دعوات جديدة لتشكيل حكومة موحدة في ليبيا.. تحرك جاد أم دائرة مفرغة؟

"أزمة ليبيا أعمق من مجرد صراع على السلطة، إنها أزمة أيديولوجية ومجتمعية"
أثارت دعوات إلى تشكيل حكومة توافقية في ليبيا جدلا سياسيا وإعلاميا واسعا، بين من يرى في الخطوة مخرجا للأزمة الراهنة، ومن يشكك في إمكانية تنفيذها في ظل الانقسام السياسي الحاد والمؤسساتي الذي تعيشه البلاد.
وجاءت هذه الدعوة على لسان رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي أسامة حماد، غير المعترف بها دوليا.
وشدد حماد على ضرورة إطلاق حوار وطني شامل وجاد في أقرب وقت، يفضي إلى تشكيل حكومة موحدة ذات طابع توافقي، بمهام واضحة وصلاحيات محددة ضمن إطار وطني ملزم.
وأوضح في بيان نشره عبر حسابه على فيسبوك في 4 مارس/آذار 2026، أن ليبيا تمر بمرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها التحديات الاقتصادية مع التعقيدات السياسية.
وأشار إلى أن استمرار حالة الانقسام وتعثر المسارات الدستورية والتنفيذية لم يعد قابلا للتأجيل، مقدرا أنه يشكل خطرا حقيقيا يهدد وحدة البلاد.
كما وصف البيان الحكومة القائمة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة بأنها "منتهية الولاية"، متهما إياها بـ"إهدار المال العام وترسيخ الفساد المالي والإداري، بما أسهم في تعميق الانقسام داخل مؤسسات الدولة".
وفي 18 فبراير/شباط 2026، دعا حماد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة المعترف بها دوليا إلى إجراء حوار مباشر لمعالجة الأزمة المالية الحالية، أو "الخروج معا من المشهد"، وإفساح المجال أمام شخصيات أخرى لتوحيد المؤسسات وتحقيق الاستقرار في البلاد.
وتعيش ليبيا حالة انقسام سياسي حاد بين حكومة معترف بها دوليا في طرابلس برئاسة الدبيبة، وأخرى في شرق البلاد يرأسها حماد وتعمل تحت نفوذ الجنرال خليفة حفتر، وهو وضع يلقي بتداعيات اقتصادية وأمنية واجتماعية خطيرة على الدولة والمواطنين.
صرخة حق
على المستوى البرلماني، أيد النائب الثاني لرئيس مجلس النواب مصباح دومة ما وصفه بـ "المطلب الشعبي والوطني الملح بضرورة الشروع العاجل في حوار وطني شامل ينهي حالة الجمود، ويفضي إلى تشكيل حكومة موحدة تمتلك الصلاحيات والشرعية".
ووفق ما نقل موقع "المرصد" المحلي بتاريخ 07 مارس، أكد دومة أن توحيد السلطة التنفيذية هو المدخل الحقيقي والوحيد لترسيخ الاستقرار المالي والاقتصادي، وضمان وصول الخدمات إلى كل مدينة وقرية في ليبيا دون تمييز أو إقصاء.
وشدد على أن الغاية القصوى التي يسعى إليها البرلمان ولن يتنازل عن تحقيقها هي الوصول بالبلاد إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، بما يحقق أمل وطموح 2.8 مليون ناخب ليبي.
وأشار دومة إلى أن تأييد هذه المبادرة يأتي من المنطلق الوطني والأمانة التاريخية التي يحملها البرلمان تجاه الشعب والوطن، في ظل منعطف حرج تتداخل فيه التحديات الاقتصادية والسياسية بما يثقل كاهل المواطن ويستنزف مقدراته، داعيا إلى حوار وطني يستعيد هيبة الدولة ويوحد الحكومة والمؤسسات السيادية.
وقال دومة: إن هذه الدعوة ليست مجرد إعلان سياسي عابر، بل هي صرخة حق في وجه الانقسام، ودعوة صادقة ومسؤولة لاستعادة هيبة الدولة واستقرارها.
ونبه إلى أن استمرار حالة التشظي التي يعيشها الليبيون لم يعد أمرا يمكن السكوت عنه أو قبول تأجيل معالجته، مقدرا أن هذه الحالة باتت تنهش في جسد الوطن وتهدد وحدته ووجوده بشكل مباشر.
في سياق دعم هذا التوجه، أعلن مترشحون لرئاسة الحكومة الموحدة الجديدة، دعمهم لتوحيد الصف الوطني واستكمال المسار السياسي، بما يفضي إلى إنهاء الانقسام واستعادة استقرار الدولة.
وأكد المترشحون في بيان بالمناسبة عن دعم المبادرات الجادّة التي تهدف إلى توحيد مؤسسات الدولة وتعزيز الحوار الوطني الشامل، وصولا إلى تشكيل سلطة تنفيذية مُوحدة قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء الانتخابات العامة.
وأعلن المترشحون التزامهم بالقوانين الانتخابية الصادرة عن لجنة “6+6″، والعمل على تنفيذها، لضمانِ انتخابات حرة ونزيهة تعكس الإرادة الحقيقية للشعب الليبي.
وأكد أنه "لا بد من تضافر جهود جميع القوى السياسية والوطنية وتغليب لغة الحوار والتوافق لتحقيق الاستقرار وسيادة القانون".
هذا وحمل البيان توقيع كل من سلامة الغويل، محمد المنتصر، عبد الحكيم بعيو، محمد المزوغي، عبد الباسط القماطي، علي ساسي.

توحيد المؤسسات
الملف الليبي وما يعرفه من أزمة مؤسساتية وسياسية عميقة يحظى باهتمام كبار الفاعلين الدوليين، وعلى رأسهم واشنطن والأمم المتحدة، والتي دعت أيضا للوحدة المؤسساتية في البلاد.
وفي هذا الصدد، أكد مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الإفريقية والشرق الأوسط، مسعد بولس، أن استقرار ليبيا يتطلب توحيد المؤسسات واستعادة الحيوية الاقتصادية من خلال عملية سياسية، مؤكدا دعم واشنطن لهذه المساعي.
جاء ذلك في تغريدة نشرها بولس عبر إكس في 4 مارس 2026، وذلك تعقيبا على البيان الصادر عن رئيس مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا الثلاثاء.
وقال بولس: إن مسار ليبيا نحو الاستقرار الدائم يتطلب عملية سياسية ذات مصداقية بقيادة ليبية، تعمل على توحيد المؤسسات واستعادة الحيوية الاقتصادية.
وشدد على أن الولايات المتحدة ستواصل إشراك الأطراف الليبية المعنية في نهج عملي ومنسق لخلق الظروف اللازمة لضمان استقرار المؤسسات السياسية وتحقيق الازدهار الاقتصادي على المدى الطويل.
وأكد بولس أن الولايات المتحدة تدعم الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في جهودهما لتيسير هذه المساعي.
وكان أعضاء مجلس الأمن الدولي قد دعوا في بيان أصدره رئيس المجلس الأميركي مايكل جي. والتز إلى تنفيذ برنامج التنمية الموحد، مشددين على أهمية وضع ميزانية موحدة لمنع المزيد من التدهور الاقتصادي في ليبيا.
وأشار أعضاء المجلس إلى أهمية إحراز تقدم نحو توحيد جميع المؤسسات، بما في ذلك المؤسسات العسكرية والأمنية، منوهين بأهمية الحفاظ على وحدة واستقلال النظام القضائي.
كما حثوا الأطراف على إظهار الإرادة السياسية والتوافق لدفع عملية يقودها ويملكها الليبيون، والامتناع عن اتخاذ أي إجراءات أحادية قد ترسخ الانقسامات المؤسسية، وتقوض فرص المصالحة الوطنية، وتفاقم الوضع المالي والاقتصادي لليبيا.
وأشار أعضاء مجلس الأمن إلى أهمية إحراز تقدم نحو توحيد جميع المؤسسات، بما فيها المؤسسات العسكرية والأمنية، وشددوا على أهمية صون وحدة واستقلال النظام القضائي.
مسار إصلاحي
في قراءته لهذه الدعوات، قال المحلل السياسي الليبي إبراهيم الأصيفر، إن الإشكال في ليبيا ليس في غياب التوافق؛ لأن هناك توافقا كاملا بين النخب على إبقاء الدولة ضعيفة وتعطيل كل مسار إصلاحي حقيقي.
وأضاف الأصيفر لـ "الاستقلال"، ولذلك، نرى أن كل مشروع وطني يتوقف قبل أن يرى النور، وكل استحقاق ديمقراطي يتأجل.
وعليه، يرى المحلل السياسي أن الاعتقاد بأنه يمكن للديمقراطية أو إصلاح مؤسسي أن يتحقق في ظل هذا المشهد هو وهم كبير، لأن المسرحية مستمرة والديكور مستمر والأدوار مكتوبة مسبقا.
وشدد الأصيفر على أن أزمة ليبيا أعمق من مجرد صراع على السلطة، إنها أزمة أيديولوجية ومجتمعية، إذ كل طرف يتمسك برؤيته ويعد أي تنازل هزيمة، وكل محاولة للاعتراف بالآخر تُرفض.
هذا الوضع، يقول المتحدث ذاته، يجعل أي مشروع لتوحيد البلاد أو بناء دولة مدنية شبه مستحيل، منبها إلى أن "الاختلاف ليس مجرد مشكلة يمكن حلها بالقانون، بل حقيقة ثابتة يجب أن تُدار بحكمة".
وذكر أن "الفشل في إدراك ذلك يحول كل عملية ديمقراطية إلى صراع جديد، ويحول الدستور والصناديق إلى أدوات لتعزيز الانقسام لا لمواجهة الأزمة".
ورأى الأصيفر أن الحل للوضع الليبي يتمثل في تغيير العقلية السياسية والثقافية للمجتمع، وفي إعادة بناء وعي جماعي يرفض الاستقطاب، ويقبل التعددية كقيمة وليس تهديدا، ويجعل الحوار قاعدة لا استثناء، ويحول التعايش مع الآخر من تنازل إلى شرط لبقاء الدولة.
وزاد، كما على المؤسسات الأمنية والاقتصادية والقضائية أن تُبنى على الشفافية والاستقلالية، بعيدا عن النفوذ المحلي أو الأجنبي، والاقتصاد بحاجة إلى إصلاح شامل لمواجهة الفساد وإعادة توزيع الموارد بطريقة عادلة.
ويرى الأصيفر أن استمرار الوضع الحالي، يجعل البلاد أسيرة الانقسامات والفوضى، في الوقت الذي تلعب فيه القوى الخارجية الدور الحاسم في تحديد مسار البلاد.
وخلص إلى أنه بدون إصلاح جذري في العقلية والثقافة السياسية، ستبقى ليبيا محكومة بالدورات المتكررة من الفشل والانقسام، والمواطن هو الضحية الدائمة.

مخاطر ومؤشرات
هذا الوضع السياسي الذي تعاني منه ليبيا، توقف عنده موقع “The Geopolitical Desk” في تقرير حول المخاطر السياسية في ليبيا، نُشر في 6 مارس 2026، وسلّط الضوء على تصاعد الضغوط الاقتصادية والتوترات السياسية والأمنية التي تشهدها البلاد.
وأوضح التقرير أن المشهد السياسي الليبي يشهد تصاعدا ملحوظا في مؤشرات عدم الاستقرار، مع تزايد الضغوط الاقتصادية وعودة الاحتجاجات الشعبية في عدد من مدن الغرب الليبي.
ووفق التقرير، بدأت موجة غضب اجتماعي تتشكل على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، حيث خرجت مظاهرات محدودة في مدن طرابلس والزاوية وزليتن، طالبت بإقالة الحكومتين وإنهاء حالة الانقسام السياسي في البلاد.
وأشار إلى أن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة يسعى إلى إجراء تعديلات وزارية لتعزيز موقع حكومته، وهي خطوة أثارت تحفظ رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، الذي حذّر من أن أي تغييرات حكومية يجب أن تمر عبر المسارات القانونية المعتمدة.
كما لفت إلى استمرار التوتر داخل مجلس النواب الليبي على خلفية الجدل حول مقترحات فرض ضرائب جديدة على الواردات، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية التي يشنها الجيش الوطني الليبي ضد جماعات مسلحة في جنوب البلاد.
ويرى التقرير أن تداخل الأزمة الاقتصادية مع الانقسام السياسي وتدهور الوضع الأمني في الجنوب يشكل مزيجًا من المخاطر قد يدفع ليبيا إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، إذا لم يتم احتواء التوترات السياسية وإطلاق مسار إصلاح اقتصادي يخفف من الضغوط الاجتماعية المتزايدة.
















