"خطر التفكك".. ماذا بعد انسحاب 3 دول إفريقية من منظمة "إيكواس"؟

منذ شهرين

12

طباعة

مشاركة

بعدما سبق وأعلنت انسحابها من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، في 28 يناير/كانون الثاني 2024، متهمة المجموعة بالابتعاد عن “المثل العليا التي أُسست عليها”، غادرت مالي والنيجر وبوركينا فاسو، رسميا، هذه المنظمة بعد أكثر من عام من التوترات الدبلوماسية الشديدة.

وفي 29 يناير 2025، أعلنت "إيكواس"، عن الانسحاب الرسمي لدول الساحل الثلاث (مالي، النيجر وبوركينا فاسو) من هذه المنظمة الإقليمية.

و"إيكواس" هي المنظمة الإقليمية الأكثر اندماجا في إفريقيا والتي كانت تضم 15 عضوا، تأسّست بهدف الاندماج الاقتصادي كمدخل للتكامل الأمني والسياسي، وقامت خلال مسارها الذي يمتد لـ49 عاما بتدخلات عسكرية في توغو عام 2005، وغينيا بيساو في 2012، وغامبيا عام 2017.

تحالف بديل

وترجع شرارة توتر العلاقة بين الدول الثلاث ومجموعة “إيكواس” إلى عملية الانقلاب العسكري التي شهدتها بداية مالي. 

ففي 18 أغسطس/آب 2020، نفذ مجموعة من العسكريين انقلابا على الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا، وعينوا حكومة انتقالية جديدة برئاسة باه نداو، وبعد أشهر قاد العقيد آسيمي غويتا انقلابا جديدا في 24 مايو/أيار 2021 واعتقل الرئيس وقيادات الحكومة المدنية.

وفي ردها على هذين الانقلابين، قررت "إيكواس" بعد قمة العاصمة الغانية أكرا في يناير 2022، إغلاق الحدود مع مالي وتجميد أصولها المالية في البنوك التابعة لها، واستدعاء سفراء الدول الأعضاء من باماكو.

وتزايد التوتر بعد الانقلاب الذي عرفته بوركينا فاسو بقيادة النقيب إبراهيم تراوري نهاية سبتمبر/أيلول 2022، لتبلغ القطيعة ذروتها بعد انقلاب النيجر في يوليوز/ تموز 2023، عندما هددت "إيكواس" بالتدخل عسكريا لإعادة الرئيس المخلوع محمد بازوم إلى منصبه وفرضت عقوبات اقتصادية ثقيلة على نيامي قبل أن ترفعها.

وللوقوف في وجه تهديدات "إيكواس" بالتدخل العسكري في النيجر بعد الانقلاب الذي أطاح بالرئيس بازوم، أعلنت دول الساحل الثلاث تشكيل تحالف إقليمي جديد تحت اسم “تحالف دول الساحل” (AES)، المنفصل عن المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، في 16 سبتمبر 2023.

وتتهم بوركينا فاسو، مالي والنيجر، مجموعة "إيكواس"، بفرض عقوبات "غير إنسانية وغير قانونية وغير شرعية" ضدها بعد الانقلابات التي أوصلتها إلى السلطة.

وتعارض "إيكواس" من حيث المبدأ الانقلابات العسكرية؛ إذ ضغطت لجهة عودة النظام الدستوري وبالتالي المدنيين إلى السلطة في أسرع وقت، بل وفرضت عقوبات شديدة على الدول الثلاث قبل أن ترفعها.

وفي تعليقه على انسحاب الدول الثلاث، قال أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة محمد الخامس بالعاصمة المغربية الرباط، زكرياء أبو الذهب، إن قرار الانسحاب من "إيكواس" يأتي عقب التحولات التي شهدتها هذه الدول من انقلابات عسكرية أو ما يسمى حسب الاتحاد الإفريقي من “تغييرات لادستورية”.

وتحكم بوركينا فاسو ومالي والنيجر أنظمة عسكرية وصلت إلى السلطة في انقلابات بين 2020 و2023 وتواجه أعمال عنف تنفذها حركات مسلحة.

وأضاف أبو الذهب، لقناة "ميدي 1 تي في" المغربية، أن هذه الدول الثلاث اعتبرت العقوبات بأنها "غير قانونية وغير مشروعة بل أسهمت في تفاقم الأوضاع فيها".

وأوضح أن "إيكواس" فرضت عقوبات مالية واقتصادية على الدول الثلاث، لذا صبّت الانتقادات منذ التنصيص على هذه العقوبات، في اتجاه أن "إيكواس" لا تخدم مصالح شعوب الدول المنضوية تحت لوائها.

وتُتهم "إيكواس" من قبل منتقديها بتطبيق معايير مزدوجة وبشكل انتقائي، فالعقوبات تطبق ضد مالي على سبيل المثال، في وقت تغض فيه الطرف عن تشاد التي يحكمها أيضا نظام عسكري.

ورأى أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة محمد الخامس، أنه رغم ما شهدته هذه الدول بما يمكن تسميته دبلوماسيا من "مسارات انتقالية" إلا أنها مازالت لم تعرف بعد انتخابات وإقامة سلطات مدنية. 

وتابع أنه “رغم ذلك فإنه يبدو أنها ماضية في التنسيق فيما بينها للتصدي للتحديات والصعوبات التي تواجهها، على تقدير أنها تعرف نفس المشاكل ليس فقط المرتبطة بالناحية الأمنية جراء تحركات الجماعات المسلحة بل أيضا ما يتعلق بالتغيرات المناخية من جفاف وقلة الماء ومخاطر الأمن الغذائي والهجرة غير النظامية”.

قرار معقول

من جهته، قال الباحث السنغالي المختص في العلوم السياسية هارون با، إن انسحاب دول تحالف الساحل من مجموعة إيكواس “يكشف عن تباين الرؤى والتوجهات السياسية بين الطرفين”.

وأضاف با لـ"الاستقلال"، أن هذا الانسحاب يأتي أيضا بعد فشل التسوية السلمية للوصول إلى حل تفاوضي وعدم رضا القيادة العسكرية لهذه الدول الثلاث عن القرارات (العقوبات) التي اتخذتها "إيكواس" عقب الانقلاب على الحكومات القائمة من قبل. 

وسجل أن هذه الدول الثلاث تتشابه في كثير من النقاط على المستوى السياسي والجغرافي والاقتصادي والجيوسياسي، مؤكدا أنها "متقاربة جدا وبالتالي ربما يكون اتخاذها لهذا القرار معقولا".

وأمام انسحاب هذه الدول الثلاث من "إيكواس"، نبه مراقبون إلى أن المنظمة قد تواجه خطر "التفكك"، معربين عن تخوفهم من التحاق دول أخرى بالنيجر ومالي وبوركينا فاسو التي اختارت الانفصال عن "إيكواس" وتأسيس اتحاد جديد منافس، من قبيل دولة توغو.

ففي 16 يناير 2025، أكد وزير خارجية توغو روبرت دوسي، في مقابلة تلفزيونية مع قناة "فوكس أفريكا" أن بلاده لا تستبعد الانضمام إلى تحالف دول الساحل، مضيفا أن "هذا الأمر ليس مستحيلا".

وأمام عدم استبعاد انضمام توغو إلى تحالف دول الساحل، فإنها قد تنسحب من "إيكواس"، لا سيما في ظل الاختلاف الأيديولوجي بين التكتلين الإقليميين، الأمر الذي قد يهدد وحدة وتماسك تكتل "إيكواس" التي قد تتعرض لضربة قاسية عقب انسحاب دول تحالف الساحل.

الكاتب النيجري إدريس آيات والخبير في شؤون غرب إفريقيا، اعتبر أن تأثير انضمام توغو المحتمل وغيرها من دول غرب إفريقيا إلى "إيكواس" قد يبدو ضئيلا في الأمد المتوسط، لا سيما أن التحالف الجديد لا يشترط على الدول المنضمة إليه الخروج من "إيكواس".

وأضاف آيات، لموقع "الجزيرة نت" القطري، أنه “على المدى البعيد قد يؤدي ذلك لإضعاف إيكواس، بل وقد يهدد بزوالها، خاصة إذا كان من بين معايير الانضمام لتحالف دول الساحل الانسحاب منها”.

مليئة بالتحديات

في المقابل، يرى الباحث السنغالي المختص في العلوم السياسية، هارون با، أن انسحاب مالي وبوركينا فاسو والنيجر لن يجر دولا أخرى إلى الانسحاب من "إيكواس".

وأضاف با، لـ"الاستقلال"، أن قرار انسحاب الدول الثلاث لن يؤدي إلى انحلال هذا العقد الجيوسياسي في منطقة غرب إفريقيا لعدة أسباب.

وأوضح أن من بين هذه الأسباب أن "المنطقة مليئة بالتحديات الأمنية والتنموية التي تدفع دولها إلى اعتماد العمل الجماعي للتغلب على هذه المعضلات، خصوصا أن ذلك أثبت جدواه في مجال سياسات أمنية سابقة".   

من جانب آخر، يقول با، هو أن القوى الكبرى في المنطقة من قبيل نيجيريا وغانا وكوت ديفوار والسنغال، تنحو منحى اتحاديا تكامليا اندماجيا، معتبرا أن هذا الأمر سيدفع بالدول الأخرى إلى أن تحذو حذوها.

وأكد أنه "لا يمكن تصور أن مجرد انسحاب هذه الدول الثلاث قد يؤدي إلى انفراط هذا العقد الجيوسياسي القائم، بل هناك عدة عوامل تدفع إلى بقائه واستمراره في هذه المنطقة". 

وسجل أن "انسحاب الدول الثلاث سيكون له تأثير محدود، خصوصا إذا وضعنا في الحسبان الزمن الممتد أو المستقبل، لأن هذه الحكومات العسكرية الانتقالية يمكن أن تنسحب أو على الأقل أن تبقى في السلطة لمدة محددة، لكنها في الأخير ستنسحب وتفتح المجال لغيرها".

وأردف قائلا: إنه "مع الزمن يمكن حتى لتلك الدول التي انسحبت أن تعود لمنظمة إيكواس بحكم الروابط الجغرافية والتاريخية والثقافية والاقتصادية التي قد تدفعها إلى أن تبقى منضوية تحت لواء إيكواس". 

وخلص با، إلى أن انسحاب هذه الدول “قد يؤثر في الجوانب الاقتصادية للمنظمة”، مستدركا: "لكن في العموم لا أظن أن تأثيره سيكون كبيرا، خاصة وأن هناك مجموعة من المؤشرات توحي بأنه لا يُستبعد أن تعود دول تحالف الساحل مستقبلا إلى منظمة إيكواس".