وسط توتر علاقتها مع الهند.. كيف يصب فراغ السلطة في بنغلاديش بمصلحة الصين؟

منذ ٣ أشهر

12

طباعة

مشاركة

 تصاعدت التوترات بين الهند وبنغلاديش مجددا في بداية ديسمبر/كانون الأول 2024، عقب تعرض سفارة دكا في مدينة أغارتالا بولاية تريبورا الهندية لهجوم من منظمة "سانغارش ساميتي الهندوسية" على خلفية مزاعم بسوء معاملة الهندوس داخل الأراضي البنغالية.

يأتي ذلك بعد اعتقال الشرطة في بنغلاديش، في 25 نوفمبر/تشرين الثاني، تشينموي كريشنا داس، وهو زعيم بارز لإحدى الأقليات الدينية الهندوسية في أعقاب سلسلة من التظاهرات الاحتجاجية ضد مزاعم هجمات تعرضت لها الأقليات الهندوسية.

ويرى "مركز الدراسات الجيوسياسية" الإيطالي أن التوترات الأخيرة تهدد بزعزعة استقرار الحكومة المؤقتة في بنغلاديش "والتي تبدو غير قادرة على مجابهة موجة العنف الطائفي والسخط الاجتماعي المتزايد". 

وقال  إن مناخ "عدم الاستقرار قد يفتح مجالاً لتدخل الجهات الفاعلة الخارجية، وخاصة الصين التي يمكنها أن تستغل الفرصة لتحدي الهيمنة الجيوسياسية الهندية في المنطقة وتعزيز نفوذها على بنغلاديش".

لا سيما أنها دولة ذات أهمية إستراتيجية سواء من ناحية إطلالها على خليج البنغال أو في إطار منطقة المحيط الهادئ الهندية بالكامل، وفق تعبيره.

وكانت السلطات الهندية قد صرحت أنها تتابع بقلق شديد اعتقال تشينموي كريشنا داس ورفض الإفراج عنه بكفالة.

العلاقات الهندية البنغالية

واستقلت دكا في عام 1972 بعد حرب التحرير البنغلاديشية التي استمرت تسعة أشهر ودارت بين باكستان الشرقية (بنغلاديش حاليا) والهند ضد باكستان الغربية (باكستان حاليا).

وقد ترأس أول حكومة للبلاد الأب المؤسس وحليف الهند الشيخ مجيب الرحمن، المعروف باسم "بانغاباندو" أو "صديق البنغال".

وقد أدت عملية اغتياله عام 1975 إلى دخول البلاد في فترة من عدم الاستقرار وتوترات شديدة على المستوى الداخلي وفي العلاقات مع نيودلهي التي تراوحت بين فترات تباعد وتقارب.

وذكر المركز الإيطالي أن وصول ابنته الشيخة حسينة إلى السلطة عام 2009، دشن مرحلة جديدة من التعاون لا سيما أنها كانت حليفة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

إلا أن "التحالف القوي بين البلدين انهار بعد أن أجبرت احتجاجات في أغسطس/آب 2024، الشيخة حسينة على الاستقالة من منصبها والفرار إلى الهند، في حين اقتحم متظاهرون مقرها الرئيس في دكا".

وفي الأشهر التي تلت تشكيل حكومة مؤقتة في 8 أغسطس برئاسة محمد يونس الحائز على جائزة نوبل للسلام، تصاعدت التوترات الطائفية وتحولت الى أعمال عنف في الأسبوع الأول من ديسمبر 2024 وهو ما أدى إلى توتر العلاقات بين البلدين. 

ويزعم السياسيون الهنود والمتطرفون الهندوس تعرض الأقليات الهندوسية في بنغلاديش، التي تمثل حوالي 8 بالمئة من السكان البالغ عددهم 170 مليون نسمة، إلى الاضطهاد.

فيما يلاحظ مركز الدراسات الإيطالي بأن هذه “التوترات الداخلية التي تتعلق جذورها بمسائل دينية وسياسية، تعكس مشكل أوسع نطاقا”.

ويتعلق الأمر باحتمال حدوث قطع للعلاقات السياسية بين الهند وبنغلاديش، ما يفتح المجال أمام جهات فاعلة خارجية، وخاصة الصين، لزيادة نفوذها.

العامل الصيني

بحسب المركز الإيطالي، أتاحت المشاعر المتنامية المعادية للهند في بنغلاديش للصين الفرصة لتعزيز مكانتها في البلاد من خلال استثمارات ضخمة في الاقتصاد والبنية التحتية. 

وفي عام 2016، تعهدت بكين خلال زيارة دولة للرئيس شي جين بينغ، باستثمار مبلغ 40 مليار دولار في بنغلاديش لصالح مشاريع في القطاعات الرئيسة مثل الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والتعليم والدفاع. 

ونوه المركز إلى أن قربها من الهند خاصة إطلالها على خليج البنغال يجعل من بنغلاديش دولة إستراتيجية في المنطقة التي تربط شبه القارة الهندية بجنوب قارة آسيا.

كما عد الوصول إلى المحيط الهندي أمرا أساسيا بالنسبة لبكين كما أنه يجعل من بنغلاديش نقطة مركزية ضمن سلسلة اللآلئ، أي الإستراتيجية العسكرية والتجارية الصينية التي تنتهجها بكين على طول خطوط تجارتها البحرية. 

وتتلخص الإستراتيجية في محاولة الصين توسيع سيطرتها على الموانئ والقواعد البحرية في المحيط الهندي، من مضيق ملقا الآسيوي إلى القرن الإفريقي بهدف تطويق الهند.

ومن بين الموانئ الحيوية للإستراتيجية الصينية، بالإضافة إلى جوادار في باكستان وهامبانتوتا في سريلانكا، ذكر المركز ميناء شيتاغونغ في بنغلاديش الذي تسعى إلى تحويله لمركز إستراتيجي يربط خليج البنغال بطرق التجارة العالمية عن طريق البحر. 

ووصف الوصول إلى البحر بالأمر الأساسي لمبادرة الحزام والطريق الصينية التي تمثل بنغلاديش دولة رئيسة في إطارها ووجهة لتمويلات ضخمة.

ومن بين البنى التحتية الرئيسة التي تمولها الصين في البلاد جسر بادما ونفق كارنافولي وهي مشاريع تزيد النفوذ الصيني على حساب الهند، وفق مركز الدراسات الإيطالي.

تهديد لمصالح الهند

وأوضح المركز أن الإستراتيجية الصينية تشكل تهديدا لمصالح الهند الأمنية والاقتصادية والسياسية.

لا سيما أن التنافس مفتوح بين البلدين على الرغم من الاتفاقيات الأخيرة لحل النزاع الحدودي في منطقة الهيمالايا خلال قمة بريكس السادسة عشرة في أكتوبر/تشرين الأول 2024.

وقد يؤدي النفوذ الصيني المتنامي في دكا إلى تهديد هيمنة نيودلهي، التي قد تجد نفسها "محاصرة" فيما تعده مجال نفوذها الطبيعي.

ويستنتج المركز الإيطالي أن التوترات الحالية بين الهند وبنغلاديش، والتي تفاقمت بسبب المزاعم الهندية وفراغ السلطة الناجم عن سقوط حكومة الشيخة حسينة، تشكل علامة ضعف بالنسبة لنيودلهي في منطقتها. 

وقال إن "الصين بمقدورها استغلال هذه الأزمة لتوسيع نفوذها الاقتصادي والإستراتيجي في بنغلاديش باتباع إستراتيجية طويلة المدى ما قد يفتح الباب على سيناريوهات جيوسياسية جديدة".

وأكد أن هذا الفراغ في السلطة والنفوذ من شأنهما أن يوفرا للصين فرصا لإيجاد مساحة لتأكيد مصالحها الاقتصادية في المنطقة باستغلال منفذ إستراتيجي مهم على المحيط الهندي.

إلا أنه لفت إلى أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى "تصعيد في التنافس بين بكين ونيودلهي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وبذلك تكون الهند أمام تحد حاسم للحفاظ على تفوقها الإقليمي".