لقاء الشرع مع أردوغان في أنقرة.. كيف يؤثر على مستقبل المشهد السوري؟

محمود مصلحان | منذ شهرين

12

طباعة

مشاركة

في زيارة كانت محل اهتمام إقليمي كبير، وصل الرئيس السوري أحمد الشرع في 4 فبراير/ شباط 2025، إلى العاصمة التركية أنقرة، المحطة الخارجية الثانية له بعد السعودية، منذ توليه منصبه.

وفي 29 يناير/ كانون الثاني 2025، أعلنت الإدارة السورية الجديدة تعيين الشرع رئيسا للبلاد في المرحلة الانتقالية، بجانب قرارات أخرى منها حل الفصائل المسلحة والأجهزة الأمنية القائمة بالعهد السابق، ومجلس الشعب (البرلمان)، وحزب البعث الذي حكم البلاد على مدى عقود، وإلغاء العمل بالدستور السابق.

والتقى الشرع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، في المجمع الرئاسي بأنقرة، حيث عقدا مؤتمرا صحفيا مشتركا، أكد فيه الأخير أن هناك توافقا في الآراء بين أنقرة ودمشق في جميع القضايا.

شعبان شقيقان

من جانبه، وصف الشرع موقف تركيا في دعم قضية بلاده بـ "المشرّف"، معربا عن تطلعه لتعزيز التنسيق بين البلدين على الأصعدة كافة.

جاء ذلك في منشور أوردته رئاسة الجمهورية السورية على حسابها بمنصة إكس، مرفقة إياه بصورتين للشرع، واحدة مع أردوغان، وأخرى على بوابة الطائرة، تظهر مغادرته أنقرة.

وقال الشرع: "أتوجه بأسمى آيات الشكر والتقدير لفخامة الرئيس رجب طيب أردوغان على حُسن الضيافة وكرم الاستقبال خلال زيارتنا الجمهورية التركية الصديقة".

وأضاف "نؤكد أن موقف تركيا الإيجابي المشرّف في دعم قضية الشعب السوري العادلة يمثل نموذجا في الأخوة بين الشعبين".

وتابع: "نتطلع إلى تعزيز التنسيق بين البلدين على الأصعدة كافة السياسية والاقتصادية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة، ويعزز التعاون في مواجهة التحديات في المرحلة القادمة".

ووصل الشرع إلى أنقرة على متن طائرة خصصتها له تركيا، وبدعوة من أردوغان، حيث استقبل بحفل رسمي.  

وخلال مؤتمر صحفي مشترك، أدلى الزعيمان بتصريحات مهمة.

فمن جانبه، أكد أردوغان أن "سياسة تركيا تجاه سوريا تتمثل في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية".  

وأشار أردوغان إلى أن الطرفين ناقشا "الخطوات المشتركة الممكن اتخاذها لتحقيق الأمن والاستقرار الاقتصادي في سوريا".  

ومن المواضيع التي نوقشت في الاجتماع مستقبل وجود قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في شمال شرق سوريا.  

وقال أردوغان: "أعربت عن استعدادنا لتقديم الدعم اللازم لسوريا في مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله، سواء كان مصدره داعش أو بي كي كي". 

وأضاف: "أود أن أعرب عن سعادتي تجاه الإرادة القوية لأخي أحمد الشرع في مواجهة الإرهاب".  

من جهته، قال الشرع: "لن ينسى الشعب السوري الموقف التاريخي الذي أظهرته الدولة والشعب التركيان بفتح أبوابهما لملايين اللاجئين. وقد بلغت هذه التضامنات ذروتها في السنوات الأخيرة عندما امتزج الدم السوري والتركي في معارك التحرير".  

كما دعا الشرع إلى فرض ضغوط دولية على إسرائيل للعودة إلى حدود عام 1974.  

مستقبل "قسد" في سوريا  

في مقدمة المواضيع التي ركز عليها أردوغان والشرع خلال مباحثاتهما مسألة وحدة الأراضي السورية ومستقبل وجود “قسد”.

حيث أكد زعيما البلدين في رسائلهما بشكل مباشر أو غير مباشر على أهمية وحدة الأراضي السورية.

وقبل قدومه إلى تركيا، أشار الشرع إلى هذا الملف في تصريحات صحفية.  

حيث قال: "أظهرت قسد استعدادها لقبول أن تكون الأسلحة في يد الدولة، ولكن هناك بعض التفاصيل التي ما زالت موضع خلاف".  

ولكن النقطة التي ترفضها تركيا بشكل قاطع هي "وجود الهياكل المسلحة التي تشكل تهديدا لأنقرة".  

وأخيرا، قالت إلهام أحمد، ممثلة العلاقات الخارجية لـ"قسد"، لصحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، إن "الحل الأمني والديمقراطي في الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه إلا بمشاركة إسرائيل".  

وأشارت إلهام أحمد إلى اتصال هاتفي أجرته أخيرا مع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، حيث ناقشا إمكانية أن تلعب إسرائيل دورا في تأمين المناطق الحدودية في سوريا.  

كما زعمت إلهام أحمد أن العديد من المناطق والمجموعات في سوريا لديها إداراتها الذاتية الخاصة بها، وأن محاولة توحيد الجميع تحت نظام واحد قد يؤدي إلى "حرب أهلية".  

وفي وقت لاحق، وبعد ردود الفعل الغاضبة، قدمت إلهام أحمد تصريحات توضيحية لقناة “العربية”؛ حيث أكدت أنها "لم تطالب بتدخل إسرائيل في سوريا، ونفت وجود أي علاقة لقسد مع تل أبيب".

وبالحديث عن إسرائيل، تجدر الإشارة إلى أنها تواصل اعتداءاتها على الأراضي السورية منذ نجاح الثورة في إسقاط بشار الأسد، ومازالت لم تنسحب من مواقع كثيرة احتلتها في الشهرين الأخيرين.

حضور منذ البداية

وتفاعلا مع الزيارة، يقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور عبدالله أيدن، إنه “منذ بداية التحركات الشعبية في سوريا، كان من الواضح أن المنطقة لن تعود كما كانت. ومع ذلك، لم يكن أحد يتوقع أن تصبح سوريا بهذا القدر من التعقيد، وأن تصدر مشاكلها ليس فقط إلى المنطقة بل إلى العالم بأسره”. 

وأضاف أيدن لـ"الاستقلال"، أن هناك دولتين تعرضتا لأكبر قدر من تأثير هذه المشاكل، هما تركيا، ولبنان الذي بات يعرف اليوم بـ(الدولة الفاشلة)".  

وبالنسبة لتركيا، أوضح أيدن أنه "منذ بداية الثورة السورية، لم تغض تركيا الطرف عن الأحداث ووضعت لنفسها موقفا واضحا بناء على ذلك. فوقفت بجانب المعارضة، حتى لو كان ذلك على حساب خسارة علاقاتها مع نظام الأسد، الذي كانت قد بنت معه علاقات جيدة قبل عام 2011".

وأكمل: "وقد دفعت تركيا ثمنا لذلك، بما في ذلك استقبال ملايين اللاجئين السوريين والأضرار الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية والمشاكل الأمنية، وحتى محاولة انقلاب 15 يوليو/ تموز 2016 التي يمكن عدّها مرتبطة بشكل غير مباشر بموقف تركيا من الأحداث في سوريا".  

ومن وجهة نظر أيدن، القول إن "سقوط نظام الأسد كان مسألة بسيطة تمت خلال فترة قصيرة أو أنه كان نتيجة نجاح كبير للمناورات العسكرية للمعارضة فقط هو تبسيط للأمر". 

وعلى الرغم من أن نظام الأسد بدا قويا في السنوات الخمس أو الست الماضية، وكأنه جمد الحرب لصالحه، إلا أن النظام كان يفقد قوته تدريجيا عند النظر إليه بتفحص، وفقا للمحلل التركي.  

وأكمل أيدن حديثه قائلا: "يمكن القول إن النقاش قد تحول إلى متى وكيف سيرحل الأسد. وبالفعل، تحقق تغيير النظام نتيجة التوافق بين الفاعلين الإقليميين والدوليين. في النهاية، تحملت تركيا العبء الأكبر من الحرب، لكنها حققت هدفها".

وأضاف: "ربما لم يكن الشرع الخيار الأول بالنسبة للمعارضة، خاصة أن هيئة تحرير الشام لم تكن تتحرك كجيش وطني سوري. ولكن بالنظر إلى الوضع اليوم، يبدو أن قيادة هيئة تحرير الشام للعملية كانت تصب في مصلحة تركيا بشكل أكبر".  

ولفت أيدن إلى أن "زيارة الشرع إلى تركيا بعد أقل من شهرين من تغيير النظام تُظهر مدى قرب موقف تركيا من الإدارة الجديدة ونظرة هذه الإدارة إلى تركيا". 

توازن القوى

لا شك أن الصراع على النفوذ بين تركيا وإيران في الساحة السورية انتقل إلى مرحلة جديدة مع اندلاع الثورة. 

وبينما ترى بعض الشخصيات داخل إيران أن سقوط الأسد يمثل خسارة لإيران، يشير القادة الإيرانيون إلى أن هذه الخسائر قد تتحول إلى مكاسب جديدة. 

وإيران، التي تهدف إلى تعزيز علاقاتها مع سوريا في المرحلة الجديدة، قد تجد تركيا مفتاحا لتحقيق ذلك. 

فقد استحوذت تركيا في المرحلة الجديدة على موقع إيران الذي كانت تحتله خلال فترة نظام الأسد.  

وفي إشارته إلى التحركات الإقليمية للبلدين، قال أيدن: "هناك حالة من انتزاع الدور من إيران، التي تعد المنافس الإقليمي الأكبر لتركيا؛ إذ كانت إيران تشكل جزءا مهما من توازن القوى في سوريا خلال عهد الأسد، لكنها فقدت أحد حلفائها الأساسيين برحيله". 

ويعتقد أنه "على الرغم من استمرار إيران في محاولتها القوية لمواجهة إسرائيل، إلا أن خسارتها شخصيات بارزة، بالإضافة إلى فقدانها الأسد، كان ضربة كبيرة لها". 

وفي هذه المرحلة، على الرغم من أن الغرب لا يرغب في أن تتحول القوة الرئيسة في المنطقة إلى تركيا، إلا أنه مازال يفضل تركيا على إيران، بحسب ما ورد عن أيدن.

ويوضح قائلا: "الغرب يرى في تركيا شريكا جادا يمكنه مساعدته على التفرغ لمواجهة التحديات في شرق آسيا بعد إنهاء الحروب في البحر الأسود والبحر المتوسط".  

وتابع أيدن: "تركيا، التي تحملت تكاليف وقوفها إلى جانب المعارضة في سوريا، تتطلع الآن إلى جني ثمار مواقفها. ولكن من الخطأ النظر إلى هذا الأمر كأنه مجرد خطوة تجارية. فالعلاقات بين تركيا وسوريا لطالما كانت مليئة بالمشاكل عبر التاريخ". 

ويضيف أيدن أنه "من بين الأمثلة على ذلك، أن زعيم منظمة "بي كا كا" الإرهابية، عبدالله أوجلان، عاش في دمشق سنوات". 

وباستثناء فترة قصيرة قبل الحرب، لم تتمكن تركيا من بناء علاقات جيدة مع أطول جيرانها حدودا. 

ولكن الآن، تدخل تركيا حقبة جديدة تأمل فيها أن تكون العلاقات خالية من المشاكل، بل ومثمرة للغاية، بحسب أيدن.

وحول المرحلة الجديدة، قال: "أهم ما يُتوقع من الإدارة الجديدة في سوريا هو الحفاظ على وحدتها الوطنية. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تسيطر على جميع أنحاء البلاد لمنع صعود قوات سوريا الديمقراطية، التي تعد امتدادا لـ"بي كا كا"، ومنع تحولها إلى كيان دولة".

ويشير إلى أن "تركيا تطمح في النهاية إلى أن تكون سوريا الجديدة دولة مستقرة تعيد بناء اقتصادها وتعمل بكفاءة، وأن لا تتحول مرة أخرى إلى ملعب للقوى العالمية".

وفي رأي أيدن، عندما تتحقق هذه الأمور، ستزداد عودة اللاجئين السوريين من تركيا إلى بلدهم وستختفي المشكلات الاقتصادية على أساس مبدأ الربح للجميع وسيُحل عبء الأمن الحدودي الذي يرهق تركيا. 

كما ستصبح هذه التطورات عامل تسريع لعلاقات تركيا المتجددة مع العالم العربي.

واختتم أيدن حديثه قائلا: "تركيا دولة منتجة، ولكن منتجاتها يمكن أن يُستعاض عنها من دول أخرى لعدم تمتعها بتكنولوجيا فائقة. لذلك، فإن أي مشكلة في السياسة الخارجية التركية تنعكس سلبا بشكل مباشر على الاقتصاد. وبالتالي، فإن جميع عمليات التطبيع التي تشهدها المنطقة ستسهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية عن تركيا". 

وفي إطار ما ذُكر سابقا، يمكن القول إن "عملية جديدة تشكلت تستهدف جني ثمار الدعم الذي قدمته تركيا للمعارضة السورية". 

وفي الوقت الذي تُطرح فيه توقعات حول الاتجاه الذي ستأخذه القوى العالمية ذات النفوذ في سوريا، يبدو أن وجود سوريا موحدة ومستقرة إقليميا أمر لا غنى عنه لدول المنطقة. 

وخلال الفترة القادمة، ستكون عودة السوريين إلى بلادهم ومكافحة الإرهاب وإعادة بناء الاقتصاد من أبرز الأولويات.  

كما أن دعوة أحمد الشرع للرئيس التركي رجب طيب أردوغان لزيارة دمشق يمكن تفسيرها كرسالة من تركيا إلى دول المنطقة. 

ومن بين الأحاديث التي تتردد في الكواليس أن الرئيس أردوغان، رغم عدم تحديد تاريخ معين للزيارة، سيزور الجامع الأموي الكبير في دمشق بعد اجتماعاته في العاصمة السورية قريبا.