاعًا عن الحرية والعدالة»، في تأكيد صريح على اصطفاف تل أبيب الكامل خلف منطق القوة الأميركية خارج أي تفويض دولي.
بدوره، وصف وزير الخارجية جدعون ساعر إزاحة مادورو بأنها تخلُّصٌ من «ديكتاتور يقود شبكة مخدرات وإرهاب»، معربًا عن أمله في «فجر جديد» للعلاقات بين إسرائيل وفنزويلا، في خطاب يعكس سعي تل أبيب لإعادة تطويع أميركا اللاتينية ضمن معسكرها السياسي.
أما وزير الشتات عميحاي شيكلي، فذهب أبعد من ذلك، عادا اعتقال مادورو ضربة مباشرة لـ«محور الشر العالمي»، ورسالة موجهة صراحة إلى المرشد الإيراني علي خامنئي، زاعمًا أن النظام الفنزويلي لم يكن «دولة»، بل «إمبراطورية جريمة موّلت حزب الله وإيران».
وفي السياق نفسه، لوّح زعيم المعارضة يائير لابيد بأن «ما جرى في فنزويلا يجب أن يُقرأ جيدًا في طهران»، في إيحاء واضح بأن السيناريو نفسه قد يُعاد إنتاجه ضد إيران.
ولم تقتصر الترحيبات على المستوى الرسمي، إذ رأت أوساط إعلامية عبرية في العملية الأميركية تكريسًا لنموذج «الردع الصلب» خارج الأطر القانونية الدولية، وهو نموذج ينسجم بالكامل مع العقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على الضربات الاستباقية وفرض الوقائع بالقوة.
الكاتب العسكري رون بن يشاي، في صحيفة يديعوت أحرونوت، رأى أن ما جرى منح «قوة الردع الأميركية دفعة هائلة»، تنعكس مباشرة على إسرائيل بوصفها «الحليف الأقرب» لواشنطن، مؤكداً أن الرسالة الأساسية موجّهة إلى إيران كي تدرك أن تهديدات ترامب ليست للاستهلاك السياسي، بل قابلة للتنفيذ العسكري.
وأضاف أن طهران باتت أمام خيارين: التراجع عن تعنتها النووي، أو مواجهة ضربة أميركية مباشرة أو مشتركة مع إسرائيل، وهو ما دفع أصواتًا إسرائيلية للتعبير علنًا عن أملها بأن تكون إيران «المحطة التالية»، خاصة مع تزامن التطورات مع زيارة نتنياهو إلى واشنطن.
وفي السياق ذاته، ذكرت صحيفة إسرائيل هيوم أن دوائر صنع القرار في تل أبيب تابعت الهجوم على فنزويلا بوصفه نموذجًا ردعيًا يمكن إسقاطه على الساحة الإيرانية وعلى حلفاء طهران، وفي مقدمتهم حزب الله.
كما رأت وسائل إعلام عبرية أن لجوء واشنطن إلى القوة الخشنة خارج المظلة الدولية يصب مباشرة في مصلحة إسرائيل، لأنه يمنحها ضوءًا أخضر ضمنيًا لتوسيع هامش تحركاتها العسكرية دون خشية جدية من الملاحقات القانونية أو الضغوط الدبلوماسية.
ويعزز هذا الارتياح الإسرائيلي التخلص من نظام فنزويلي لطالما عُدّ معاديًا لها، إذ قطعت كاراكاس العلاقات مع تل أبيب منذ عام 2009 تضامنًا مع الفلسطينيين في عهد هوغو شافيز، واستمر هذا النهج خلال حكم مادورو الذي لم يتردد في مهاجمة إسرائيل داخل المحافل الدولية واستضافة وفود فلسطينية.

خسائر إيران
في المقابل، أدانت وزارة الخارجية الإيرانية بشدة ما وصفته بـ«العدوان الأميركي» على فنزويلا، عادة إياه انتهاكًا صارخًا لسيادتها، ومؤكدة أن التدخل العسكري الأميركي مرفوض ومدان، ويشكل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية.
وشددت طهران على أن فنزويلا حليف إستراتيجي طويل الأمد، عانت مثلها من العقوبات الأميركية، عادّة تهديدات الرئيس دونالد ترامب لإيران «تحريضًا على الإرهاب» واستمرارًا لسياسة الضغط الأقصى.
وبالنسبة لإيران، مثّل اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو ضربة إستراتيجية قاسية، كونه أسقط آخر معاقل نفوذها في نصف الكرة الغربي. فعلى مدى عقدين، نسجت طهران وكاراكاس شراكة وثيقة قامت على مواجهة الهيمنة الأميركية وكسر منظومة العقوبات الغربية.
وتعاون البلدان في قطاعات حيوية، أبرزها الطاقة؛ حيث زوّدت إيران فنزويلا بالوقود والخبرات التقنية لإعادة تشغيل منشآتها النفطية، إلى جانب تنفيذ مشاريع مشتركة في الإسكان والصناعة، واعتماد آليات مقايضة تجارية للالتفاف على العقوبات، شملت تبادل النفط بالذهب والسلع.
كما شكّلت فنزويلا منصة دبلوماسية ولوجستية لطهران في «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة، إذ تبنت كاراكاس خطابًا سياسيًا متطابقًا مع إيران في المحافل الدولية، ووفّرت لها موطئ قدم لمناكفة واشنطن من داخل أميركا اللاتينية.
وفي هذا السياق، رأت صحيفة تايمز أوف إسرائيل أن انهيار نظام مادورو يمثّل «اقتلاعًا لقدم إيران من العالم الجديد». ونقلت عن الباحث في الجامعة العبرية دانيال واينر أن هذا التطور يعزز الانطباع بتآكل النفوذ العالمي لمحور إيران–حزب الله، بعد سلسلة نكسات إقليمية متراكمة.
وبغياب مادورو، تخسر طهران أيضًا دعمًا رمزيًا وسياسيًا في مواجهة «مبدأ مونرو» الأميركي، الذي يعدّ أميركا اللاتينية مجال نفوذ حصريًا لواشنطن، وهو ما كانت فنزويلا تشكّل تحديًا صريحًا له.
وتتجاوز الخسائر البعد السياسي إلى الجانب الاقتصادي، إذ تشير تقارير، بينها موقع إيران إنترناشونال، إلى أن طهران استثمرت نحو ملياري دولار في مشاريع تنموية داخل فنزويلا على مدار سنوات الشراكة.
وشملت هذه الاستثمارات مصانع لتجميع السيارات أُطلقت عام 2007، وبرامج إسكان تجاوزت 23 ألف وحدة سكنية، فضلًا عن تأسيس مصارف مشتركة وتعاون نفطي ولوجستي، في إطار مساعٍ إيرانية لدعم كاراكاس وتقليص عزلتها الاقتصادية.
وفي ظل العقوبات، تحولت فنزويلا إلى «مختبر اقتصادي» لطهران لاختبار آليات الالتفاف على الحصار الغربي، عبر شبكات تبادل غير تقليدية، استُخدمت أيضًا –بحسب تقارير غربية– لتمويل أنشطة إيران الإقليمية.
كما أشار الموقع إلى أن ديونًا فنزويلية مستحقة لإيران، تُقدَّر بنحو ملياري دولار، باتت مهددة بالضياع، في ظل الغموض السياسي، ما يفاقم الخسائر الاقتصادية، ويقطع أحد شرايين الإمداد غير التقليدية لطهران.
وإلى جانب الخسائر السياسية والمالية، تلقت إيران ضربة استخباراتية مؤلمة، إذ كانت فنزويلا تُعد قاعدة متقدمة لنشاطها الأمني في نصف الكرة الغربي، وفق ما أوردته تايمز أوف إسرائيل.
وادّعت الصحيفة أن أجهزة إيرانية، بالتعاون مع حزب الله، استخدمت الأراضي الفنزويلية لرصد التحركات الأميركية والإسرائيلية، مستفيدة من وجود جالية لبنانية واسعة موالية للحزب، إضافة إلى رحلات طيران مباشرة وشركات واجهة وفّرها نظام مادورو.
كما زعمت أن هذه الشبكات لعبت دورًا في تسهيل أنشطة تهريب المخدرات والسلاح، التي شكّلت أحد مصادر تمويل حزب الله، وهو ما يجعل سقوط النظام الفنزويلي خسارة مزدوجة لطهران، سياسية واستخباراتية في آن واحد.

الهدف التالي
وهكذا، بينما تحتفل إسرائيل بما تعدّه نصرًا دبلوماسيًا وأمنيًا مباغتًا، تجد إيران نفسها أمام لحظة مفصلية، مضطرة لإعادة تقييم انخراطها الخارجي وترميم خسائرها المتراكمة، في سباق مع الزمن، قبل أن تواجه هي الأخرى «سيناريو فنزويلا» على أرضها.
ففي أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، أعقب لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فلوريدا، تصريح لافت لترامب أكد فيه انفتاحه على دعم «هجوم إسرائيلي خاطف» جديد ضد إيران، في حال واصلت تطوير برنامجيها النووي والصاروخي.
وقال ترامب حينها: «آمل ألا يحاولوا إعادة بناء قدراتهم، لأنه إذا فعلوا، فلن يكون أمامنا خيار سوى القضاء على تلك المحاولة بسرعة كبيرة جدًا».
وبعد أيام قليلة من العدوان الأميركي على فنزويلا، صعّد ترامب من لهجته تجاه طهران، محذرًا من أنها ستتعرّض لـ«ضربة أميركية قوية جدًا» إذا استمر سقوط قتلى خلال الاحتجاجات الشعبية المتواصلة منذ أكثر من أسبوعين، على خلفية التدهور الحاد في الأوضاع المعيشية.
وأكد موقع المونيتور الأميركي أن إيران خسرت بسقوط مادورو صوتًا حليفًا طالما تحدّى واشنطن في ساحتها الخلفية، ووفّر لطهران دعمًا سياسيًا في الأمم المتحدة والمحافل الدولية.
ونقل الموقع عن مسؤولين ومصادر مطلعة أن مساعي طهران لقمع موجة الاحتجاجات المناهضة للحكومة باتت أكثر تعقيدًا، في ظل تهديدات ترامب العلنية بالتدخل، وهي تهديدات اكتسبت مصداقية إضافية بعد إقدام واشنطن على اعتقال مادورو.
كما أشار إلى أن مسؤولين إيرانيين عبّروا عن خشيتهم من أن تكون بلادهم «الهدف التالي» لنهج ترامب الهجومي، مع تصاعد القلق من تكرار سيناريو الهجوم العسكري الذي شهدته إيران في يونيو/حزيران الماضي.
وقد تقلص هامش المناورة أمام طهران بفعل تلاقي عاملين ضاغطين: تهديدات ترامب المتصاعدة، والأزمة الاقتصادية المزمنة التي تفاقمت بعد الغارات الإسرائيلية والأميركية على مواقع داخل الجمهورية الإسلامية في يونيو/حزيران 2025، في حرب استمرت 12 يومًا وأسفرت عن تدمير منشآت نووية حساسة.
وقال مسؤول إيراني لوكالة رويترز البريطانية: «هذان الضغطان المتزامنان ضيّقا خيارات القيادة إلى حد كبير، وتركا النظام عالقًا بين غضب شعبي متصاعد في الشوارع، وتصعيد غير مسبوق في التهديدات الأميركية، مع مخاطر جسيمة في كل مسار محتمل».
وفي موازاة ذلك، واصل الاقتصاد الإيراني تراجعه الحاد تحت وطأة العقوبات الأميركية طويلة الأمد، في وقت شهد فيه الريال الإيراني انهيارًا إضافيًا منذ الضربات الأخيرة على المواقع النووية، ما عمّق السخط الشعبي ووسّع رقعة الاحتجاجات.
وباتت هذه الاضطرابات تمسّ أولوية المرشد الأعلى علي خامنئي الأشد رسوخًا منذ عقود: الحفاظ على بقاء الجمهورية الإسلامية مهما كان الثمن.
وفي مؤشر واضح على قلق القيادة، اتهم خامنئي «أعداء الجمهورية الإسلامية» بتأجيج الاحتجاجات، محذرًا من أن «مثيري الشغب يجب أن يوضعوا عند حدهم»، في خطاب عكس إدراكًا متزايدًا بأن الضغوط الخارجية والداخلية باتت تتقاطع عند لحظة واحدة حرجة.
المصادر
- רוסיה, סין, איראן, ישראל: "הטרף הקל" של טראמפ בחצר האחורית - וההשלכות בעולם
- Lapid, Chikli: US arrest of Maduro a message to Iranian regime
- Iran's leaders struggle to end protests, US action in Venezuela stokes fears
- With Venezuela raid, Trump fires a message to Iran and Hamas. Will they listen?
- Iran's leaders struggle to end protests, US action in Venezuela stokes fears
- What the fall of Maduro means for Venezuela's vast debt to Iran















