حظر أونروا وتقييد العمل الإغاثي.. إسرائيل تختبر خطة جديدة للتهجير

خالد كريزم | منذ ١١ يومًا

12

طباعة

مشاركة

ضمن مساعيها لمنع وتجفيف كل مصادر المساعدات للفلسطينيين، تعتزم إسرائيل تطبيق قواعد جديدة تقلص من خلالها عمل المنظمات الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وتشمل تلك القواعد التأشيرات وتسجيل المنظمات الإنسانية الإغاثية ومراجعة ما إن كانت هي أو موظفوها قد دعوا لمقاطعة إسرائيل، وفق ما كشفت صحيفة واشنطن بوست الأميركية.

ونقلت الصحيفة عن مصادر أن الضوابط الإسرائيلية الجديدة تأتي في إطار جهود أوسع لتقليص مساحة عمل المنظمات الإنسانية.

ما الجديد؟

في تفاصيل القضية، قالت ما تسمى بوزارة شؤون "الشتات" الإسرائيلية، إنه أمام المنظمات غير الحكومية الدولية البالغ عددها 170 والمسجّلة في إسرائيل ستة أشهر فقط لإعادة تقديم طلبات التسجيل بموجب النظام الجديد، أو إلغاء تسجيلها، مع سبعة أيام فقط للاستئناف.

ونشرت الوزارة قائمة بالوثائق والمعلومات المطلوبة للتسجيل، بما في ذلك أسماء ومعلومات الاتصال وأرقام جوازات السفر لجميع الموظفين الأجانب وشركائهم أو أطفالهم.

كما نشرت معلومات مفصّلة عن الجهات المانحة ومصادر التمويل الأخرى، بالإضافة إلى سجل لجميع المنظمات الدولية والمحلية ووكالات الأمم المتحدة التي تتعاون معها.

وتشمل تلك المنظمات "أوكسفام" (مقرها بريطانيا)، وهي اتحاد دولي يضم 15 منظمة مستقلة تعمل في مجال محاربة الفقر والفوارق الاجتماعية عبر العالم.

ويُعرف عن "أوكسفام" دورها في كشف جرائم الاحتلال فيما يتعلق بحقوق الإنسان والتهويل وطمس هوية المدن الفلسطينية، إضافة إلى تقديمها الدعم للاجئين الفلسطينيين.

وفي عدد من الدول الغربية، مثل كندا، تُصنف "أوكسفام" معادية لإسرائيل رغم أنَها لا تُنادي بمقاطعتها ولا بمقاطعة السلع المنتجة في المستوطنات.

كما تشمل المنظمات أطباء بلا حدود والتي رفعت صوتها أخيرا تجاه إسرائيل وطالبتها بوقف العدوان على قطاع غزة وعدم استئنافه ورفع الحصار المفروض على الإمدادات الغذائية.

وفي بيان لافت، قالت المديرة العامة لمنظمة أطباء بلا حدود فرنسا، كلير ماغون: في 19 مارس/آذار 2025: "نشعر بالفزع إزاء الهجمات التي شنتها إسرائيل على غزة، ما أدى إلى كسر وقف إطلاق النار الذي دام شهرين تقريبا. ووقوع مئات القتلى، والإصابات الجماعية، وكثير منهم من الأطفال".

وتابعت: "اختارت إسرائيل مرة أخرى معاقبة شعب غزة بشكل جماعي، حيث تتبع هذه الطريقة منذ (أكتوبر) تشرين الأول 2023 -بموافقة صريحة من أقرب حليف لها، الولايات المتحدة– بقصف مكثف لم يسبق له مثيل منذ المراحل الأولى من الحرب".

وأردفت: “طيلة أكثر من 15 شهرا، قبل وقف إطلاق النار، تعرّض الناس في غزة للقتل والتشويه والإصابة والتشريد بشكل عشوائي”.

وواصلت القول: إن "إسرائيل تنفذ هذه الهجمات الوحشية الأخيرة وأوامر الإخلاء، ولن يتمكن الفلسطينيون في غزة ببساطة من تحمل ذلك، لا جسديا ولا نفسيا، وآمالهم في استعادة جزء على الأقل من حياتهم السابقة تتحطم".

ومن المنظمات التي طلبت إسرائيل مراجعة ترخيصها، ورد كذلك اسم "المجلس النرويجي للاجئين"، وهي منظمة إنسانية مقرها الرئيس في أوسلو، تأسست في أعقاب الحرب العالمية الثانية بهدف إغاثة أوروبا.

 ثم بدأت تنتشر حول العالم وترسل إغاثات مخصصة لأكثر من 40 دولة، حتى أصبحت واحدة من أكبر منظمات الإغاثة العالمية.

وفور تولي دونالد ترامب الرئاسة الأميركية وبدئه ولايته الثانية عام 2025، وقّع أمرا تنفيذيا بإيقاف المساعدات الإنمائية لدول وجهات عدة، مما اضطر المجلس النرويجي لتعليق خدماته الإنسانية في نحو 20 دولة لأول مرة في تاريخه.

ويقدم المجلس معونات "منقذة للحياة" للاجئين في الضفة وقطاع غزة، وأكد في بيانات سابقة أنه يواجه تحديات كبيرة وعقبات هائلة في إيصال المواد الإغاثية بسبب حجب المساعدات الأميركية والضغوط الإسرائيلية.

وتشير هذه الأمثلة الثلاثة إلى نوعية المنظمات التي تسعى إسرائيل لإنهاء عملها في الأراضي الفلسطينية، حيث تستهدف كل مؤسسة تسهم في التخفيف من المعيشة الصعبة للفلسطينيين.

وتأتي الخطوة الإسرائيلية الجديدة بعد أن أعلنت تل أبيب في يناير/كانون الثاني عن تعليق عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في الأراضي المحتلة، وفقا لقانون صدر في أكتوبر/تشرين الأول 2024 يحظر نشاط الوكالة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

كما أوقفت إسرائيل كل خدمات وأنشطة الوكالة التابعة للأمم المتحدة في مدينة القدس المحتلة وأخلت المباني كافة التابعة لها، وذلك امتثالا لقانونين صدق عليهما الكنيست (البرلمان الإسرائيلي).

ويحظر القانون الأول نشاط الوكالة داخل "المناطق الخاضعة للسيادة الإسرائيلية" بما يشمل تشغيل المكاتب التمثيلية وتقديم الخدمات، في حين يحظر الثاني أي اتصال مع هذه الوكالة الدولية.

وتُقدم الأونروا، منذ أكثر من 7 عقود، خدمات حيوية مثل التعليم والرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية لنحو 6 ملايين لاجئ فلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان والأردن وسوريا.

ذرائع واهية

وفي تبريرها للقرار الجديد ضد المنظمات غير الحكومية التي تعمل في الأراضي المحتلة منذ عقود، قالت سلطات الاحتلال: إن تشديد الرقابة على منظمات الإغاثة سيضمن تنفيذ أعمال الإغاثة بـ"طريقة تتّسق مع مصالح إسرائيل".

كما قال وزير "الشتات" الإسرائيلي عميحاي شيكلي: إن النظام الجديد يهدف لـ"منع استغلال العمل الإنساني لتقويض الدولة"، وفق زعمه.

وتشرف وزارة شيكلي على العملية وتقود لجنة جديدة مُكلَّفة بالموافقة على الطلبات أو رفضها. وتتألف اللجنة من ممثلين عن مختلف الجهات الحكومية، بما في ذلك أجهزة الاستخبارات والأمن، والتي لا يتعامل الكثير منها مباشرةً مع المنظمات الإنسانية أو جهود الإغاثة.

ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن المحامي المتخصّص في حقوق الإنسان مايكل سفارد، قوله: إن المُكلّفين بتطبيق الضوابط الجديدة لا يفهمون الالتزامات الإنسانية المواجبة على إسرائيل بموجب القانون الدولي.

وتعليقا على القرار الإسرائيلي، قال محامون آخرون: إن سلطات الاحتلال تعد من يدافع عن تطبيق القانون الدولي مناهضا لها.

وأوضح أحد كبار موظفي الإغاثة في المنطقة أن "الوضع أسوأ ممّا توقّعنا. هذه من أكثر اللحظات إثارة للقلق التي مررنا بها كمنظمات إنسانية، منذ زمن طويل"، وفق ما نقلت الصحيفة.

كما نقلت عن آخر قوله: إن الإجراءات الإسرائيلية الجديدة خطيرة بالنسبة لقطاع غزة وتُشكّل سابقة خطيرة على مستوى العالم، مضيفا: "لا نعلم إن كُنّا سنبقى هنا بعد بضعة أشهر والوضع محبط للغاية ولا نعرف ماذا سنفعل".

وقد جاء القرار الإسرائيلي على الرغم من اعتراض العديد من المنظمات الإغاثية التي جوبهت بالرفض التام.

فقد رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية طعنا قانونيا على اللوائح الجديدة، قدّمته رابطة وكالات التنمية الدولية (AIDA) التي تضمّ أكثر من 80 منظمة غير حكومية تعمل في الأراضي الفلسطينية.

وجادلت الرابطة بأن قرار الحكومة الإسرائيلية بسن هذه القواعد يتعارض مع القانون الإسرائيلي نفسه وينتهك المبادئ الإنسانية الدولية.

كما رأت المنظمات الإنسانية أن هذه القيود تقوّض جهودها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتُعرّض موظفيها المحليين والدوليين للخطر، وقد تُجبرها على التوقّف عن العمل.

وأعربت المنظمات عن قلقها البالغ من إلزامها بتقديم أسماء وأرقام الاتصال وهويات موظفيها الفلسطينيين، وهو أمرٌ تُصرّ إسرائيل على أنه "ضروري للتحقق من الموظفين بحثا عن أي صلات محتملة بالمسلحين"، على حد تعبيرها.

ولم تفلح كل محاولات تلك المنظمات في إقناع سلطات الاحتلال باستمرار عملها على ما هو عليه، تماما كما تجاهلت إسرائيل توضيحات أونروا المتكررة بعد عملية طوفان الأقصى.

واتهمت إسرائيل 12 موظفا لدى الأونروا بالتورط في الهجوم الذي شنته كتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وهو ما نفته الوكالة.

وأكدت الأمم المتحدة التزام أونروا الحياد، والتمسك بمواصلة عملها، ورفض الحظر الإسرائيلي، داعية تل أبيب مرارا للتراجع عن القرار، دون جدوى، حيث استمرت تل أبيب في حظر الوكالة وشيطنة أعمالها بمباركة أميركية. 

وتعاظمت حاجة الفلسطينيين إلى أونروا، أكبر منظمة إنسانية دولية، تحت وطأة حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل بدعم أميركي على قطاع غزة على مدى أكثر من 15 شهرا.​​​​​​​

ويأتي تجفيف منابع المساعدات الإنسانية في وقت تغلق فيه إسرائيل معابر قطاع غزة وتمنع دخول أي مواد إغاثية إليه.

ومطلع مارس/ آذار 2025، انتهت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بغزة التي استمرت 42 يوما، فيما تنصلت إسرائيل من الدخول في المرحلة الثانية وإنهاء الحرب.

ومع انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، أغلقت إسرائيل مجددا جميع المعابر المؤدية إلى غزة، لمنع دخول المساعدات الإنسانية، في خطوة تهدف إلى استخدام التجويع كأداة ضغط على حماس لإجبارها على القبول بإملاءاتها.

الأهداف والمتطلبات

وعن الوضع الإنساني الحالي ومدى تأثره بالخطوة الإسرائيلية الجديدة، يقول مدير الشؤون القانونية والسياسات في منظمة سكاي لاين الدولية لحقوق الإنسان محمد عماد: إنه “قبل بداية الحرب كان من 80 إلى 90 بالمئة من الفلسطينيين في غزة يعتمدون على إعانات أونروا".

وأردف في حديث لـ"الاستقلال": “بعد 15 سنة من الحصار الإسرائيلي، زادت نسبة البطالة عن 65 بالمئة وحد الجوع جاوز الـ 50 بالمئة في غزة”، فكيف يكون الوضع الآن؟

وعن أهداف تل أبيب، يقول: إنه “عمليا كانت خطة إسرائيل القديمة والمدروسة هي تجويع قطاع غزة بشكل تدريجي وخنقه في مناحي الحياة كافة وتحويله إلى شعب يعتمد فقط على المساعدات من خلال قطع أي آفاق أخرى مثل التجارة الخارجية والأعمال”.

واستشهد عماد ببداية سنوات الحصار منذ عام 2006، عندما منعت سلطات الاحتلال دخول مواد البناء والنجارة وما إلى ذلك بهدف تعزيز الأوضاع الكارثية في قطاع غزة.

ووصولا إلى عام 2016 وبعدها قدوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب “بدأت الأونروا تواجه مضايقات في عملها ومنها قطع المساعدات ما اضطرها إلى إنهاء عقود الآلاف من موظفيها غير المثبتين (عقود غير دائمة) في غزة بسبب أزمة التمويل”.

وأكد أنه “بعد بدء الحرب الأخيرة وما جرى من إبادة جماعية وتدمير للبنية التحتية وإغلاق المنظمات الإغاثية وانتقال بعضها لجنوب قطاع غزة وتحديد عملها في آفاق ضيقة جدا، أصبح الوضع أسوأ مما كان عليه”.

ورأى المختص الحقوقي أنه يجرى اليوم سحب البساط من تحت المنظمات الدولية بعد التضييق على أونروا وقطع العديد من الدول تمويلها مع بداية الحرب.

وعن أهداف الاحتلال من الخطوة، قال: إن “إنهاء وجود المؤسسات الأممية لا يمكن فهمه سوى أنه محاولة لقطع الطريق أمام الشعب الفلسطيني والتضييق عليه في كل مناحي الحياة”.

وبين أن هذه الخطوة هي مقدمة لدفعه نحو الهجرة وترك القطاع، بسبب الاستمرار في حرمانه من كل مقاومات الحياة الأساسية من مأكل ومشرب وملبس ومأوى.

وقد تطرقت وزارة الخارجية الفلسطينية لأهداف أخرى، حيث بينت في بيان لها أن حملة التضييقات الإسرائيلية ضد المنظمات الإنسانية الإغاثية تشمل تقليص دورها الرقابي والتوثيقي لجرائم وانتهاكات الاحتلال والمستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين.

وأوضحت أن “تلك الإجراءات الصارمة امتداد لاستفراد الاحتلال بشعبنا ومحاولاته إخفاء ما يرتكبه من خروقات جسيمة للقانون الدولي واتفاقيات جنيف والاتفاقيات الموقعة، وكجزء من سياسة طمس الحقائق وإخفاء الأدلة”.

وعن المطلوب اليوم لمواجهة هذه الخطوات الإسرائيلية، دعا المختص الحقوقي محمد عماد إلى إيجاد درع عربي إسلامي واقٍ يغني الشعب الفلسطيني عن أونروا وبعض منظمات الإغاثة التي يجرى التضييق على عملها، مبينا أن الدعم العربي خجول جدا وشبه معدوم.

وقال: إن أونروا “منظمة أممية تعنى بحقوق اللاجئين، ووجودها مهم سياسيا لكن في حال قطع أي تمويل آخر بإرادات سياسة، لا بد أن يتوفر بديل يلبي احتياجات الفلسطينيين ويبقيهم في أرضهم”.

وختم بالقول: “الفلسطيني يواجه آلة الموت ببطن جائع ودون حماية دولية ويجرى اليوم حرمانه من كل مقومات الحياة”.

ولطالما دعا وزراء إسرائيليون متطرفون لتهجير أهالي قطاع غزة وإعادة بناء المستوطنات التي فككها الاحتلال عام 2005.

ويسهم إغلاق أونروا ومنظمات الإغاثة وحظرها في تمرير هذا المخطط، من جهة وقف المساعدات الإنسانية لنحو 1.9 مليون لاجئ ومنع مساهمتها في إعادة إعمار القطاع ودفع الأهالي للهجرة.

وحاولت إسرائيل تنفيذ المخطط خلال العدوان على غزة بتهجير أهالي شمال القطاع إلى الجنوب وقطع المساعدات ونشر المجاعة، لكن صمود السكان أفشل كل المحاولات.

وعاد هذا المخطط مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ودعوته كل من مصر والأردن لاستقبال أعداد كبيرة من الفلسطينيين في غزة.

وتذرع ترامب بـ"عدم وجود أماكن صالحة للسكن في قطاع غزة"، من جراء الإبادة الإسرائيلية، وهو طرح رفضته كل من مصر والأردن بشدة.

كما يأتي حظر أونروا وتقييد عمل المنظمات الإنسانية في ظل الدعوات الإسرائيلية لضم الضفة الغربية خلال ولاية ترامب الحالية، في خطوة تأتي متسقة مع نهج تل أبيب في قتل فكرة حل الدولتين وإنهاء حقوق اللاجئين في آن واحد.