انقسام يلوح بالأفق.. ما مصير "المجلس الانتقالي" بعد مؤتمر الرياض المرتقب؟

"إذا جرى التوصل إلى اتفاقات بالرياض فسيتم تلافي هذه المواجهة"
على وقع الأحداث التي شهدتها مدن جنوب اليمن، دعا رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة اليمني إلى عقد مؤتمر في العاصمة السعودية الرياض لحلّ الأزمة، وذلك بحضور جميع القوى والشخصيات الجنوبية بدون استثناء، بمن فيهم "المجلس الانتقالي" المتمرد المدعوم من الإمارات.
في اليوم نفسه، أعلنت الخارجية السعودية في 3 يناير/ كانون الثاني 2026، ترحيبها بدعوة العليمي لعقد مؤتمر شامل في مدينة الرياض يجمع المكوّنات الجنوبية كافة لبحث الحلول العادلة للقضية الجنوبية، بما يلبي تطلعات الجنوبيين المشروعة. وفقا لبيان رسمي.
وتمكنت الشرعية اليمنية من استعادة السيطرة على حضرموت والمهرة بعد تمدد "المجلس الانتقالي" فيهما قبل أن تتدخل السعودية في 29 ديسمبر/ كانون الأول 2025، وتقصف سفنا تحمل شحنات عسكرية إماراتية، وتطالب الإمارات بمغادرة الأراضي اليمنية فورا.

ترحيب مشروط
مع استجابة الأطياف الجنوبية في اليمن، لعقد مؤتمر جنوبي شامل في الرياض، وبطلب رسمي من العليمي، أعلن المجلس الانتقالي ترحيبه بالدعوة السعودية، عادا إياها منسجمة مع نهجه القائم على الحوار.
غير أن هذا الترحيب جاء مقرونا بشروط سياسية، أبرزها التأكيد على "إرادة شعب الجنوب" واشتراط ضمانات دولية، وإطار زمني واضح، والاستفتاء الشعبي، بوصفها فيصلا نهائيا.
وأشار المجلس خلال بيان في 4 يناير إلى حضوره في مختلف محطات الحوار التي رعتها السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، بدءا من اتفاق الرياض 2019، مرورا بمشاورات الرياض 2022، وصولا إلى الحوار الجنوبي الشامل الذي أفضى إلى إقرار الميثاق الوطني الجنوبي في عام 2023.
وشدد المجلس في ختام بيانه على أن "أي حوار جاد يجب أن ينطلق من الاعتراف بإرادة شعب الجنوب ضمن إطار زمني محدد وبضمانات دولية كاملة"، لافتا إلى أن الاستفتاء الشعبي هو الفيصل لأي مقترحات أو حلول سياسية مستقبلية.
يأتي ذلك بعدما أعلن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، في 3 يناير، عن بدء مرحلة انتقالية لمدة عامين كخطوة نحو الانفصال مع شمال اليمن، بعد ساعات من إطلاق الحكومة اليمنية عملية عسكرية لاستعادة محافظة حضرموت، من "قوات الانتقالي".
وتزامن إعلان الزبيدي البدء بالمرحلة الانتقالية، مع ما أطلق عليه "الإعلان الدستوري" لإعلان ما يسمى بـ "دولة الجنوب العربي"، على أن يتبع ذلك إجراء استفتاء لتقرير المصير، الأمر الذي يفتح الباب واسعا أمام أسئلة عدة، بشأن وجاهة الإعلان وفرص تحقيق ذلك واقعا على الأرض.
وقال الزبيدي في خطاب تلفزيوني: إنه "انطلاقا من رغبة وإرادة شعبنا الجنوبي في استعادة وإعلان دولتهم، نعلن عن دخول مرحلة انتقالية مدتها سنتان" يجرى خلالها "استفتاء شعبي" حول "حقّ تقرير المصير لشعب الجنوب".
وبحسب الزبيدي، فإن المرحلة الانتقالية يجب أن تكون "سلمية"، داعيا إلى حوار يرعاه المجتمع الدولي بين الجنوب والشمال، وأن المجلس الانتقالي الجنوبي أنجز وتسلّم "مسؤولية وإدارة" مناطق الجنوب، عادّا ذلك خطوة "نحو تحقيق تطلعات هذا الشعب في استعادة وإعلان دولته".
وزعم رئيس المجلس الانتقالي في بيانه أن "تحقيق تطلعات شعب الجنوب في استعادة دولته يجب أن يتم عبر مسار مرحلي ومسؤول يحفظ للجنوب حقّه المشروع ويجنّب الشمال والمنطقة كلفة صراعات جديدة".
وحذّر الزبيدي من أن هذا الإعلان الدستوري سيعدّ "نافذا بشكل فوري قبل ذلك التاريخ"، في حال لم تتم الاستجابة لدعوة الحوار وتعرّض الجنوب لأي اعتداءات عسكرية.

"كسر الاحتكار"
وبخصوص مدى حضور الانتقالي لمؤتمر الرياض والاستجابة لمخرجاته، قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني عبد الباقي شمسان: إن "في وضعية المجلس الانتقالي فإن المسألة لا تتوقف على الاستجابة، لأن هناك جملة من الإجراءات والقرارات غيرت قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية".
وأضاف شمسان لـ"الاستقلال" أن "هناك طلبا بسرعة خروج الإمارات من الجغرافيا اليمنية، وهذا أول مشهد كان له وقع شديد، لأنه أربك المجلس الانتقالي وفقد الداعم الرئيس والمباشر ماديا وعسكريا واستخباراتيا وتخطيطيا، لأن هناك قيادات عسكرية إماراتية كانت موجودة في الجنوب اليمني".
العنصر الآخر، بحسب الكاتب، هو أن "المجلس الانتقالي لم يستجب لدعوات الانسحاب من حضرموت في بداية الأمر وكان ينوي فك الارتباط بعد سيطرته تقريبا كامل الجغرافيا في المناطق الجنوبية بشكلها العسكري، وهذا أدى إلى تدخل سريع من السعودية".
ولفت إلى أن هزيمة مليشيات الانتقالي وانسحابها تبعه تواصل بعض أعضاء المجالس المحلية والمحافظين في مدن جنوب اليمن مع السعودية والحكومة الشرعية لتجنيب المدن الخسائر المادية، وهناك أعضاء من الانتقالي استجابوا لدعوات الشرعية، بالتالي هناك صراع شديد داخل البنية السياسية للمجلس الانتقالي.
وأشار شمسان إلى أن "التيار المتطرف داخل الانتقالي هو الذي سقفه عالٍ ولا يستجيب ويمنع تنقل المواطنين بين عدن وباقي المحافظات، بالتالي أعتقد أن المجلس سينقسم ويستجيب جزء منه لدعوة الشرعية، وآخر يخرج من المشهد، مثل عيدروس الزبيدي، وستحل محله شخصية أخرى".
وتوقع الخبير اليمني أن "تتحول كل القوات العسكرية التابعة للانتقالي إلى وزارة الدفاع والمؤسسة الأمنية الشرعية، ولن يكون لهذا التيار أي قوة عسكرية، وهذا كان مذكورا في اتفاق الرياض السابق لكنه لم ينفذ".
ورأى شمسان أن "الهدف من مؤتمر الرياض أيضا هو كسر الاحتكار الذي يسعى إليه المجلس الانتقالي في أن يكون الممثل الشرعي والوحيد للمناطق الجنوبية، خصوصا أنه مارس هو والإمارات الترهيب ضد جماعات جنوبية أخرى".
وشدد على أنه "لن يكون للحقل السياسي إلا كيان سياسي من دون أذرع عسكرية ومليشياوية، وبالتالي ستظهر شخصيات سياسية تمثل الجغرافيا الجنوبية، رغم أن هناك جزءا من الانتقالي مازال رافضا للاستجابة للشرعية".
وأعرب شمسان عن اعتقاده بأن "إنهاء الجماعات التي تعيق فرض القانون وتمنع المواطنين من التنقل واتخاذها قرارات أحادية، بات مسألة وقت لأن الأمر حسم، والآن يجري التعامل مع حضرموت والشبوة وجزء من أبين، وفي المرحلة المقبلة ستدخل القوات إلى عدن".
وأوضح أنه "إذا جرى التوصل إلى اتفاقيات فسيتم تلافي هذه المواجهة، لأن هناك أبوابا مفتوحة تستوعب الجميع، لكن المؤكد أن هناك مجموعة ستنسحب من المشهد ولن تكون جزءا منه في المستقبل".
وخلص إلى أن "الانتقالي مشروعه كان مرتبطا بمشروع الإمارات للسيطرة على الممرات البحرية والطرق التجارية التي تبدأ من الهند ثم أرض الصومال وتمتد إلى الممرات الدولية وصولا إلى السعودية والأردن وإسرائيل ومنها إلى أوروبا، بالتالي كان هذا تقسيم للدول وتفتيت المنطقة العربية لصالح مشروع لا يخدم الأمة العربية والإسلامية".

"سيناريوهات محتملة"
وعلى الصعيد ذاته، قال مركز "أبعاد" اليمني للدراسات: إن التطورات الأخيرة في محافظات الشرق اليمني أفضت إلى واقع جديد، تجاوز ما كان يأمل المجلس الانتقالي المحافظة عليه، ومن ثم البناء عليه للانطلاق نحو إعلان الانفصال بجنوب اليمن.
وأوضح المركز خلال مقال نشره على موقعه في 4 يناير، أن "الواقع الذي فرضته عملية (استلام المعسكرات)، واستعادة الشرق في الأيام القليلة الماضية – بما في ذلك إخراج الوحدات العسكرية التابعة للانتقالي باستخدام القوة المسنودة بمقاتلات التحالف العربي الداعم للشرعية، دفع الانتقالي بعيدا عن الشراكة القائمة".
وذلك بإعلان المجلس في 2 يناير، بيانا سياسيا يقضي بالبدء بمرحلة انتقالية مدتها سنتان، ويعقبها إجراء استفتاء لانفصال جنوب اليمن، ودعا في بيانه الأطراف اليمنية للمشاركة في الحوار الذي ينظم المرحلة الانتقالية ويمهد للاستفتاء.
وتوقع المركز أن يكون المشهد اليمني موزعا بين عدة سيناريوهات تبعاً للموقف من بيان الانتقالي ودعوة الرئاسة والسعودية للحوار الجنوبي المرتقب، في ضوء الحقائق والتطورات القادمة من شرق البلاد، حيث تسير رياح التغيير ضد رغبة الانتقالي.
وأشار إلى أن السيناريو الأول، هو أن يواصل الانتقالي تصعيده باتجاه ورقة الانفصال، على تقدير أن الأطراف اليمنية في الشمال وفي الجنوب لم تتفاعل مع بيانه الداعي للبدء في الحوار.
وفيما يتعلق بالدعوة لمؤتمر حوار جنوبي برعاية السعودية فهو قد يتهرب منها، لأنه لن يكون بطلها الوحيد، وسيكون موقعه في طاولة الحوار مجرد مكون ضمن عدة مكونات جنوبية، وهو ما لم يتعود عليه، ولا يمكن أن يقبل به، وفقا للمركز.
في المقابل، يؤكد المركز أن "تتواصل ترتيبات وإجراءات الحوار بمشاركة كثير من المكونات والشخصيات والقيادات الجنوبية، الأمر الذي سيعده الانتقالي تجاهلا لدعوته وبالتالي سيكون هذا- من وجهة نظره- مبررا للقفز أكثر في المجهول، والتصعيد الذي يرى فيه مخرجه الوحيد من تبعات انكسار شوكته في محافظات الشرق، وهو الانكسار الذي لن يتوقف عند أطراف شبوة وصحراء العبر، بل سيمتد أكثر في أعماق مناطق سيطرته الرئيسة بما فيها عدن والمحافظات المجاورة".
ورأى المركز في السيناريو الثاني، احتمالية احتواء السعودي للانتقالي رغم وصول الأمور بينهما إلى طريق مسدود، جراء تصلب الأخير ورفضه الانسحاب الطوعي من وادي حضرموت، خصوصا إذا نجحت الرياض في استقطاب بعض قيادات الانتقالي الذين يشعرون أن قرارات الزبيدي الأخيرة جعلتهم يخسرون مكاسب السنوات الماضية، ولو تضمن هذا الإطاحة به.
ويتضمن هذا السيناريو مشاركة الانتقالي في الحوار المرتقب عن القضية الجنوبية، بما يعني عودته إلى الشراكة مع الحكومة الشرعية وتجميد بيانه السياسي والإعلان المتعلق بانفصال جنوب اليمن، وسيكون وضعه ملتبسا وغير مقنع، على الأقل لأنصاره ومؤيديه الذين احتشدوا لأكثر من شهر في انتظار إعلان البيان رقم 1، أي إعلان انفصال الجنوب وإقامة دولة جديدة.
أما السيناريو الثالث، فإنه يبقى مرهونا بقدرة الحكومة الشرعية والسعودية على إحداث اختراق في صفوف الانتقالي، لا سيما لدى القيادات الفاعلة والمؤثرة، واستقطابها بعيدا عن دائرة الزبيدي التي ظهر في الأحداث الأخيرة كما لو كان مجرد نسخة من حميدتي السوداني (قائد قوات الدعم السريع في السودان)، يتلقى الأوامر الإماراتية وينفذها بدون تفكير أو تقدير عواقبها وتداعياتها، وفقا للمركز اليمني.
المصادر
- اليمن: إجماع جنوبي نحو «مؤتمر الرياض»
- بعد استعادة المدينة.. محافظ حضرموت يوجه تهديدا حاد اللهجة للانتقالي: "اعرف حجمك"
- تصاعد الأزمة في اليمن: المقاتلات السعودية تقصف سفينتي أسلحة من الإمارات في ميناء المكلا
- "الانتقالي" يرحب بدعوة السعودية للحوار بشأن أزمة جنوب اليمن
- السعودية للإمارات: تهديد أمننا الوطني في اليمن خط أحمر
- من الهز يمة العسكرية إلى خسارة القضية الجنوبية: لماذا هرب المجلس الإنتقالي إلى الإعلان السياسي؟
















