"أهداف متعددة".. لماذا سعت إيران إلى تحشيد كل أذرعها لتشييع نصر الله؟

اتهامات بتهريب أموال إلى حزب الله عبر مسؤولين عراقيين وإيرانيين
لم ترد إيران أن يكون تشييع زعيم "حزب الله" اللبناني السابق حسن نصر الله، حدثا عاديا في لبنان خصوصا والمنطقة عموما، بل سعت بكل قوتها إلى جعله فعالية استثنائية، بعد حرب طاحنة مع الاحتلال الإسرائيلي، تسبب بتدمير غير مسبوق للحزب.
تشييع نصر الله بهذه الصورة في 23 فبراير/ شباط 2025، أي بعد نحو خمسة أشهر على مقتله بهجمات صاروخية إسرائيلية على لبنان، أثار العديد من التساؤلات الملحة عن الدور الإيراني في التحشيد للتشيع بالعاصمة بيروت، والهدف من وراء ذلك في هذا الوقت؟
"حشد مليوني"
ورغم أن ملعب مدينة "كميل شمعون" الرياضية في بيروت الذي جرت فيه مراسيم التشييع يتسع لنحو 50 ألف متفرج فقط وهو أكبر ملاعب لبنان، فإن موالين لإيران تحدثوا عن "حشد مليوني" حضر لتوديع نصر الله ورفيقه هاشم صفي الدين بوصفه أمينا عاما سابقا للحزب.
وكتب ناشط يطلق على نفسه اسم "منير الخطير" على منصة "إكس" قائلا: "اللي يقولك حزب الله انتهى، قوله عندها مليونية تشييع حسن نصر الله وهاشم صفي الدين.. احذر يا (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو الملايين خرجوا لوداع سيد المقاومة اللبنانية ورفيق دربه".
وفي السياق ذاته، كتب أيضا الإعلامي العراقي، علي فاهم، أن "عدد الوافدين إلى لبنان من البلدان العربية لحضور تشييع سماحة السيدين العزيزين حتى اللحظة: رغم عرقله مجيء مئات الآلاف من إيران، هم 140 ألف من العراق، و106 آلاف من إيران، و18 ألفا من الكويت، و9 آلاف من البحرين".
وأضاف فاهم خلال تدوينة على "إكس" في 21 فبراير، أن "سلطنة عُمان جاء منها 9 آلاف، واليمن 27 ألفا، أما الأعداد الأخرى من بلدان الدول يصل إلى 80 ألفا"، زاعما أن "الحضور من 90 دولة".
وفي السياق ذاته، كتب الإعلامي العراقي، الموالي لإيران، أحمد الذواق، أن "العالم سيشهد أكبر مظهر لتجليات قوة الشيعة والمقاومة، عندما تجتمع الملايين من داخل لبنان والتي حجَّت إليه لتشييع السيدين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، بالدمع والمشاعر والهتافات الصادقة".
وأضاف في تدوينته على "إكس" في 22 فبراير، قائلا: "سيعرف العالم حجم قوة الشيعة والمقاومة، وسيعرف مَن المنتصر".
من جهته، قال المدوّن الحوثي من اليمن فؤاد الزبيري، على منصة "إكس" في 23 فبراير، عن الحشد الذي حضر في الملعب، إن "هذا التشييع ليس مجرد وداع، بل هو تجديد للعهود".
وحضر التشييع رسميا رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، والوزير محمد حيدر ممثلا عن رئيس الحكومة، فيما اقتصر التمثيل الرسمي الخارجي، على رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد قاليباف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
وبصفة شخصية، شارك نعيم العبودي وزير التعليم العراقي القيادي في مليشيا "عصائب أهل الحق"، إضافة إلى العديد من الشخصيات السياسية والنواب الشيعة الحاليين والسابقين في برلمان العراق.
لكن غابت عن التشييع كل قيادات المليشيات العراقية واليمنية الموالية لإيران، أو أي شخصية عسكرية إيرانية بارزة سواء قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني أو الحرس الثوري، وغيرهم ممن كانوا على علاقة مع حزب الله اللبناني، وزعيمه السابق بشكل خاص.
دور إيراني
ومنذ مطلع فبراير 2025، حدد أمين عام حزب الله اللبناني نعيم قاسم، يوم 23 من الشهر ذاته موعدا لتشييع سلفه حسن نصر الله، ومن وقتها بدأ التحشيد من شخصيات ووسائل إعلام موالية لإيران بضرورة السفر إلى لبنان من أجل حضور الفعالية.
وبعد أزمة الطيران وتعليق الرحلات مؤقتا بين لبنان وإيران، بسبب شبهات نقل أموال إلى "حزب الله"، بدأت طهران تنقل المسافرين الذاهبين إلى بيروت عن طريق الطيران المدني العراقي، وذلك بجعل بغداد محطة رئيسة لكل أذرع الجمهورية الإسلامية في المنطقة.
وقال الكاتب والإعلامي العراقي، عثمان المختار على "إكس" في 21 فبراير: "وصل العراق خلال يوم نحو 30 عنصرا من مليشيا الحوثي، وبعد يوم غادروا إلى لبنان على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية مع قيادات بمليشيات الحشد الشعبي. بغداد تحولت لمحطة رئيسة لكل أذرع إيران".
هذا الأمر أكدته صحيفة "الأخبار" اللبنانية التابعة لـ "حزب الله"، والتي أفادت بوصول طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية صباح 20 فبراير إلى مطار بيروت، حملت على متنها مواطنين لبنانيين علقوا في إيران نتيجة رفض الحكومة اللبنانية استقبال طائرات تابعة للطيران الإيراني.
وأوضحت أن شركة "مهان" الإيرانية نقلت الركاب اللبنانيين إلى مطار بغداد، ومن هناك كان من المفترض أن يعودوا إلى لبنان على متن طائرات طيران الشرق الأوسط اللبنانية، ولكنها رفضت أن يحمل الركاب معهم أي أمتعة، وطلبت نقلهم إلى لبنان من دون أيّ حقائب.
وبدأت أزمة الرحلات بين إيران ولبنان، في 3 يناير/كانون الثاني، بعدما منعت السلطات اللبنانية دبلوماسيا إيرانيا من دخول البلاد، قادما على متن طائرة إيرانية.
وجاء ذلك بعد رفضه تفتيش حقيبته الدبلوماسية، لاتهامات بنقل الجانب الإيراني أموالا إلى "حزب الله".
لكن السفارة الإيرانية في بيروت قدمت شرحا مفصلا عبر وزارة الخارجية اللبنانية، إذ أكدت في حينها أن الأموال الموجودة في الحقائب هي لتسديد نفقات تشغيلية خاصة بالسفارة، وأنها تتضمن وثائق ومستندات مالية ولا علاقة لها بأي شحنات موجهة إلى حزب الله.
بناءً على هذا التوضيح، جرى السماح للحقيبتين بالمرور وفقا لأحكام اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، التي تمنح الحصانة الدبلوماسية للمسؤولين.
وفي 14 فبراير، جرى تعليق استقبال أي طائرات إيرانية في مطار رفيق الحريري الدولي بالعاصمة اللبنانية بيروت، وذلك بعد اتهامات إسرائيلية لإيران بتهريب أموال إلى "حزب الله" اللبناني عبر رحلات الطيران المدني بين البلدين، والتهديد باستهدافها.

"تهريب الأموال"
وبخصوص الرحلات من بغداد إلى لبنان، أعلنت وزارة النقل في 19 فبراير، عن زيادة عددها إلى العاصمة بيروت بدءا من 21 فبراير بواقع رحلتين يوميا حتى تصل إلى 36 رحلة خلال الشهر نفسه فقط، وأن عدد المسافرين سيتجاوز 6 آلاف مسافر.
وفي هذه النقطة تحديدا، رأى البعض أن واحدا من أسباب التحشيد للتشييع كان إيجاد غطاء لإيصال أموال إلى حزب الله عبر سفر بعض المسؤولين الإيرانيين والعراقيين، بعدما تقطعت كل السبل خصوصا بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد بسوريا في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
وذكر حساب "عراقي أوسنت" (Iraqi Osint) على منصة "إكس" في 22 فبراير، إن "العراق يرسل 70 مليون دولار إلى حزب الله في أسبوعين فقط، ويُنقل كبار القادة إلى جنازة نصر الله على متن طائرة رئاسية".
وهنا، ذكر المحلل السياسي العراقي، أحمد العلواني، أن "الأموال وزعت بين كل من يحمل جواز سفر دبلوماسي عراقي وذهب إلى لبنان وبواقع 13 ألف دولار لكل شخصية تحمل هذا النوع من الجوازات كونه يتيح له قانونا حمل هذا المبلغ، وبذلك لا يعد تهريبا على الصعيد القانوني".
وأوضح العلواني خلال مقابلة على قناة "وان نيوز" العراقية في 24 فبراير، أن "هذه الشخصيات جرى تصوريها وهي تحمل هذه المبالغ، وأن رئيس الوزراء (العراقي) محمد شياع السوداني، ربما لا يكون على علم بذلك".
وفي 24 فبراير 2025، قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، إن "حزب الله انقطعت موارده القادمة من إيران، ومن سوريا الجديدة التي فرضت قيودا على مصادر تمويله، في حين يطالب أتباعه وأقارب القتلى الذين سقطوا في الحرب بإعادة بناء منازلهم وتوفير المعاشات".
ونقلت الصحيفة عن مسؤول في مؤسسة "القرض الحسن" (لم تسمه) أن "لجانا تابعة للتنظيم (حزب الله) قيمت مئات الآلاف من المنازل المتضررة، وأصدرت 630 مليون دولار في شكل تعويضات عن الخسائر أو الأضرار".
وفي يناير 2025، ذكرت صحيفة "الأخبار" اللبنانية عن مصادر وصفتها بالمطلعة أن مجموع ما سدّده حزب الله حتّى الآن من بدلات الإيواء وتعويضات الترميم وسواها، بلغ 400 مليون دولار لنحو 140 ألف متضرر.
ووعد نعيم قاسم، في ديسمبر 2024، بدفع ما بين 12 إلى 14 ألف دولار سنويا للإيجار لكل متضرر، إلى جانب مدفوعات إضافية للأثاث.
وقالت "وول سترت جورنال": إن "القرض الحسن" (مؤسسة مالية تابعة لحزب لله) جمدت في الأسابيع الأخيرة مدفوعات شيكات التعويض التي صدرت بالفعل، مشيرة إلى أن الحزب يعطي الأولوية لمدفوعات المحتاجين إلى مأوى عاجل، وليس للشركات التي تضررت أيضا.
وفي الوقت نفسه، اضطر حزب الله في الأشهر الأخيرة إلى استيعاب حوالي 100 ألف لاجئ شيعي وعلوي من سوريا، في المساجد والمراكز الدينية المزدحمة في معاقل الحزب، وفقا للصحيفة الأميركية.
وكانت ميزانية حزب الله، في السنوات الماضية، تبلغ نحو مليار دولار سنويا تدفع للرواتب والمزايا (لا تشمل النفقات العسكرية).
لكنها تضررت بشدة بعد الحرب التي خاضها عام 2024 مع إسرائيل وأسفرت عن مقتل كبار قادة الحزب، حسبما ذكرت قناة "الحرة" الأميركية.

أهداف أخرى
وعلى الصعيد ذاته، قال الباحث العراقي، وائل العمري: إن “إيران جمعت أعدادا وهمية؛ لأنهم في الحقيقة مواطنو دول أخرى، وإن كانوا شيعة من الأذرع الإيرانية”.
وأضاف العمري لـ"الاستقلال" أن "إيران أرادت معالجة الانكسار الكبير الذي لحق بالمنتمين والحاضنة الشعبية لحزب الله اللبناني بعد تدميره في الحرب مع إسرائيل، وبالتالي أرادت تحشد هذه الأعداد من أجل ذلك".
وأشار إلى أن "الرسالة الأخرى أنه لا يمكن تهميش حزب الله وأنه لم ينكسر، وذلك بعد تسمية رئيسين، للبلاد والحكومة على غير رغبة من الأخير، إضافة إلى الإطاحة بنظام الأسد في سوريا، وبالتالي ساد حديث في داخل لبنان وخارجه أن الحزب فقد هيمنته على البلاد".
ولفت الباحث إلى أن "القوى الشيعية في المنطقة تلقت صدمة لم تفق منها حتى اليوم بمقتل نصر الله وتدمير حزبه، وبالتالي أرادت إيران أن تخاطبهم من خلال هذا التحشيد، وحرصت على صناعة مثل هذا الحدث".
وفي السياق ذاته، قال الكاتب والمحلل السياسي اللبناني، علي الأمين، إن "الغالبية العظمى من الحشود، هي من المحازبين والمناصرين لحزب الله مع حضور بارز لمناصري حركة أمل.
وهذا إضافة إلى نحو 30 ألفا قدموا من إيران والعراق ومن دول أخرى، وشارك فيه الآلاف من المخيمات الفلسطينية في لبنان، ومن النازحين السوريين، وفق قوله.

وبحسب الكاتب، فإن "الحشد الحزبي والطاغي شيعيا، في تشييع الأمينين العامين نصر الله وصفي الدين، يكشف عن تراجع جلي لرفض اللبنانيين عموما منهج حزب الله في مقاربة الأزمات الوطنية".
وبيّن أن “مشهد المدينة الرياضية ينطوي على أنه تشييع لمرحلة مضت، كانت أضرارها أكثر من فوائدها على اللبنانيين”.
ولفت إلى أن "الشعبوية التي برزت في مقدمات الأعداد للتشييع، عكست في الجوهر، حالة شلل تام، على المستوى العسكري والسياسي لدى الحزب، مع العدوانية الإسرائيلية المستمرة، ومع سقوط النظام السوري، واهتزاز قاعدته العراقية".
وتابع: "بعد اهتزاز قوة الدعم الإيراني، فإن حزب الله كان في وداع أمينيه العامين، يدرك أنه يودع مرحلة أفلت، ليبدأ مرحلة جديدة".
وفي 18 فبراير، اتهمت إسرائيل، إيران ببذل جهود مهولة لإعادة (إنتاج) حزب الله، وقال وزير الخارجية جدعون ساعر: إن "طهران ما زالت تبذل جهودا لإعادة تمويل الحزب".
وخلال الفترة الماضية بعد اتفاق الهدنة بين الجانبين في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، لم تفوّت إسرائيل فرصة إلا وأعلنت خلالها عزمها على عدم السماح لإيران باستغلال أي فرصة لإعادة بناء حزب الله في لبنان.
المصادر
- تجميد أموال بعد صرف شيكات.. حزب الله في "وضع مالي صعب"
- تشييع «الأمينين» يدفن المقاومة وسلاحها.. لهذه الأسباب!
- إسرائيل: إيران تبذل جهوداً مهولة لإعادة حزب الله
- الطيران العراقي ينقل اللبنانيين العالقين في إيران بعد رفض «الميدل إيست» نقل أمتعتهم
- تفتيش دقيق لطائرة إيرانية في بيروت.. ماذا يعني ذلك؟
- "حزب الله" يعلن تشييع نصر الله في 23 فبراير
- إيران تمنع طائرتين من إعادة رعايا لبنانيين لبلادهم بعد تهديد إسرائيلي
- أزمة الطائرات تتصاعد.. إيران ترد على لبنان
- العراق يزيد عدد رحلاته الجوية إلى لبنان بدءاً من الجمعة المقبلة
- تشييع الأمين العام السابق لحزب الله اللبناني حسن نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين بعد نحو 5 أشهر على مقتلهما