الجزائر تعرض معادنها أمام واشنطن.. لتغيير موقفها من الصحراء أم للرد على فرنسا؟

التحولات في السياسة الخارجية الجزائرية تُظهر رغبة في بناء تحالفات جديدة
عرضت الجزائر معادنها أمام الاستثمار الأميركي، وهي الخطوة التي خلفت تحليلات مختلفة، تتعلق أساسا بالأزمة مع فرنسا وكذا بموقف واشنطن من قضية الصحراء الغربية.
حيث قال صبري بوقادوم، السفير الجزائري بالولايات المتحدة الأميركية، إن بلاده "مستعدة للتحدث" مع الولايات المتحدة بشأن مواردها الطبيعية الوفيرة والمعدنية الحيوية المطلوبة عالميا.
وأشار بوقادوم في حوار مع موقع "DEFENSESCOOP" الأميركي، يوم 7 مارس/آذار 2025، إلى أن البلاد جاهزة لاستضافة مراكز البيانات "بتكلفة أقل" من الخيارات الحالية.
وقال بوقادوم: "دعوني أقل بوضوح تام، كدبلوماسي أجنبي، لا تنسوا أنه ليس لدينا تفضيلات. لذلك نحن نعمل مع كل إدارة. بالطبع، نحاول تقديم إمكاناتنا للإدارة الجديدة مع الرئيس ترامب".
وتابع: "الرئيس ترامب قال إنه يؤيد الصفقات. لذلك، سنحاول مساعدة الإدارة الأميركية على رؤية مزايا العمل مع الجزائر".
من جانب آخر، يُعد تبادل المعلومات الاستخباراتية البحرية والمبيعات العسكرية الأجنبية الجديدة من المجالات الأولى التي تهمّ الطرفين للعمل معا، حيث أشار بوقادوم إلى أن من بين المجالات الأخرى عمليات البحث والإنقاذ وجهود مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل وما حولها.
وكان قادة عسكريون من البلدين قد وقعوا على مذكرة التفاهم في 22 يناير/كانون الثاني 2025، بعد سنوات من المفاوضات، والتي تُمثّل التزاما رسميا من البلدين بتعزيز التعاون الثنائي الوثيق بين قواتهما.
وعلى الرغم من أن مذكرة التفاهم الجديدة قد تم التوصل إليها إلى حد كبير في ظل إدارة بايدن، إلا أن السفير الجزائري أعرب عن ثقته في أن العلاقات الأميركية الجزائرية ستظل قوية خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب.
ولم يُفصح بوقادوم فورا عن آخر المستجدات بشأن المبيعات العسكرية الأجنبية المُحتملة. ومع ذلك، أكّد أن ممثلين من الولايات المتحدة والجزائر يُشكّلون ثلاث مجموعات عمل جديدة لوضع خطة تنفيذ مذكرة التفاهم وتحديد خطواتهم التالية.
وقال السفير ردا على سؤال حول أولويات الجزائر في توسيع تعاونها العسكري: "لا حدود للطموحات".
إلى جانب ذلك، وقعت وزارة الطاقة الجزائرية في 22 يناير 2025 اتفاقية مع مجموعة شيفرون الأميركية للطاقة، لتقييم إمكانات موارد النفط والغاز البحرية في الجزائر بهدف تمهيد الطريق لمشاريع استكشاف وتطوير مستقبلية تهدف إلى تثمين موارد المحروقات الجزائرية.
وشكل اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء في ديسمبر/كانون أول 2020 منعطفا تاريخيا في مسار القضية، ولقي ترحيبا واسعا على المستوى الدولي، خاصة بعد اتخاذ دول أوربية رئيسة لنفس الموقف، كفرنسا وإسبانيا.
وتبقى قضية الصحراء الغربية محور توتر مستمر في العلاقات المغربية الجزائرية، وتلقي بظلالها على الاستقرار الإقليمي في المنطقة المغاربية، رغم الدعوات المتكررة لتجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من التعاون الإقليمي.
ويقترح المغرب حكما ذاتيا موسعا لإنهاء الصراع القائم حول المنطقة منذ 1975، فيما تطالب جبهة "البوليساريو" الانفصالية بحق تقرير المصير، مدعومة من الجزائر، والتي تستقبل على أراضيها مخيمات تندوف للاجئين الصحراويين، كما تساند الجبهة دبلوماسيا وماليا وعسكريا.

تنازلات جزائرية
قال موقع "الصحراء ويكيليكس" الصحراوي، إن "الجزائر تقدم تنازلات كثيرة وتضحي بثروات الوطن مقابل إرضاء رجل الأعمال الشره"، في إشارة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وأضاف الموقع في افتتاحية يوم الجمعة 14 مارس 2025، "المصيبة أن أميركا حتى كتابة هذه الأسطر تتجاهل العرض الجزائري، الذي يبدو في صورته كتضحية لأجل سواد أعيننا كشعب صحراوي، ووجب منا أن نمتن له وأن نقدسه ونقدره".
واستدرك: "لكن في جوهره هو مجرد عرض لإنقاذ ماء وجه النظام الجزائري الحالي الذي خسر كل شيء، ويرى في العلاقات مع أميركا البطاقة الرابحة التي ستصلح كل شيء".
من جانبه، قال الخبير الإعلامي والمحلل السياسي المتخصص في الشأن الجزائري، أحمد الدافري، إن بوقادوم، يريد أن يقول لإدارة ترامب إن "الجزائر مستعدة كي تمنح الولايات المتحدة الأميركية المعادن النادرة التي توجد في باطن أراضيها".
وتابع الدافري لموقع "Le12" المغربي، 09 مارس 2025، "يتضح ذلك من خلال تصريح بوقادوم بأن الجزائر "مستعدة للتحدث" مع الولايات المتحدة حول الموارد المعدنية الطبيعية الوفيرة والمهمة التي تتوفر عليها، والتي هي مطلوبة عالميا".
وأضاف، "الجزائر تذل نفسها، وتعرض مواردها المعدنية على أميركا، كي تغريها، وتدفعها زعما إلى التراجع عن اعترافها بمغربية الأقاليم الجنوبية الصحراوية في الساقية الحمراء ووادي الذهب".
وخلص الخبير الإعلامي والمحلل السياسي المتخصص في الشأن الجزائري، إلى القول إن "النظام الجزائري ومن أجل تحقيق حلمه مستعد أن يصبح مستعمرة أميركية. إنه نظام بلا مواقف ولا وزن ولا هيبة"، وفق تعبيره.
تصحيح للمسار
بخلاف هذا التفسير، يرى المحلل السياسي الجزائري حكيم بوغرارة، أنه مع بداية العهدة الثانية لترامب يبدو أن الولايات المتحدة تريد بناء شراكة إستراتيجية طويلة الأمد مع الجزائر، نظرا لمكانتها ودورها الإقليمي وحيادها في التعامل مع الأزمات الدولية.
وأشار بوغرارة لموقع "الجزيرة نت" القطري، إلى أن العلاقات الجزائرية الأميركية تحمل قدرا كبيرا من الاحترام والتقدير تاريخيا.
ونوه إلى أن السياسة والمصالح متغيرة ونسبية، وهذا يفسر كيف أن العلاقات الجزائرية الأميركية التي كانت خجولة خلال العهدة الأولى لترامب قد تطورت بشكل ملحوظ اليوم.
وأردف المحلل السياسي: "فالولايات المتحدة تراجع سياساتها، وتُصحح مساراتها، وتسعى إلى بناء شراكات جديدة وفق مستجدات المشهد الدولي، وهذا ما حدث مع الجزائر".
وقال بوغرارة: إن "الإدارة الأميركية تبحث اليوم عن دول قوية اقتصاديا ومؤثرة إقليميا، وهو ما ينطبق على الجزائر، خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب والقضية الفلسطينية وأمن الطاقة"، وفق تعبيره.
واستبعد المتحدث ذاته أن يكون هناك أي تعليق سلبي من شركاء الجزائر التقليديين سواء من الصين أو روسيا أو غيرهما حول هذا التقارب الجزائري الأميركي، إذ تعتمد سياسة الرئيس عبد المجيد تبون، برأيه، على تنويع الشراكات، مقدرا أن الجزائر دولة ذات سيادة وترفض التدخل في شؤونها الداخلية.

بيع للثروات
شنّ القيادي في الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية، الشيخ علي بلحاج، هجوما حادا على تصريحات السفير الجزائري صبري بوقادوم في واشنطن، والتي تحدث فيها عن استعداد الجزائر للتفاوض مع الولايات المتحدة بشأن الاستثمار في قطاع المعادن.
ورأى بلحاج، في تصريح صحفي، أن ما يحدث هو "بيع لثروات الجزائر في سوق النخاسة"، متسائلا: “كيف يجرؤ سفير على عرض ثروات الأمة وكأنها ملك شخصي؟ وكيف يصمت الجميع: الرئاسة، وزارة الخارجية، الطبقة السياسية، والبرلمان؟!”
وأضاف: “هذا الصمت مريب، ويجب أن نندد به! بدل أن تقاطع الجزائر أميركا بسبب جرائمها في غزة، نجدها تمد يدها لها وتعرض عليها ثرواتنا النفيسة! أليس هذا تناقضا صارخا مع الشعارات التي يرفعها النظام؟”
وذكّر الشيخ علي بلحاج بأن الجزائر كانت حتى وقت قريب "ترتمي في حضن بوتين"، وأعطته كل شيء، والآن "لم يبقَ لهم إلا المعادن التي تكتنزها الجزائر".
وأضاف بغضب: "هذه ثروات الأمة والأجيال المقبلة، وهؤلاء لا يفكرون إلا في أنفسهم!".
وهاجم بلحاج بوقادوم، معتبرا أنه جزء من "العصابة الغالبة"، حيث قال: “بوقادوم كان وزيرا للخارجية في عهد بوتفليقة، ثم أعطوه سفيرا في أهم سفارة! كيف يُترك شخص كهذا ليقرر في مصير المعادن الإستراتيجية للبلاد؟”
وحذّر بلحاج من خطورة "حرب المواد الخام النادرة"، معتبرا أن ما يجرى قد يكون جزءا من "صفقات سرية" تمت بين الجزائر وقيادة الأفريكوم، مستشهدا بالاتفاق العسكري الذي وقعه رئيس الأركان سعيد شنقريحة مع الجانب الأميركي.
واستنكر حالة القمع السياسي في الجزائر، بالقول: "يُمنع الشعب من التظاهر والمسيرات، وتُكمم الأفواه، وبينما الناس منشغلون في هذا الشهر الفضيل بالعبادة والصيام يتم بيع ثروات الجزائر في الخفاء دون أي محاسبة!".
وأنهى تصريحه الصحفي بالمطالبة بـ "سحب السفير فورا"، وفتح تحقيق شفاف في هذه القضية، مؤكدا أن "هذا النظام مستعد لبيع خيرات الجزائر فقط ليبقى في الحكم، بينما الشعب الجزائري يعاني، وأهلنا في غزة يموتون جوعا!"، وفق تعبيره.

الأزمة مع فرنسا
رأى الخبير الأمني الجزائري المنشق عن النظام كريم مولاي، أن تعزيز العلاقات الجزائرية مع الولايات المتحدة يأتي في جزء كبير منه نتيجة التوترات المستمرة في العلاقات بين الجزائر وفرنسا، ومحاولة جزائرية للضغط على باريس.
ويعتقد مولاي لموقع "عربي21"، 15 مارس 2025، أن التحولات في السياسة الخارجية الجزائرية تُظهر رغبة في الابتعاد عن الهيمنة الفرنسية التقليدية والتركيز على بناء تحالفات جديدة، بما في ذلك مع الولايات المتحدة.
واسترسل، كما أنها تعكس أيضا محاولة لإظهار أن الجزائر تواجه ضغوطا كبيرة من قوى استعمارية لها تاريخ سلبي لدى الرأي العام الجزائري، بما يخفف من حجم الضغوط الداخلية التي تواجهها السلطات الجزائرية اقتصاديا وسياسيا.
وقال: "تعد الجزائر وفرنسا جارتين تاريخيتين، ولكن العلاقات بين البلدين كانت دائما متوترة بسبب الماضي الاستعماري الفرنسي في الجزائر، إذ كانت الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي لمدة 132 عاما (1830-1962)، وهو ما ترك آثارا عميقة في العلاقات بين البلدين".
وأردف، "ورغم الاستقلال الذي حققته الجزائر في عام 1962، إلا أن قضايا مثل الذاكرة التاريخية، والذاكرة الاستعمارية، والاعتراف بالجرائم المرتكبة خلال الحقبة الاستعمارية، لا تزال تثير التوترات بين الطرفين".
واسترسل: "في السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات بين الجزائر وفرنسا توترا متزايدا في ضوء قضايا سياسية واقتصادية وأمنية، وعلى رأس هذه القضايا موقف باريس من مصير الصحراء الغربية والعلاقات مع المغرب، ما دفع الجزائر إلى البحث عن علاقات إستراتيجية جديدة مع قوى عالمية مثل الولايات المتحدة وروسيا".
وأكد مولاي، أنه "من خلال مذكرة التفاهم العسكرية الموقعة بين الجزائر والولايات المتحدة في يناير 2025، يظهر أن الجزائر تسعى لتوسيع آفاق تعاونها الأمني والعسكري مع واشنطن، والآن هناك توجه لفتح معادن الجزائر إلى الاستثمار الأميركي، الذي يركز عليه الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب".
وأضاف: "على الرغم من التوترات مع فرنسا، فإن الجزائر لا تنوي قطع علاقاتها مع باريس بشكل كامل. فالعلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين تظل مهمة".
ويعتقد مولاي أن "الجزائر لن تذهب بعيدا في التصعيد ضد باريس، وإنما هي تسعى لتحقيق موازنة بين التعاون مع القوى الغربية مثل الولايات المتحدة وبين الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع فرنسا"، وفق تعبيره.

تقدير موقف
قال الباحث محمد قواص، إن العرض الجزائري يأتي وسط ضغوط تمارسها واشنطن على كييف بشأن اتفاق المعادن النادرة، والذي يضاف إلى سلسلة تطوّرات حصلت خلال الأشهر الأخيرة، تشي بتوجه جزائري جديد باتجاه واشنطن وسط توتر مع موسكو وابتعاد عن باريس.
ورجح قواص في "تقدير موقف" نشره مركز تقدم للدراسات -مقره لندن-، 15 مارس 2025، أن "تكون حوافز الجزائر مدفوعة بحسابات على علاقة بالنزاع مع المغرب بشأن الصحراء الغربية".
وتابع: "فقد سبق لترامب أن اعترف بمغربية الصحراء واعدا بفتح قنصلية لبلاده في مدينة الداخل في الصحراء وبإدراج جبهة بوليساريو، التي تدعمها الجزائر، على لوائح الإرهاب، ولذلك تسعى الجزائر إلى تخفيف اندفاعة واشنطن باتجاه خيارات الرباط في مسألة الصحراء".
وذكر الباحث أن "الجزائر تملك 20 بالمئة من الاحتياطات العالمية للأتربة النادرة. وتقدر التقارير الرسمية الجزائرية عدد المواد المعدنية المستغلة بـ31 مادة من مجموع 1400 مستثمرة على المستوى الوطني".
وأوضح قواص أن "مراقبين للشؤون الأميركية يعتقدون أنه بالرغم من موقف ترامب من قضية الصحراء والذي ارتبط بانضمام المغرب إلى اتفاقات أبرهام عام 2020، فإن لواشنطن مصلحة في تعزيز التعاون الاقتصادي مع الجزائر على نحو مكمّل لمستويات التعاون التي تحققت بين البلدين في السنوات الأخيرة".
ونبه إلى أن "بعض الملفات قد تقف عائقا أمام انسيابية تطور العلاقات بين الجزائر وواشنطن، منها العلاقة مع إيران وموقف الجزائر من ملفات أخرى مثل السودان".
ورأى أن "تبدّل الموقف الجزائري الإستراتيجي بشأن مسألة التطبيع مع إسرائيل، هو تراجع تكتيكي هدفه إزالة أسباب أي معوقات أيديولوجية تحول دون تقدم العلاقات مع واشنطن".
وشدد قواص أن "الجزائر تعمل على تطوير علاقاتها مع الولايات المتحدة، بما في ذلك في القطاع العسكري، في سعيّ لأخذ مسافة من حليفتها روسيا بسبب توتّر في العلاقات مع موسكو لتنافر المصالح الروسية الجزائرية في منطقة الساحل الإفريقي".
وخلص إلى أنه من المستبعد أن تغادر الجزائر بشكل انقلابي اصطفافها التقليدي داخل المعسكر الشرقي، إلا أنها ستستخدم علاقاتها مع واشنطن لتقوية أوراقها أمام روسيا.
المصادر
- Algeria’s ambassador to the US on new bilateral military plans: ‘The sky is the limit’
- النظام الجزائري يعرض على أمريكا ثرواته النادرة بعد فشل صفقة المعادن النادرة بين “زيلينسكي” و نسور واشنطن …
- بريزن شارجالجزائري بوقادوم يعلن إستعداد الجزائر منح أمريكا المعادن وركوع الكابرات لترامب
- بالتلويح بالمعادن النادرة.. كيف تطوّر الجزائر علاقاتها مع واشنطن؟
- ما مستقبل الشراكة بين أميركا والجزائر بعد عودة ترامب؟
- هل ترد الجزائر على فرنسا بتعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية؟