غضب شيعي وصمت حكومي.. لماذا أربكت تصريحات الرياض العلاقة مع بغداد؟

انتقد ابن فرحان الدور الإيراني في المنطقة
أثارت تصريحات وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان بشأن الحشد الشعبي العراقي موجة غضب واسعة داخل الأوساط السياسية الشيعية، امتدت إلى المؤسسة نفسها المرتبطة برئاسة الحكومة، والتي سارعت إلى إصدار بيان شديد اللهجة هاجمت فيه الوزير، مستخدمة أوصافًا وصفت بـ"المسيئة".
وفي المقابل، التزمت الحكومة العراقية الصمت إزاء تلك التصريحات، رغم تصاعد مطالبات قوى سياسية باستدعاء السفير السعودي في بغداد، كما لم يصدر عن الرياض أي رد رسمي على الهجوم الذي نال وزير خارجيتها، سواء عبر بيان توضيحي أو خطوة دبلوماسية مماثلة تجاه السفير العراقي لدى المملكة.
أداة إيرانية
تفجرت الأزمة خلال تصريحات ابن فرحان للصحفيين عقب اجتماع وزراء خارجية الدول العربية والإسلامية بالعاصمة الرياض في 19 مارس/ آذار 2026، وذلك بعد نحو 20 يوما من اندلاع الحرب في منطقة الشرق الأوسط بهجوم شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
وانتقد ابن فرحان الدور الإيراني في المنطقة، متهما طهران بدعم مليشيات مسلحة في عدد من الدول، من بينها الحوثيون في اليمن، وفصائل الحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان، مقدرا أن هذه السياسات لا تمثل دعما حقيقيا لقضايا العالم الإسلامي، بل تخدم مصالحها الخاصة.
وقال الوزير السعودي: إن إيران دعمت النظام السابق بسوريا في ارتكاب انتهاكات، فضلا عن تورطها في اغتيال شخصيات سياسية في لبنان، وتمكين فصائل مسلحة من التأثير على القرار السياسي في العراق، متسائلا عن طبيعة إسهاماتها الفعلية في قضايا العالم الإسلامي.
وأعلن ابن فرحان أن المملكة تحتفظ بحق الرد، بما في ذلك الخيار العسكري، في حال استدعت الظروف ذلك، وذلك عقب الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي استهدفت قواعد ومصالح أميركية في الرياض.
وفي المقابل، ردت هيئة الحشد الشعبي، على تصريحات الوزير السعودي، بالقول: "أطلّ علينا شيء يشبه القندس، ويعتقد أنه إنسان لأنه يرتدي ثوبا وعقالا، يدلي بتصريحات عن واقع لا يعرفه إلا من خلال تقارير مُعلّبة تُكتب له بعناية في مكاتب مكيفة بعيدة كل البعد عن حرارة الميدان".
وانتقدت الهيئة خلال بيان لها في 19 مارس قبل أن تحذفه من مواقعها، ما صدر عن فيصل بن فرحان من توصيفات للحشد الشعبي، معربة عن دهشتها البالغة من "هذا المستوى من التحليل الذي يبدو أنه كُتب على عجل دون عناء مراجعة بسيطة للتاريخ أو الواقع".
وأشارت الهيئة إلى أن "الحشد الشعبي الذي يصفه معاليه بأنه نتاج إيراني، هو في الحقيقة نتاج لحظة عراقية خالصة، وُلدت حين كانت بعض العواصم منشغلة بإعداد بيانات القلق، بينما كان العراقيون يدفنون شهداءهم، وأن من المفارقات الطريفة أن يأتي هذا التشخيص من جهة لم تُعرف يوماً بدعمها لاستقرار العراق بقدر ما عُرفت بإتقانها لفنّ التصريحات المرتبكة".
كما ردت الهيئة على حديث الوزير السعودي عن "الأضرار التي لحقت بالعراقيين"، مبيّنة أنه "حديث يستحق أن يُدرّس ضمن مادة الخيال السياسي؛ إذ يتجاهل - بمهارة لافتة - من الذي وقف فعلاً في وجه الإرهاب، ومن الذي اكتفى بمراقبة المشهد من خلف الزجاج العازل".
وفي ختام بيانها، دعت الهيئة، وزير الخارجية السعودي، إلى الاطلاع بشكل أعمق على الواقع العراقي، مؤكدة أن العراق "لا يمكن اختزاله بجملة مرتبكة".

صمت رسمي
على الصعيد ذاته، انتقد المحلل السياسي العراقي القريب من الحشد الشعبي، صباح العكيلي، عدم وجود رد حكومي ونيابي حازم تجاه ما وصفه بـ"تطاول" وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان على مؤسسة الحشد الشعبي، مقدرا أن هذا الصمت لا يتناسب مع حجم الإساءة لمؤسسة أمنية رسمية.
ونقلت وكالة "المعلومة" العراقية التابعة لمليشيا "كتائب حزب الله" عن العكيلي في 20 مارس، قوله: "الحكومة ووزارة الخارجية والبرلمان مطالبون بموقف صريح تجاه تصريحات الوزير السعودي التي تناست دور الحشد الشعبي في إزالة أكبر خطر إرهابي هدد المنطقة بكاملها، بما فيها السعودية".
وأشار إلى أن "هذه التصريحات التي وصفت الحشد بأوصاف غير مقبولة تتناغم بوضوح مع السياسة الأميركية - الصهيونية المعادية للعراق"، لافتا إلى أن "الرياض التي تهاجم الحشد اليوم، لم تحرك ساكنا لإدانة العدوان الغاشم على لبنان وفلسطين والمجازر المستمرة بحق المدنيين هناك".
وبحسب العكيلي، فإن "محاولات النيل من الحشد الشعبي تهدف إلى إضعاف المؤسسة العسكرية العراقية وتجريدها من عناصر قوتها الوطنية"، داعيا الجهات الرسمية إلى "الخروج عن صمتها وحماية سيادة العراق من التدخلات الخارجية".
وفي السياق، شنت البرلمانية العراقية علا عودة الناشي عن كتلة "خدمات" برئاسة زعيم مليشيا "كتائب الإمام علي" شبل الزيدي، هجوما عنيفا على وزير الخارجية السعودي، واصفة إياه بأنه أحد "لاعقي حذاء ترامب" الذي يحرض على "أولادنا في الحشد الشعبي المقدس".
وطالبت الناشي عبر تدوينة نشرتها على "فيسبوك" في 19 مارس، الحكومة وبشكل عاجل باستدعاء السفير السعودي وتقديم مذكرة احتجاج رسمية على تصريح وزير خارجيتهم الذي وصفته بـ"الزنيم"، وإصدار موقف حكومي واضح تجاه هذا التجاوز الصريح على مؤسسة أمنية عراقية خاضعة للقانون وسلطة الدولة، ولن نسمح لأي كان بالتطاول عليها.
وفي خطوة فسرها البعض بأنها رد غير مباشر على الوزير السعودي، زار رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، مقر هيئة الحشد الشعبي، في 19 مارس، مشيدا بـ"دوره وتضحياته التي أسهمت بحماية العراق وتعزيز سيادته". مؤكدا "دعمه الكامل لهذه القوة الأساسية ضمن قواتنا الأمنية".
وقال السوداني في بيان: إن "اتهام الحشد الشعبي، بالقيام بأعمال خارج إطار الدولة والقانون هو اتهام ينمّ إما عن جهل أو يمثل تضليلاً مقصودا، له أهدافه". مشيرا إلى أنه "الحشد الشعبي، يمثل اليوم قوة أساسية تعمل تحت سقف الدستور والقانون، وتلتزم بالأوامر العليا الصادرة عن الجهات الرسمية".
ردع عسكري
وبخصوص مدى انعكاس المناوشات الإعلامية على العلاقة بين العراق والسعودية، قال الباحث في الشأن العراقي، حامد العبيدي، إنه "لن يحصل أكثر من هذا التوتر، وستقف المشكلة عند تبادل الاتهامات بين الحشد الشعبي ووزير الخارجية السعودي، لهذا لم نشاهد أي تدخل رسمي عراقي للرد".
وأضاف العبيدي لـ"الاستقلال" أن "الحكومة العراقية غير قادرة على حماية مؤسساتها الحيوية والأمنية، فقد جرى استهداف مقر جهاز المخابرات من إحدى المليشيات، بالتالي فإنها تعرضت خلال المرحلة الأخيرة إلى سحق لشخصيتها وكيانها الرسمي بشكل فضيع".
ولفت الباحث إلى أنه "حتى احتمالية هجوم قد تشنه الفصائل المسلحة المنضوية ضمن الحشد الشعبي على السعودية قد تكون ممكنة وإن كان العراق يدفع ثمنها، خصوصا في ظل حديث عن أن المملكة قد وجهت ضربات لتشكيلات الحشد وسط تكتم إعلامي، وذلك ردا على هجمات سابقة".
وكشف النائب السابق السياسي العراقي المعارض، فائق الشيخ علي، أن المليشيات المحسوبة على الحشد الشعبي مسؤولة عن الكثير من الصواريخ والمسيرات التي ترسل إلى دول الجوار، وهم من قصفوا الكويت والسعودية أيضا.
وقال فائق الشيخ علي خلال مقابلة بودكاست نشرت في 22 مارس: إن "من أسرار الدولة العراقية- والتي ربما يكشفها عنها لأول مرة- أن السعودية ردت على هؤلاء (المليشيات) ردا عسكريا عنيفا، بالتالي تأدبوا، وتحديدا من كانوا بمحاذات الحدود السعودية- العراقية".
وأضاف السياسي العراقي، أنه "عندما اعتدوا مرتين أو ثلاث عل السعودية، فإن الأخيرة ردت ردا قويا، حينها تأدبوا ولم يطلقوا شيئا ضد المملكة، لكنهم مستمرين بإطلاق الكثير من الصواريخ والمسيرات ضد الكويت ودول أخرى أيضا، وهذه تقوم بها المليشيات المنفلتة".
لم يكن الدور السعودي حاضرا في مرحلة إعادة تشكيل النظام السياسي بالعراق بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، فعلى الرغم من ترحيبها بالإطاحة بنظام صدام حسين، إلا أنها لم تستأنف علاقاتها مع بغداد، التي قطعت على خلفية اجتياح الكويت عام 1990.
مع وصول الملك سلمان لقيادة السعودية في عام 2015، ومغادرة نوري المالكي للسلطة في العراق الذي حكم لولايتين (2006 إلى 2014) وكانت تتهمه الرياض بانتهاج سياسية طائفية، بدأت صفحة جديدة من العلاقة بين البلدين، رحّبت بها القوى السنية العراقية.
وفي الطرف الآخر، فإنه من أسباب الانفتاح بين البلدين، وصول حيدر العبادي لرئاسة الحكومة العراقية عام 2014، فقد دعا في نهاية ديسمبر/ كانون الأول من العام ذاته، إلى تطوير علاقات البلدين للتعجيل بهزيمة تنظيم الدولة الذي اجتاح العراق وسيطر على ثلث مساحته.
وبعد انقطاع دام أكثر من 25 عاما، أعلن في مطلع ديسمبر/ كانون الأول 2015، عن افتتاح السفارة السعودية في العاصمة العراقية بغداد وسط انتقادات من أحزاب شيعية وترحيب الأطراف السنية.
وعينت السعودية، ثامر السبهان سفيرا لها في بغداد، لكن بعد نحو عام طالبت الخارجية العراقية في 7 أغسطس/آب 2016، من المملكة سحب سفيرها من بغداد بعدما اتهمته بالتدخل بالشؤون الداخلية.
وفي 14 أكتوبر/تشرين الأول 2016، أرسلت السعودية عبد العزيز الشمري سفيرا جديدا لها في بغداد لايزال يحتفظ بمنصبه حتى الآن، وهو ضابط عسكري يحمل رتبة عميد وكان يشغل منصب الملحق العسكري بسفارة الرياض في ألمانيا.
ولم يقتصر الانفتاح السعودي على الجانب الحكومي، وإنما بدأت بالتواصل مع شخصيات شيعية فاعلة في العراق، ومنها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي زار المملكة عام 2017، والتقى بولي العهد محمد بن سلمان.
المصادر
- رئيس الوزراء يشيد بدور الحشد الشعبي وتضحياته التي أسهمت بحماية العراق وتعزيز سيادته
- الحشد الشعبي يرد على ابن فرحان: قندس مرعوب
- السعودية: ميليشيات الحشد في العراق تخدم أجندة إيران.. والخيار العسكري مطروح
- سياسي ينتقد "صمت" الحكومة والبرلمان تجاه تطاول الرياض على الحشد الشعبي
- هكذا خسرت السعودية سُنة العراق وسلّمت البلد لإيران


















