الإسلاموفوبيا المموّلة.. دور الإمارات في صعود اليمين المتطرف بفرنسا

ما جرى ليس مجرد استطلاع، بل عملية وصم جماعي لملايين المسلمين الفرنسيين
على مدى أكثر من عقد، تمددت بصمات النفوذ الإماراتي خارج حدود الشرق الأوسط لتتجاوز السياسة والاقتصاد نحو ساحات أكثر حساسية في أوروبا؛ حيث برزت أبوظبي كأحد أبرز الممولين والداعمين لتيارات اليمين المتطرف، لا سيما في فرنسا.
وفي الوقت الذي كانت فيه موجات الإسلاموفوبيا تتصاعد بشكل متسارع في القارة العجوز، كانت شبكات تمويل إماراتية – بشكل مباشر أو عبر واجهات بحثية وإعلامية – تدفع بخطاب مناهض للإسلام إلى الواجهة، وتؤسس لمشهد سياسي واجتماعي أكثر استقطابًا تجاه المسلمين.
وخلال السنوات الماضية، كشفت سلسلة من التسريبات والتحقيقات الصحفية عن دور إماراتي نشط في تمويل مراكز أبحاث ومنصات إعلامية وتجمعات فكرية تتبنى مقاربة عدائية تجاه الإسلام السياسي، وهو دور لم يكن خفيًا بقدر ما كان متصاعدًا ومتعمّدًا، أسهم في خلق بيئة من الشك والاتهام الدائم لكل ما يمتّ للمسلمين بصلة في الفضاء الأوروبي العام.
ومع تراكم هذه الوقائع، بات السؤال أكثر إلحاحًا: كيف تحوّلت دولة خليجية إلى لاعب رئيس في تشكيل خطاب اليمين المتطرف الأوروبي، وما الآثار التي خلّفتها هذه السياسة على ملايين المسلمين في القارة؟
استطلاع "إيفوب"
في خضم هذا السياق المشحون، انفجرت فضيحة جديدة تتعلق باستطلاع "إيفوب" حول المسلمين في فرنسا، والذي نُشر في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، لتفتح بابًا آخر على حجم التدخلات الخارجية في تشكيل المزاج العام الفرنسي.
ويُعدّ مركز "إيفوب" واحدًا من أقدم وأعرق مؤسسات استطلاعات الرأي في فرنسا وأوروبا، إذ تأسس عام 1938، وتحول بمرور العقود إلى مؤسسة مرجعية تعتمد عليها وسائل الإعلام الفرنسية والأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها، فضلًا عن المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة، في فهم اتجاهات الرأي العام وقياس نبض المجتمع.
ولهذه المكانة، جاء الاستطلاع الأخير المتعلق بالمسلمين ليشكل حلقة جديدة، وربما الأخطر، في سلسلة التدخلات الإماراتية الهادفة إلى التأثير في الرأي العام الفرنسي ضد المسلمين. فعلى الرغم من تقديم الاستطلاع على أنه محاولة محايدة لرصد علاقة المسلمين بالإسلام والإسلاموية، سرعان ما تكشّف أن الجهة التي قامت بتمويله ليست سوى منصة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحملة تأثير وتشويه واسعة، تديرها أجهزة مقربة من أبوظبي.
وقد كشفت المعلومات المتلاحقة أن هذا التمويل يدخل ضمن واحدة من أكبر العمليات السرية التي استهدفت الإسلام والمسلمين والمؤسسات الديمقراطية في أوروبا خلال السنوات الأخيرة، في مسعى لإعادة تشكيل النقاش العام حول الإسلام بما يخدم أجندات سياسية وإيديولوجية خارجية.
منذ اللحظة الأولى لنشر نتائج استطلاع "إيفوب"، استغلت وسائل الإعلام الفرنسية، لا سيما اليمينية منها، هذه النتائج كدليل جديد على تشدد المسلمين ورفضهم لقيم الجمهورية الفرنسية. وتصدرت عناوين الصفحات الأولى أرقام مثيرة مثل أن 46% من المسلمين يرغبون في تطبيق الشريعة، إلى جانب الادعاء بارتفاع نسبة المسلمين في فرنسا من 0.5% عام 1985 إلى 7% عام 2025.
وقد شملت العينة حوالي 1005 أشخاص فقط، بينهم 149 امرأة محجبة، وأظهرت نتائج الاستطلاع أن نصف المسلمات الشابات يرتدين الحجاب، رغم ضعف حجم العينة.
ولم تكن المصطلحات المستخدمة في نتائج الاستطلاع واضحة أو موضحة بشكل كافٍ، إذ تكررت كلمات غامضة وغير محددة مثل "إسلاموية"، "سلفية"، و"إخوان"، فيما لم تُطرح كلمة "الشريعة" بشكل مباشر ضمن الأسئلة. إلا أن المعهد فسر النتائج بناءً على قراءة معينة، متحدثًا عن "إعادة أسلمة" الشباب الفرنسي من أصول مسلمة، وزيادة التعاطف مع الإسلام السياسي بينهم.
وبعد مراجعة أعمق، تبين أن نسبة الـ 46% تم الوصول إليها عبر دمج فئات متعددة بشكل مضلل، مما يثير تساؤلات حول صحة الاستنتاجات.
غير أن القصة لا تقتصر على ضعف منهجية البحث أو التسرع في تفسير النتائج، بل تتعدى ذلك إلى كونها جزءا من عملية سياسية وأمنية معقدة، تهدف إلى إعادة إنتاج خطاب معادٍ للإسلام داخل فرنسا، بمشاركة قوة خارجية تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد الأوروبي بما يتوافق مع مصالحها الإستراتيجية.

يد الإمارات
أظهرت التحقيقات التي أجرتها صحيفتا "ليبراسيون" و"ميديا بارت" الفرنسيتان في 20 نوفمبر 2025 بسرعة أن الجهة التي كلفت مركز "إيفوب" بإجراء الاستطلاع، وهي مجلة "Écran de Veille" التابعة لمنصة "Global Watch Analysis"، ليست سوى واجهة لمجموعة تعمل ضمن شبكة أوسع ترتبط بشركة الاستخبارات السويسرية "آلب سيرفيسز".
وكانت هذه الشركة قد تورطت سابقًا في تنفيذ حملة "أبوظبي سيكرتس" الشهيرة، التي وصفت بأنها أكبر عملية تأثير سرية تم الكشف عنها في أوروبا خلال السنوات الأخيرة. وقد دفعت الإمارات ما لا يقل عن 5.7 ملايين يورو لاستهداف أكثر من ألف شخص ومئات المؤسسات في 18 دولة أوروبية، عبر إستراتيجيات متنوعة تشمل تشويه السمعة، تضليل الإعلام، إنشاء حسابات وهمية، تعديل صفحات ويكيبيديا، وبث مقالات ملفقة تربطهم بالإخوان المسلمين.
وعند التدقيق في تاريخ الجهة الممولة، يتضح أن منصتي "Écran de Veille" و"Global Watch Analysis" لا تمثلان فقط وسيلتين إعلاميتين تنتقدان الإسلام السياسي، بل هما منصتان متخصصتان في نشر محتوى عدائي يستهدف جماعة الإخوان المسلمين، وحركة حماس، وقطر، وكذلك المسلمين الفرنسيين بشكل عام.
وتثبت التحقيقات أن هذا التوجه لا ينبع من استقلالية تحريرية أو نقدية، بل من ارتباطات مالية ومنهجية مع شركات وكيانات سياسية تسعى إلى إعادة تشكيل النقاش العام الفرنسي حول الإسلام، بما يتوافق مع خطاب إماراتي متشدد يعادي التيارات الإسلامية، حتى وإن أدى ذلك إلى وصم الجاليات المسلمة في أوروبا بأكملها بتهديدات أمنية لا تستند إلى أدلة حقيقية.

مخاوف الهوية
مع انتشار نتائج استطلاع "إيفوب"، بدا أن المشهد الإعلامي والسياسي الفرنسي وجد فيه مادة مثالية لتعزيز خطاب مخاوف الهوية الذي لطالما استثمرت فيه الأحزاب اليمينية المتطرفة لتعزيز أجندتها.
فقد وصفت السياسية الفرنسية ماريون مارشال لوبان، أحد أبرز وجوه حزب "التجمع الوطني" المعادي للمهاجرين والمسلمين وابنة شقيقة مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف، الأرقام بأنها "مرعبة".
في الوقت نفسه، رأى مسؤولون حكوميون أن هذه النتائج تفرض إطلاق مرحلة جديدة من الإجراءات المكثفة لمكافحة ما يسمونه بالإسلام الراديكالي.
فجأة، تحولت مجموعة من الأسئلة الملتبسة والمنهجيات الضعيفة إلى ما يُقدم على أنه دليل قاطع على أن المسلمين يشكلون تهديدًا للنظام الجمهوري الفرنسي.
لكن المفارقة أن هذا الخطاب لم يكن انعكاسا لنتائج علمية موضوعية، بل هو جزء من عملية مدروسة صُممت لجرّ فرنسا مرة أخرى نحو أجندة الخوف من الإسلام.
ويؤكد الباحثون الذين تابعوا تفاصيل الاستطلاع أن العينة المستخدمة فيه غير ممثلة بشكل حقيقي، وأن الأسئلة صيّغت بطريقة تجعل الإجابات تتجه نحو استنتاج واحد: أن الإسلام يشكل خطرًا.
في هذا السياق، حذر عميد مسجد باريس الكبير، الشيخ شمس الدين الحفيان، من أن مثل هذه الاستطلاعات تحول التدين العادي لدى المسلمين إلى علامة على التشدد. معتبرًا أن التقرير قدّم صورة مغلوطة عن المسلمين، وصفتهم كمواطنين مشكوك في ولائهم، ومهددين بولاء مزدوج.
أما مرصد مكافحة الإسلاموفوبيا، فوصف الاستطلاع بأنه "أداة دعائية جاهزة للاستخدام في البرامج التلفزيونية التي تتغذى على الإثارة الأمنية ضد المسلمين".
حملات ممنهجة
تجاوز الأمر مجرد النقد الأكاديمي إلى شبهات سياسية مباشرة، حيث اعتبر نواب حزب "فرنسا الأبية" اليساري المعارض أن الاستطلاع يشكل جزءا من "حملة ممنهجة لإنتاج عدو داخلي".
فقد صرح النائب بول فانييه بأن ما جرى ليس مجرد بحث علمي، بل "عملية وصم جماعي تستهدف ملايين الفرنسيين". فيما قالت النائبة كليمانس غيت: إن "قوة أجنبية، وهي الإمارات، تسهم بشكل فعّال في تقسيم المجتمع الفرنسي، بينما تسمح مؤسسات داخلية بتمرير هذه التدخلات".
وما كشف لاحقًا يؤكد أن الاستطلاع لم يكن حادثًا معزولًا، بل هو جزء من نمط واسع من التدخل الإماراتي في الشؤون الأوروبية.
ففي العام نفسه، وُجهت اتهامات لأبوظبي بمحاولة التأثير على تحقيق مالي حساس استهدف النائب الفرنسي كارلوس مارتينس بيلونغو، الداعم لقضية فلسطين والناقد لسياسات إسرائيل والإمارات، عبر مذكرة وصفت بأنها صدرت تحت ضغط خارجي.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، ظهرت شبهات جديدة حول التدخل الإماراتي في فرنسا، عقب تقرير نشره موقع "L’Informe" كشف أن جهاز مكافحة غسل الأموال الفرنسي (تراكفين) أصدر مذكرة تحتوي على أخطاء عديدة بحق النائب بيلونغو، تحت ضغوط من أبوظبي التي تسعى للحد من الانتقادات الموجهة لتدخلاتها في الشأن الفرنسي.
ووصف بيلونغو هذه الحادثة بأنها "فضيحة حقيقية مرتبطة بتدخل أجنبي"، وقدّم شكوى ضد مجهول تتهمه بـ"بلاغ كاذب" و"التعاون مع قوة أجنبية".
كما أظهرت تسريبات متعددة تورط أجهزة إماراتية في حملات رقابة وتشويه تستهدف شخصيات سياسية وأكاديمية أوروبية. خاصةً أولئك المرتبطين بقضايا حقوق الإنسان أو المنتقدين للنفوذ الإماراتي.
ومع كل هذه المعطيات، يتضح أن ما حدث في فرنسا لا يقتصر على استغلال سياسي لاستطلاع رأي، بل هو عملية معقدة تجمع بين أجهزة استخبارات خاصة، وتمويل خارجي، وإعلام يميني متطرف، وشبكات علاقات عامة تسعى إلى تعزيز خطاب يرى في المسلمين تهديدًا وجوديًا.

سردية جديدة
في حديث خاص لـ"الاستقلال"، أوضح الصحفي الجزائري المقيم في فرنسا ناصر محمد أن الجدل الدائر حول استطلاع "إيفوب" يكشف أن ما حدث لم يكن مجرد محاولة لتحليل واقع المسلمين في فرنسا، كما زعمت الجهة الممولة، بل كان جزءًا من عملية أوسع تهدف إلى إعادة إنتاج سردية أمنية متشددة يستفيد منها اليمين المتطرف، وتسهل من خلالها تمرير تشريعات تستهدف المسلمين وتضعهم تحت شبهة دائمة.
وأضاف محمد أن "الدور الإماراتي اليوم لم يعد محصورًا في محاربة الإسلام السياسي في الشرق الأوسط أو دعم الأنظمة الاستبدادية هناك، بل أصبح جزءا من معركة داخل أوروبا نفسها، معركة تُستخدم فيها مخاوف الفرنسيين كسلاح سياسي، ويتم فيها تهييج الرأي العام عبر حملات ممنهجة تأتي من خارج الحدود".
وأشار إلى أن "خطورة هذا التدخل تكمن في استغلال هشاشة المشهد الفرنسي، لا سيما مع الصعود غير المسبوق لليمين المتطرف وتصاعد الانقسامات الاجتماعية".
ولفت إلى أن "أي مادة إعلامية معادية للمسلمين في هذا السياق تتحول سريعًا إلى وقود يشعل الخطاب العنصري، وقد تؤثر بشكل مباشر على التشريعات والسياسات اليومية".
وتابع: “إذا كشف هذا التحقيق تورط الإمارات في استطلاع واحد فقط، فكيف نعلم عدد الحملات التي سبقت ذلك ولم يتم الكشف عنها؟ وكم من عمليات تأثير خفية أُجريت لإعادة تشكيل صورة المسلمين داخل المجتمع الفرنسي؟”
وتساءل ناصر محمد: “هل يدرك الفرنسيون أن جزءًا كبيرًا من الكراهية المتزايدة في بلادهم لا ينبع من الداخل فقط، بل من غرف عمليات خارجية توظف المال والنفوذ والإعلام لدفع المجتمع نحو مزيد من الاستقطاب؟”
وختم تصريحه بالقول: "قضية استطلاع إيفوب ليست مجرد خلل في منهجية بحث، بل هي علامة على واقع أكثر قتامة؛ الإمارات تحاول إعادة صياغة هوية مجتمع كامل عبر أدوات تبدو علمية لكنها جزء من إستراتيجية نفوذ واسعة".
وشدد على أن "ما لم يُفتح تحقيق رسمي وشفاف يكشف مصادر التمويل وآليات الاختراق الإماراتي، فإن فرنسا والمسلمين فيها سيكونون عرضة لمثل هذه العمليات في لحظة سياسية واجتماعية دقيقة لا تحتمل مزيدًا من الانقسام".
المصادر
- 'Islamophobic' poll on Muslims in France linked to UAE
- استطلاع: كراهية المسلمين في فرنسا ضخمة ومتجذرة ومتعددة الأبعاد
- المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية يستنكر استغلال استطلاعات ضد المسلمين
- دراسة: شباب فرنسا المسلم يفضلون الشريعة الإسلامية على قوانين الجمهورية
- فرنسا: تزايد عدد الأعمال المعادية للمسلمين بنسبة 75% منذ مطلع 2025















