"أبعاد إستراتيجية أوسع" وراء العدوان الأميركي المتواصل ضد اليمن.. كيف؟

منذ ١٣ ساعة

12

طباعة

مشاركة

منذ 15 مارس/ آذار 2025 يشن الجيش الأميركي عدوانا واسعا ضد جماعة الحوثي في اليمن، وسط تهديدات متواصلة من الرئيس دونالد ترامب بـ"القضاء على الحوثيين تماما".

بينما ترد الجماعة بتأكيد أن العدوان “لن يثنيها عن مواصلة مناصرة غزة”، وتواصل قصف مواقع داخل الكيان الإسرائيلي وسفنا في البحر الأحمر متوجهة إليه، ردا على استئناف الاحتلال منذ 18 مارس، حرب الإبادة على القطاع.

وفي هذا السياق، نشر مركز دراسات إيران “إيرام” التركي مقالا للكاتب " أورال توغا"، ذكر فيه أن الهجمات ضد اليمن ليست مجرد رد على الحوثيين، بل تحمل أبعادا إستراتيجية أوسع، مشددا على أنها تُستخدم كاختبار ميداني واستعراض للقوة في سياق تصعيد ضد إيران.

“بروفة القادم”

فمنذ طوفان الأقصى يشهد البحر الأحمر وباب المندب تصعيدا خطيرا مع تزايد استهداف الحوثيين للسفن المتجهة نحو إسرائيل، بالإضافة إلى شنّهم هجمات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة. 

وهذا التصعيد دفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الرد بعمليات عسكرية واسعة النطاق، حيث استهدفت مواقع للحوثيين في اليمن خلال شهري ديسمبر 2024 ومارس 2025.

ورغم تأكيد الجانبين الأميركي والإسرائيلي أن الهدف الأساسي من هذه العمليات هو تأمين الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، إلا أن التصريحات المتكررة من مسؤولين أميركيين ضد إيران، عبر بوابة الحوثيين، تثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الهجمات تُعد تمهيداً أو حتى تدريباً على حملة عسكرية ضد إيران.

والتصريحات الأميركية المباشرة، مثل تحذير ترامب لطهران بخصوص دعم الحوثيين حين قال: "أي هجوم أو رد انتقامي تنفذه جماعة الحوثي سيُقابل بقوة كبيرة، وستُحمّل إيران المسؤولية، ما سيؤدي إلى عواقب وخيمة"، تعزز الانطباع بأن إيران قد تكون الهدف الحقيقي. 

وبهذه التصريحات أوضحت الولايات المتحدة أن عملياتها العسكرية تجاوزت البعد التكتيكي، لتتحول إلى عرض للردع الإقليمي تجاه إيران.

وأشار الكاتب التركي إلى أن هذه الهجمات تمثل "بروفة" لعملية أوسع ضد طهران. 

معركة أكبر

فالعمليات العسكرية المكثفة مثل قصف صنعاء والموانئ والبنى التحتية تدل على نمط من التصعيد يتجاوز الدفاع عن النفس. وتشير هذه العمليات إلى اختبار القدرات وتنسيق المواقف استعدادا لمعركة أكبر.

وبينما تُبرر واشنطن وتل أبيب هذه الضربات بأنها لردع الحوثيين وضمان أمن الملاحة، فإن الرسائل المبطنة والمكشوفة على حد سواء تشير إلى ما هو أبعد من اليمن. 

بالإضافة إلى ذلك، فإن البيئة الجغرافية والعملياتية لليمن تُعَدّ ميدانا مثاليا لاختبار القدرات الإسرائيلية، بدءاً من الطيران لمسافات بعيدة، مروراً بالتزود بالوقود جواً، وانتهاءً بالمناورة في أجواء معقدة.

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الربط بين عمليات اليمن وإيران قد يكون مبالغاً فيه، مشيرين إلى أن إسرائيل سبق أن استهدفت إيران بشكل مباشر في الماضي، وأن ما يجرى في اليمن قد يكون ببساطة ردا على تهديدات الحوثيين المتصاعدة.

ورغم صعوبة الجزم بما إذا كانت هذه العمليات العسكرية تحمل طابعا تدريبيا لهجوم مُحتَمَلٍ على إيران، إلا أن هناك إشارات تستحق الوقوف عندها. 

فأولا، تتشابه المسافات الجوية بين اليمن وإسرائيل مع تلك التي ستُقطع في حال تنفيذ عملية ضد إيران، إذ قطعت الطائرات الإسرائيلية مسافة تقارب 1800 كم للوصول إلى اليمن. 

وتبلغ المسافة بين تل أبيب وصنعاء حوالي 2000 كم، بينما المسافة إلى طهران تبلغ حوالي 1500 كم، ما يجعل العمليات في اليمن بمثابة تدريب على الطيران لمسافات طويلة والتزود بالوقود في الجو، وهي عناصر ضرورية في أي هجوم محتمل على إيران.

ثانيا، لم تكتف الطائرات الإسرائيلية بالضربات، بل استمرت في التحليق لاختبار القدرة على البقاء في الجو لفترات طويلة، تحسباً لأي طارئ في سيناريو مواجهة مع إيران. 

وأشار الكاتب إلى أن استخدام إسرائيل قنابل وصواريخ موجهة بدقة تعد بمثابة "بروفة فعلية باستخدام ذخيرة حقيقية". 

فالخطوات والتكتيكات اللازمة لقصف منشأة نووية في إيران، يجرى الآن اختبارها عمليا عبر قصف موانئ ومطارات يمنية.

اختبار مزدوج

وقد أثارت الهجمات الأخيرة على اليمن تفاعلات إقليمية حادة خاصة من جانب إيران، التي أدانت الضربات عبر وزارة خارجيتها، بينما أطلق قائد الحرس الثوري تهديدا صريحا بقوله: "إذا تحرك أعداؤنا، فسنرد برد مدمر". 

في المقابل، سارعت جماعة الحوثي إلى الرد بإعلان استهداف حاملة طائرات أميركية، في تصعيدٍ لا يخلو من دلالة رمزية.

وهنا يمكن القول إن لهذه الهجمات بُعدين رئيسين؛ أولاً، يُنظر إليها على أنها تهدف إلى وقف أنشطة الحوثيين التي تهدد الأمن الإقليمي. 

فقد بات من الواضح أن الحوثيين يشكلون تهديداً لكل من إسرائيل وأمن الملاحة البحرية. 

ثانياً، لا يمكن فصل هذه العمليات عن المسألة الإيرانية، حتى وإن جرت في سياق الأزمة اليمنية. 

فالولايات المتحدة تسعى من خلال هذه الضربات إلى إرسال رسالة ضغط إلى إيران لحثّها على قبول شروط التفاوض. 

وتصريحات ترامب بعد الهجمات، وكذلك تأكيد الجانب الإيراني بأنه "لن يتفاوض تحت التهديد" توضح أن الملف الإيراني لا يمكن فصله عن مجريات الأحداث.

وختم الكاتب مقاله قائلا: من الواضح أن الهدف لا يقتصر على الرد على الحوثيين. فالولايات المتحدة وإسرائيل تستخدمان ساحة اليمن لإرسال رسائل متعددة، منها:

أولا: إظهار الجهوزية العسكرية للقيام بعمليات بعيدة المدى.

ثانياً: تذكير إيران بأن أي تصعيد قد يُقابل برد مدروس ومؤلم. ثالثاً، تهيئة الرأي العام الإقليمي والدولي لاحتمال مواجهة أوسع.

ورغم أن هذه العمليات لا تعني بالضرورة أن الهجوم على إيران وشيك، إلا أنها تُسهم في رسم حدود جديدة للصراع، بحيث تُختبر فيها الأدوات العسكرية والرسائل السياسية في آنٍ معا.