غزة أحد الأسباب.. لماذا جمد ترامب مساعدات بلاده لجنوب إفريقيا؟

نفى رامافوزا أن تكون حكومته تمارس أي تمييز فيما يتعلق بالأراضي
رأى مسؤول سابق في إدارة الزعيم الجنوب إفريقي الراحل نيلسون مانديلا أن هجوم الرئيس دونالد ترامب على بريتوريا جعل العلاقات مع واشنطن في أسوأ حالاتها منذ عقوبات 1986 على نظام الفصل العنصري.
وفي مقال نشرته مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية، قال جون ماتيسون -الذي ترأس مشروع الانتخابات التابع للأمم المتحدة في أفغانستان- إن "ترامب وجنوب إفريقيا على مسار تصادمي؛ حيث يدور الخلاف حول قانون جديد لمصادرة الأراضي، مما دفع واشنطن إلى قطع المساعدات".
وأضاف: "من المرجح أيضا أن يقلص البيت الأبيض مشاركته في قمة مجموعة العشرين للعام 2025، التي يستضيفها الرئيس الجنوب إفريقي، سيريل رامافوزا، في جوهانسبرغ خلال نوفمبر/تشرين الثاني".
وأخيرا، أعلن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، أنه لن يحضر الاجتماع التحضيري لوزراء خارجية مجموعة العشرين، كعلامة على الاحتجاج.
اختبار للائتلاف الحاكم
وفي جنوب إفريقيا، يأتي هذا الخلاف بعد 7 أشهر من تشكيل حكومة ائتلافية تختبر قدرة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC) -الذي قاد حركة التحرير سابقا- على العمل مع شريكه، التحالف الديمقراطي (DA) المؤيد بشدة للغرب، والذي يمثل نحو 90 بالمئة من الناخبين ذوي البشرة البيضاء.
واختار حزب "المؤتمر الوطني الإفريقي" بقيادة "رامافوزا"، الائتلاف مع "التحالف الديمقراطي" بدلا من ثالث ورابع أكبر حزبين.

وهما حزبان منشقان عن "المؤتمر الوطني الإفريقي" يمثلان الناخبين ذوي البشرة السمراء، ويتبنيان مواقف مناهضة للغرب؛ إذ يتهمان الرئيس بعدم معالجة مطالب السود التاريخية بشأن الأراضي، وفي ظل هذا الضغط السياسي الشديد، قدم "المؤتمر الوطني الإفريقي" قانون المصادرة على أمل إرضاء جميع الأطراف.
ووفق الكاتب، يعتمد نجاح الحكومة الائتلافية على قدرتها على استعادة النمو الاقتصادي والحد من ارتفاع معدلات البطالة بعد 15 عاما من الركود.
وبدأ الخلاف عندما صرّح ترامب بأن "أمورا مروّعة تحدث في جنوب إفريقيا، فهم يصادرون الأراضي، بل ويفعلون ما قد يكون أسوأ من ذلك".
وفي الوقت ذاته، فإن إيلون ماسك الملياردير الأميركي المولود في جنوب إفريقيا ورئيس وزارة الكفاءة الحكومية في إدارة ترامب، اتّهم بريتوريا بعدم بذل جهد كافٍ لوقف ما وصفه بـ "إبادة جماعية" تستهدف المزارعين البيض.
أعقب ترامب ذلك بإصدار أمر تنفيذي في 7 فبراير/شباط، زاعما أن القانون الجديد يسمح للحكومة "بمصادرة ممتلكات المزارعين الأفريكانيين، وهم أقلية عرقية، دون تعويض".
ونتيجة لهذه "الممارسات الجائرة وغير الأخلاقية" -وفق وصف ترامب- جمّد الأمر جميع المساعدات الأميركية لجنوب إفريقيا، وتعهد بـ"دعم إعادة توطين اللاجئين الأفريكانيين الفارين من التمييز العرقي الذي ترعاه الحكومة".
بدوره، نفى رامافوزا أن تكون حكومته تمارس أي تمييز، وقال أمام البرلمان: "لا توجد مجموعة واحدة تواجه الاضطهاد".
وأضاف: "نشهد تصاعد النزعة القومية والحمائية، والسعي وراء المصالح الضيقة، وتراجع التضامن المشترك، لكننا لا نشعر بالرهبة، لن نتراجع ولن نخضع للترهيب، ونحن شعب صامد".
وقال ماتيسون: "يبدو أن هجوم ترامب جاء ردًّا على القانون الجديد، رغم أنه لم يُنفَّذ أي إجراء بموجبه حتى الآن، واستشهدت مجموعة ضغط تعارضه بحالة واحدة فقط تعود إلى عام 2018؛ حيث استولى مسؤول محلي على مزرعة لكنه أجبر على إعادتها بعد أمر قضائي".
من جانبه، لجأ "التحالف الديمقراطي" إلى المحكمة لمراجعة دستورية القانون، وهو يتمتع بسجل قوي في كسب معظم الطعون القانونية.
ومع ذلك، وقفت جميع الأحزاب الكبرى إلى جانب الحكومة في مواجهتها مع ترامب.
ويرجع ذلك في جزء منه إلى أن قراره جاء مباشرة بعد تجميد برنامج "بيبفار" التابع للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، الذي يدعم علاج فيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز”.
وتتحمل جنوب إفريقيا تكلفة علاج ستة ملايين مريض، لكن برنامج "بيبفار" يسهم بنسبة حيوية تبلغ 17 بالمئة، تغطي تكاليف الطاقم التمريضي، ومراقبة الجودة، وعناصر أساسية أخرى.
وبعد فترة وجيزة من احتجاج الكوادر الطبية، التي حذرت من أن مرضى الإيدز قد يواجهون خطر الوفاة إذا توقفوا عن تناول أدويتهم بانتظام، أعلن روبيو عن منح استثناء. ومع ذلك، تؤكد مصادر من الجهات المنفذة للبرنامج أنه لم يُستأنف بعد.
نظام ملكية الأراضي
ويكمن وراء هذه المواجهة الخطابية أحد أخطر المعضلات التي لم تُعالج بعد من إرث الفصل العنصري.
فكما هو الحال في جارتها الشمالية زيمبابوي، كان استعادة الأراضي التي استولت عليها الحكومات البيضاء أحد الأهداف الرئيسة لحركة مناهضة الفصل العنصري.
لكن كلّا من زيمبابوي وجنوب إفريقيا لم تبذلا جهدا كافيا بعد التحرر لتنفيذ تلك السياسات، إلى أن فرضت موجة من المشاعر الشعبية نفسها سياسيا، وفق الكاتب.
وفي زيمبابوي، أُجبرت الحكومة على الاستجابة لمطالب شعبية باستعادة الأراضي عبر إقرار اجتياحات للمزارع، أسفرت عن مقتل نحو 8 مزارعين. وبعد ربع قرن، لا يزال اقتصاد زيمبابوي يعاني من تبعات تلك السياسات.
ويُجمِع معظم الأحزاب السياسية والمجموعات ذات المصالح في جنوب إفريقيا على أن إصلاح نظام ملكية الأراضي ضرورة ملحة.

ويحل قانون المصادرة الجديد محل قانون يعود إلى حقبة الفصل العنصري، ويجيز المصادرة للمنفعة العامة.
لكنه يهدف أيضا إلى تصحيح قرون من التمييز، لا سيما قانون الأراضي لعام 1913، الذي حرم السكان السود في جنوب إفريقيا من الوصول إلى معظم الأراضي الزراعية.
وينص القانون على تحديد التعويض وفق معايير محددة، وإذا كانت الأرض غير مستغلة أو جرت حيازتها بطرق غير مشروعة أو كانت مملوكة للدولة، فقد يكون التعويض أقل. وفي بعض الحالات، قد تُنقل الملكية دون تعويض.
وسمع ترامب عن الجدل لأول مرة خلال ولايته الأولى، بعد حملة ضغط قادتها مجموعة المزارعين البيض في جنوب إفريقيا "أفري فورم"، التي التقت بالسيناتور تيد كروز (جمهوري عن ولاية تكساس) وظهرت في برنامج الإعلامي الشهير تاكر كارلسون.
وفي عام 2025، لا يزال نحو 70 بالمئة من الأراضي بيد البيض، الذين يشكلون 7 بالمئة من إجمالي السكان.
وبعد وقت قصير من انتقادات ترامب، أوضحت منظمة "أفري فورم" أنها تعارض الإجراءات العقابية التي اتخذها، وانضمت إلى معظم منظمات المزارعين في التأكيد على رغبتها في البقاء في جنوب إفريقيا وخوض هذه المعركة للحفاظ على أراضيها.
دعم غزة
وأفاد الكاتب بأن “رامافوزا حاول التواصل مع ترامب وأعلن أن وفدا سيتوجه قريبا إلى واشنطن في محاولة لتهدئة التوترات”.
لكن الجدل حول المزارعين البيض قد يكون أسهلَ حلٍّ مقارنة بمصدر آخر لاستياء ترامب؛ إذ اتهم الأمر التنفيذي جنوب إفريقيا باتخاذ "مواقف عدائية تجاه الولايات المتحدة وحلفائها، بما في ذلك اتهام إسرائيل -وليس حركة (المقاومة الإسلامية) حماس- بارتكاب إبادة جماعية أمام محكمة العدل الدولية، وإعادة تنشيط علاقاتها مع إيران لتطوير ترتيبات تجارية وعسكرية ونووية".

ونهاية ديسمبر/ كانون الأول 2023، رفعت جنوب إفريقيا دعوى قضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية على أساس أنها انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948 بشأن منع الإبادة الجماعية.
وطلبت من محكمة العدل الدولية أن تبتّ في الإجراءات الاحترازية؛ نظرا لخطورة الوضع في غزة.
وأمرت المحكمة إسرائيل باتخاذ إجراءات لمنع الإبادة الجماعية في غزة والتحريض المباشر عليها، في 26 يناير/ كانون الثاني 2024، ورفضت في حكمها الطلب الإسرائيلي برفض الدعوى التي أقامتها جنوب إفريقيا.
وقال الكاتب: "يُعرف رامافوزا بمهاراته التفاوضية منذ كان زعيما نقابيا، وخلال مفاوضاته مع الحكومة البيضاء التي أفضت إلى دستور ديمقراطي".
واستدرك: "لكن إذا كان المطلوب منه التخلي عن قضية جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، فقد يكون ذلك سياسيا صعبا؛ نظرا لجذور التعاطف التاريخي لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي مع فلسطين، منذ أن كان هو الآخر في موقع المستضعف".
ولم يتوصل الائتلاف الحاكم بعد إلى سياسة خارجية متفق عليها، في حين يُعرف حزب "التحالف الديمقراطي" بمواقفه المؤيدة لإسرائيل تاريخيا.
لكن بعض قادة حزب "المؤتمر الوطني الإفريقي" يعدون قضية فلسطين خطا أحمر قد يهدد استقرار الائتلاف. وختم الكاتب قائلا: “لا يزال رامافوزا يأمل في تسوية الخلاف مع واشنطن”.
فقبل هذا التصعيد، دعا رامافوزا الرئيس الأميركي لإجراء زيارة رسمية تسبق قمة العشرين، ولا يزال يسعى لإقناعه بالحضور، لكن ذلك يبدو صعبا في ظل التوبيخ الذي يطلقه ترامب وروبيو".