ترامب هدده قبل مادورو.. هل تمهد احتجاجات إيران للإطاحة بنظام خامنئي؟

يوسف العلي | منذ يومين

12

طباعة

مشاركة

أثارت تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل في إيران إذا أطلقت السلطات النار على المتظاهرين في المدن الإيرانية، تساؤلا رئيسا عن مدى استجابة نظام ولاية الفقيه الذي اعتاد على إخماد الاحتجاجات السابقة بالقوة، بعد وصفها بأنها "مدفوعة من الخارج وتهدد استقرار البلد".

لكن تهديدات ترامب التي قوبلت بتحذيرات إيرانية شديدة اللهجة من التدخل في شؤون البلاد، جاءت هذه المرة بالتزامن مع اعتقال حليف إيران البارز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس بعملية أميركية استهدفت قلب العاصمة كراكاس في 3 يناير/ كانون الثاني 2026.

وتشهد إيران منذ 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، موجة احتجاجات متواصلة في عدد من المدن، بدأت من "سوق البازاريين" (التجار) وامتدت إلى الجامعات، على خلفية الأزمة الاقتصادية وتدهور العملة، ثم تطورت لتصل إلى اقتحام عدد من المراكز الأمنية وحرقها والمناداة بإسقاط النظام.

تغيّر الخطاب

رغم رد المسؤولين الإيرانيين بشدة على تهديدات ترامب ساعة إطلاقها في 2 يناير، لكن اعتقال حليف إيران نيكولاس مادورو في اليوم التالي، دفعها لمخاطبة الأمم المتحدة، بأن أي "تشجيع أو دعم أو تسهيل لأعمال تخريبية أو عنيفة داخل دولة ذات سيادة يُعد عملا غير مشروع يحمّل الدولة المتدخلة المسؤولية".

وأفادت وكالة "آنا" الإيرانية في 3 يناير، بأن مندوب إيران لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني، شدد في رسالته على أن الشعب الإيراني عانى على مدى عقود من نتائج السياسات الأميركية التي تُسوّق تحت عناوين إنسانية. مؤكدا أن السجل التاريخي للأخيرة يكشف نمطا متكررا من التدخل والضغط والتدخل في الشؤون الداخلية للدول بذريعة دعم الشعوب.

وأشار إيرواني إلى ما عده مفارقة لافتة، تتمثل في صدور ادعاءات حول "دعم الشعب الإيراني" عن مسؤولين أميركيين، في حين أن تاريخهم حافل بالتدخلات العسكرية وعمليات تغيير الأنظمة والاستخدام غير القانوني للقوة في مناطق مختلفة من العالم.

وأوضح المندوب الإيراني أن هذه الممارسات تشكل انتهاكا واضحا لميثاق الأمم المتحدة، وأسهمت في سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وانهيار دول، واندلاع أزمات إنسانية، فضلا عن تنامي الجماعات المتطرفة والإرهابية.

ودعا إيرواني المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بمسؤولياته القانونية، مطالبا بإدانة التصريحات الاستفزازية وغير المسؤولة الصادرة عن الرئيس الأميركي بحق إيران، وعدها خرقا جسيما لمبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة.

كما طالب الولايات المتحدة بالالتزام الفوري بتعهداتها الدولية، ووقف التهديد أو اللجوء إلى استخدام القوة، وتحمل مسؤولياتها بصفتها عضوا دائما في مجلس الأمن بما ينسجم مع قواعد ومبادئ الأمم المتحدة.

وكتب المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي، تدوينة على "إكس" في 3 يناير، أكد أن "الاحتجاج حق مشروع وعلى المسؤولين محاورة المحتجين ونحن نفعل ذلك، لكنّ الحديث مع مثير الشغب لا فائدة منه، ويجب إيقاف مثيري الشغب عند حدودهم".

وأضاف خامنئي أن "احتجاج التجّار على الارتفاع المتفلت في سعر العملة الأجنبية احتجاج محقّ. لكن الأمر المهمّ هو تستّر عدد من المُحرضين وعملاء العدو خلف التجّار، ورفعهم شعارات معادية لجمهورية إيران الإسلامية".

وخلص إلى أن "هذا الارتفاع المتفلّت في أسعار العملات الأجنبية، وعدم استقرارها، ليس أمرا طبيعيا، بل هو من فعل العدو. وبالطبع يجب التصدّي له؛ فرئيس الجمهورية (مسعود بزشكيان)، ورؤساء السلطات الأخرى، يبذلون جهودهم لمعالجة هذا الوضع".

قبل ذلك، قال رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني على منصة "إكس" إن التدخل الأميركي سيؤدي إلى "اضطرابات في المنطقة بأكملها وتدمير المصالح الأميركية". 

فيما أعلن علي شمخاني، المستشار المقرب للمرشد الأعلى، علي خامنئي، في 2 يناير، أن الأمن القومي الإيراني “خط أحمر”. مؤكدا عبر منصة "إكس" أن "كل يد تمتد للتدخل في الأمن الإيراني... سيتم قطعها برد قاسٍ ومؤلم".

وكان ترامب قد كتب على منصة "تروث سوشيال"، في 2 يناير، قائلا: "إذا أطلقت إيران النار وقتلت المتظاهرين السلميين بعنف، وهو ما اعتادت عليه، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستتدخل لإنقاذهم. نحن على أهبة الاستعداد. شكرا لاهتمامكم بهذا الأمر".

"زلزال سياسي"

وبخصوص مدى تطبيق السيناريو الفنزويلي في إيران، رأى الباحث في شؤون الشرق الأوسط، أياد ثابت، أن الولايات المتحدة ترسل عبر اعتقال مادورو، رسالة شديدة الوضوح لمن يخالفها ويتصرف بعيدا عن مصالحها، فهي اليوم غير مستعدة للالتزام بالقوانين والأعراف الدولية .

وأضاف ثابت لـ"الاستقلال" أن "هذه مرحلة يجب أخذها في الحسبان من الجميع ومداراة هذه العدوانية إلى حين ما تمر هذه الأزمة العالمية التي أثارتها أميركا"، لافتا إلى أن "أيران ونظامها على أجندة الولايات المتحدة، ولكن ربما ليس بالأسلوب نفسه الذي جرى في فنزويلا، بل من خلال التهديد به". 

ورأى الباحث أن "أميركا التي تجد نفسها تتراجع أمام الصين اقتصاديا وغير قادرة على كبح روسيا لم يعد أمامها إلا استخدام قوتها العسكرية لحسم قضايا لم تنفع الضغوط الاقتصادية معها، وكل ذلك لتقليص حجم توجه الدول الصغيرة إلى كل من روسيا والصين".

على الصعيد ذاته، قال الخبير السياسي حيدر الموسوي، إن اعتقال مادورو لم يكن مجرد عملية عسكرية في أميركا اللاتينية، بل كان زلزالا سياسيا وصلت ارتداداته فورا إلى طهران، فخسارة فنزويلا تعني لإيران فقدان "الرئة التي تتنفس من خلالها في النصف الغربي من الكرة الأرضية، مما يضع النظام الإيراني أمام تحديات غير مسبوقة".

وأوضح الكاتب خلال مقال نشره موقع "المنشر" في 3 يناير، أن "فنزويلا كانت تمثل لإيران أكثر من مجرد حليف؛ كانت مركزا لوجستيا للعمليات الاستخباراتية وأنشطة فيلق القدس الإيراني وحزب الله في أميركا اللاتينية.

ولفت إلى أن "اعتقال مادورو أرسل رسالة شديدة اللهجة للداخل الإيراني؛ حيث سقوط (ديكتاتور) حليف يُضعف حاجز الخوف لدى الشارع الإيراني، ويؤكد أن هياكل السلطة القائمة على القمع يمكن أن تنهار بسرعة أمام الضغط الخارجي والداخلي".

وأشار الكاتب إلى أن رد فعل النظام حيث حذر مسؤولون إيرانيون مثل، مير سليم (عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران) من أن طهران لن تستسلم، وسط مخاوف من لجوء النظام لقمع أكثر قسوة للتغطية على حالة "الارتباك الإستراتيجي".

وبحسب الموسوي، فإن الرسالة الأكثر رعبا لطهران تكمن في "التكتيك العسكري" الذي استُخدم فشل السلاح الروسي، فقد عجز منظومات (إس -300) في فنزويلا عن رصد "قوة دلتا" الأميركية يضع الفعالية الدفاعية الإيرانية (التي تعتمد على تقنيات مشابهة) تحت سؤال كبير.

وتوصل الكاتب إلى أن "نجاح ترامب في اعتقال رئيس دولة حية قد يغريه باتخاذ إجراءات جراحية مماثلة ضد أهداف إيرانية عالية القيمة إذا استمر التصعيد في الخليج".

وخلص إلى أن "إيران اليوم ليست فقط حزينة على فقدان حليف، بل هي قلقة من أن خارطة الطريق التي طُبقت في كاراكاس قد تكون مسودة لسيناريو قادم يستهدف مراكز قوتها في الشرق الأوسط".

"لحظة حاسمة"

في السياق ذاته، رأى الخبير العسكري اللبناني، يعرب صخر، أنه "في حرب الـ12 يوما بين إسرائيل وإيران، لم تكن الولايات المتحدة إسقاط النظام الإيراني، وإنما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو من كان يريد إسقاطه، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو من منعه".

وأرجع صخر ذلك إلى أسباب عدة، منها أن "الولايات لمتحدة لم تكن متحضرة لليوم التالي في إيران في حال سقط النظام، حيث إن هناك عرقيات وإثنيات كثيرة، مثل: الأكراد والفرس والآذريين والبلوش وعرب الأحواز، بمعنى إذا سقط النظام يمكن أن يؤدي إلى نشوء حركات انفصالية كما حدث في البلقان التي تشظت إلى سبع دول، وهذا كانت تتجنبه أميركا".

وأردف: "أما الآن وبعد هذا التعنت الذي يبديه النظام الإيراني وعدم خضوعه لشروط التفاوض الأميركية التي تكررها واشنطن، أولها تصفير الملف النووي، والثاني تخفيض مديات الصواريخ الباليستية، وثالثا التخلي عن الأذرع في المنطقة، لذلك كلما بقيت إيران في حالة الرفض هذه، فإن ما حدث في فنزويلا سوف يحدث في إيران".

وبحسب صخر، فإن "نتنياهو يتحضر لهذه الجولة ويمكن أن يقوم بذلك بمعية الولايات المتحدة، وهناك عامل مساعد قد يؤجل الضربة على إيران، حيث إن ما يجري من احتجاجات في الداخل الإيراني هي ليست فقط مطالب شعبية أو احتجاجات اجتماعية، وحركة عابرة، بل هو سعي التكتلات الجماهيرية الإيرانية للانعتاق من عقد اجتماعي والتحرر من نظام سياسي قائم على الخرافة".

وأردف: "الشعب الإيراني يؤمّن عاملا مساعدا لتغيير النظام، لأنه منذ 2009 حتى الآن كلما جرت احتجاجات شعبية كان النظام يعد بالتغيير الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي، لذلك فإن الشعب يتجه في لحظة حاسمة نحو الانعتاق من العقد الاجتماعي والنظام سياسي، وهذا ما يؤجل الضربة لإيران إذا ما نجحت الثورة الشعبية في قلب النظام".

وفقا للخبير العسكري، فإن "التحضير الأميركي - الإسرائيلي الحالي يتجه أما تغيير السلوك الإيراني برمته إذا جرى الاستجابة للشروط الثلاثة، أو في حال التمنع فإنه سيتم الذهاب نحو إسقاط النظام، لكن هذا بحاجة إلى دراسة وتخطيط محبك، وأظن أن أميركا وإسرائيل خططتا مسبقا، وأن لحظة الحسم قد اقتربت، إلا إذا لم تتخذ إيران الدرس مما يحدث في فينزويلا".

وعلى الوتيرة ذاتها، قال مأمون فندي مدير “معهد لندن” للإستراتيجية العالمية، عبر تدوينة على “إكس” في 3 يناير، إنه “إذا لم يكن النظام في إيران على أهبة استعداد عسكري وأمني خلال الأشهر الستة المقبلة، فقد يواجه مصيرًا شبيهًا بمادورو. ميزان القوة يتغير، والضربات الحديثة خاطفة ومركّزة. الردع لا يكون بالشعارات، بل بالجاهزية وقراءة التحولات قبل فوات الأوان”.

وفي المقابل، رأى إبراهيم شير الباحث في الشأن الإيراني، خلال مقابلة تلفزيونية في 3 يناير أن إيران تضع جميع الاحتمالات على الطاولة وتدرس خياراتها بعد ما وصفه بـ"الخروج الفج عن السياق الدولي".

وأوضح الباحث أن طهران تخشى من إمكانية تنفيذ الولايات المتحدة عملية مشابهة داخل الأراضي الإيرانية، لافتا إلى أن هذه ليست المرة الأولى، إذ سبق أن نفذت واشنطن في الثمانينيات عملية "كوماندوز" عبر ثلاث حوامات داخل إيران لكنها فشلت بسبب الظروف الجوية والمناخية.

وتتهم وسائل إعلام إيرانية معارضة السلطات الإيرانية، ومنهم موقع إيران إنترناشيونال"، بمقتل نحو 3 متظاهرين بالرصاص، فيما تفيد وكالة "فارس" شبه الرسمية في 2 يناير بأن 3 من قوات الأمن قتلوا بهجمات طالت مقرات أمنية أثناء الاحتجاجات.