كيف حوّلت إسرائيل القضاء العسكري إلى مظلة لقتل الفلسطينيين؟

خالد كريزم | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في 12 مارس/آذار 2026، ألغى المدعي العسكري العام الإسرائيلي إيتاي أوفير لائحة اتهام ضد خمسة جنود احتياط اتُهموا بتعذيب واغتصاب معتقل فلسطيني في مركز احتجاز "سدي تيمان" بعد عام من الكشف عن الحادثة.

هذه القضية التي حازت اهتمامًا إسرائيليًا ودوليًا، ليست حادثة شاذة، بل تعكس مسارًا صارخًا داخل النظام القضائي العسكري الإسرائيلي، حيث تُدار التحقيقات بشكل داخلي وبطيء وتنتهي عادةً بتبرئة الجنود أو إقرار عقوبات رمزية. 

فهل يفشل النظام القضائي الإسرائيلي في المحاسبة بسبب ضعف هيكلي، أم أنه مصمم أصلًا لإنتاج حصانة منهجية للجنود عندما تكون الضحية فلسطينية.

نمط متكرر

في يوليو/تموز 2024 التقطت كاميرات مراقبة داخل معتقل "سدي تيمان"  جنوب الأراضي المحتلة مشاهد لخمسة جنود احتياط يجرون معتقلًا فلسطينيًا إلى زاوية القاعة ويقومون، تحت ستار أفراد يحملون دروعًا، بالاعتداء عليه واغتصابه بجسم حاد أدى إلى إصابته بتمزقات داخلية واضطر لإجراء جراحة طارئة.

وأعلنت النيابة العسكرية في فبراير/شباط 2025 تقديم لائحة اتهام ضد الجنود بتهم "العنف الشديد" و"الطعن في المؤخرة بجسم حاد"، قبل أن يسقط المدعي العام الجديد اللائحة بدعوى "صعوبات إجرائية" نتيجة عدم استكمال نقل المعلومات وعودة الأسير إلى غزة، ما يجعله غير قادر على الشهادة.

وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس وصف المحاكمة بأنها "ولدت بالخطيئة"، وأشاد بإلغاء التهم قائلاً إن دور النظام القانوني العسكري هو "حماية الجنود الذين يقاتلون الوحوش" وليس حماية حقوق معتقلين فلسطينيين، وفق تعبيره.

فيما أكد وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش أن القرار يُظهر أن المدعي العسكري الجديد هو "الرجل المناسب". وتكشف هذه التصريحات أن أعضاء حكومة بنيامين نتنياهو ينظرون إلى النيابة العسكرية بوصفها "درعًا" للجنود لا أداة للعدالة.

وانتقدت منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية القرار بشدة، ووصف مركز الدفاع عن الأسرى الفلسطينيين إغلاق الملف بأنه "محاولة صريحة للتغطية على التعذيب والاعتداء الجنسي"، محذراً من أنه يخلق سابقة خطيرة للتستر على هذه الجرائم.

لم تكن هذه الحالة شاذة من نوعها، ففي يناير/كانون الثاني 2022 اعتقلت قوة إسرائيلية المسن الفلسطيني–الأميركي عمر أسعد (78 عامًا) في قرية جلجليا (قضاء رام الله)، وقيدته وتركته في العراء مكبل اليدين حتى وُجد ميتًا بعد ساعات. 

خلصت النيابة العسكرية إلى عدم وجود رابط سببي بين هذا الاعتداء ووفاته، وقررت عدم توجيه اتهامات، مكتفية بفصل ضابطين وتأنيب قائد الكتيبة. 

وبعد قتل المسن، ذكرت منظمة ييش دين الحقوقية الإسرائيلية أن الجيش تلقى 1,260 شكوى ضد جنوده خلال 2017–2021، منها 248 تحقيقًا فقط، و11 لائحة اتهام، أي فرصة 0.87 بالمئة للوصول إلى محاكمة. وحتى من بين هذه القضايا القليلة، كانت الأحكام متساهلة بشكل ملحوظ.

ففي حال المحاكمة، تفرض عقوبات مخففة فقط، وذلك مثلما جرى مع حادثة قتل أحد الجنود في مارس 2019 للفلسطينيين علاء غياضة وأحمد مناصرة على جانب طريق قرب بيت لحم، ظنًا منه أنهما يرشقان الحجارة واتضح لاحقًا أنهما كانا يساعدان مصابًا.

واستشهد مناصرة وقتها فيما أصيب غياضة بشدة، وانتهى الأمر وقتها بموافقة محكمة عسكرية في ديسمبر/كانون الأول 2020 على صفقة تقضي بحبس الجندي ثلاثة أشهر في خدمة مجتمعية غير مدفوعة مع وقف التنفيذ وخفض رتبته إلى جندي عادي، وفق صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”. 

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2019 اعترف قناص من لواء "جفعاتي" بفتح النار دون أوامر خلال مسيرات "العودة" في غزة وقتل الطفل عثمان هلس (15 عامًا)، لتحكم المحكمة عليه بالعمل العسكري لمدة شهر واحد وخفض رتبته. 

كما حُكم على جندي قتل صيادًا فلسطينيًا أعزل في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 بالسجن 45 يومًا في خدمة مجتمعية بعد إبرام صفقة اعتراف بتهمة الإهمال، وهو ما علقت عليه منظمة بتسيلم الحقوقية الإسرائيلية بالقول: "هذا مثال  على نظام قانوني مصمم لحماية الجناة لا الضحايا".

ومن الحوادث الشهيرة، قتل جنود الاحتلال للصحافية الفلسطينية–الأميركية شيرين أبو عاقلة في مايو/أيار 2022 برصاصة في الرأس خلال تغطية العدوان العسكري على جنين. 

وخلص تحقيق للجيش في سبتمبر 2022 إلى أنه لا يمكن تحديد مصدر الرصاصة، وأن هناك "احتمالًا كبيرًا" بأنها قتلت بطلق إسرائيلي، لكنه لم ير أي شبهات جنائية تمنع من فتح تحقيق شرطي، وفق زعمه. فيما أكدت منظمة العفو الدولية أن السلطات الإسرائيلية لم تفتح تحقيقًا جنائيًا ولم توجه أي اتهام.

صناعة الحصانة

وفيما يخص آليات وإجراءات التحقيق، تُحال الشكاوى ضد الجنود إلى وحدة تحقيقات الشرطة العسكرية، المعروفة بالإهمال وعدم جمع الأدلة الميدانية.

ويعتمد المحققون بشكل شبه كامل على إفادات الجنود وغالبًا ما تُجمع هذه الإفادات بعد شهور من الحدث دون محاولة حقيقية للحصول على أدلة مادية أو شهادات مستقلة، وفق بتسيلم.

بعد إغلاق التحقيق، تنتقل الملفات إلى نيابة العمليات العسكرية، وهي الجهة التي تقرر فتح تحقيق جنائي أو إغلاق الملف. 

“بتسيلم” تشير إلى أن النيابة تفترض صدق روايات الجنود وتغلق العديد من الملفات بدعوى "غياب الذنب" أو لأنها حدثت في "سياق قتالي"، مما يمنحهم حصانة واسعة. 

كما يندر أن تحمِّل النيابة الضباط أو القادة المسؤولية، فهي تركز على أفراد الصف بينما تُستثنى القرارات والسياسات العليا.

وأظهرت بيانات حصلت عليها منظمة ييش دين أن من 2,427 شكوى قدمها فلسطينيون بين 2016 و2024، فُتح 552 تحقيقًا فقط (22.7 بالمئة)، وأُحيلت قضيتان أو ثلاث فقط إلى المحاكمة (0.9 بالمئة). 

الوقت المتوسط لاتخاذ قرار بفتح التحقيق بلغ 213 يومًا، وفي القضايا التي تشمل قتلى يصل إلى 304 يومًا، فيما استغرقت معالجة 45 بالمئة من الشكاوى بين عامين وخمسة أعوام. ويحبط التأخير المتعمد التحقيقات عمليًا، إذ يكون الجنود قد أنهوا خدمتهم العسكرية أو ضاعت الأدلة.

وتبرز مشكلة أخرى تتمثل بتعقيدات تقديم الشكاوى، إذ لا يستطيع الفلسطينيون التوجه مباشرةً إلى الشرطة العسكرية، ولذلك يتوجب عليهم الاعتماد على منظمات حقوقية أو محامين لتقديم الشكاوى، مما يجعل الوصول إلى العدالة مقيدًا، ويؤدي إلى انخفاض عددها.

وحتى في القضايا التي يجري التحقيق فيها، تُستخدم مصطلحات مثل "استغلال السلطة إلى حد تعريض الحياة للخطر" بدلاً من تهمة القتل العمد، ما يضمن أحكامًا مخففة، وفق ما يقول تحقيق لمجلة 972 الإسرائيلية.

ويعرض القضاة العسكريون عادةً عقوبات قصيرة أو خدمة مجتمع، ويبررون ذلك بظروف "معقدة" أو "عملياتية"، ما يبعث برسالة واضحة أن قتل الفلسطينيين لا يعد جريمة خطيرة في نظر القضاء العسكري، بحسب “تايمز أوف إسرائيل”.

نتيجة هذا التصميم القضائي، تعمقت ثقافة الإفلات من العقاب، لتتدنى نسبة التحقيقات وتصدر أحكام متساهلة، مع استثناء حالات الحرب.

وتخلص بتسيلم إلى أن النظام القضائي لا يحقق في الأوامر أو السياسات العليا ولا في مسؤولية القادة، أي أنه يركز على الجنود كأفراد ليظهر أن هناك مساءلة، لكنه يعفي المؤسسين وصانعي القرار. 

وهو ما يسمح لإسرائيل بالترويج لرواية "التحقيق الذاتي" أمام المجتمع الدولي لمنع تدخل المحكمة الجنائية الدولية.

على المقاس 

ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل يعاني القضاء العسكري الإسرائيلي من عجز هيكلي في محاسبة الجنود، أم أنه يؤدي دوره كما المصمم له؟ 

تصريحات وزير الجيش بأن دور النيابة هو "حماية الجنود"، وتأكيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقا أن الدولة يجب أن "تلاحق أعداءها لا مقاتليها"، تعكس رؤية رسمية تعد مساءلة الجنود تهديدًا. 

وقد جاء قرار إسقاط تهم “سدي تيمان” وسط الحرب على إيران، ما يظهر كيف تستخدم إسرائيل ذرائع أمنية لتبرير إغلاق التحقيق ويشير إلى النظام القضائي الإسرائيلي يستخدم الطوارئ لتجنب المحاسبة.

وتعد وحدات التحقيق والنيابة العسكرية جزءا من المؤسسة نفسها التي يُفترض أنها تخضع للمحاسبة. فوفقًا لبتسيلم، تُجرى التحقيقات بإشراف النيابة منذ البداية، ما يسمح لها بتوجيه أسئلة التحقيق وغلق الملفات بذريعة "غياب الأدلة". 

كما أن عدم وجود إشراف مستقل أو مدني يجعل من المستحيل تحقيق العدالة عندما يكون الجيش هو الخصم والحكم معًا.

وتوضح التقارير الحقوقية أن الهدف غير المعلن لهذا النظام هو تزويد إسرائيل بذرائع أمام المحكمة الجنائية الدولية تدعي وجود “نظام قضائي فعال”، لكن البيانات تظهر أنه يعمل غطاءً لعدم الملاحقة.

يرى محمد عماد مدير الشؤون القانونية والسياسات لمنظمة سكاي لاين الدولية لحقوق الإنسان أن “قضية سدي تيمان الأخيرة، نقطة في بحر طويل من تملص جنود الاحتلال المدانين بجرائم وانتهاكات خطيرة للقانون الدولي من المحاكمة”.

وأوضح لـ"الاستقلال": “لدى إسرائيل هدفان عادة من فتح تحقيقات في ارتكاب جنودها انتهاكات وجرائم خطيرة، الأول إظهار صورة أنها دولة قانون وترفض أي انتهاكات أمام المجتمع الدولي”.

ثانيها الهروب من ملاحقات المحكمة الجنائية الدولية في بعض القضايا والجرائم لأن الأخيرة لا تنظر في القضايا التي نظر فيها القضاء المحلي.

وأردف: “عادة تتحرك الجنائية الدولية في القضايا الكبرى التي تحمل صبغة جريمة دولية كبيرة مثل جرائم الإبادة والحرب وضد الإنسانية كما رأينا في غزة”.

واستدرك الخبير القانوني: “عند وجود حالة فردية من جندي أو آخر حتى لو كان سلوك متكرر، فعادة ما يلجأ القضاء للادعاء أن الجندي جرت محاكمته أمام القضاء الداخلي ومعاقبته، وتكون العقوبات تتراوح من أشهر إلى أكثر عام وعادة يخرج بعد 6 أو 9 أشهر”.

ولفت إلى أن “إسرائيل وجنودها مستمرين في الإمعان بانتهاك حقوق الإنسان وما نراه من قرار تحويل بعض الأشخاص للمحاكمات يأتي لإظهار صورة غير موجودة بالفعل وتحسينها أمام العالم”.

وتكمن الخطورة في إيصال رسالة إسرائيلية إلى الجنود بأنهم يتمتعون بحصانة، مما يكرس ثقافة القتل والتعذيب دون خوف من العقاب. 

ولذلك، بالنسبة للفلسطينيين، يصبح القضاء العسكري أداة أخرى من أدوات القمع، إذ يُجبرهم على البحث عن العدالة في نظام يجرِّمهم مسبقًا أو لا يعترف بوجودهم.