مفاوضات دمشق مع قسد.. ما مصير مخيمات معتقلي "تنظيم الدولة" في سوريا؟

"ما تزال الدولة السورية تلقي القبض على أتباع تنظيم الدولة"
تواصل الدولة السورية الجديدة المفاوضات مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد" لتحقيق عملية الاندماج الكامل لمناطق الأخيرة مع باقي أراضي الدولة.
وبينما تشهد كثير من الملفات التي تمسك بها "قسد" المدعومة من واشنطن، مثل النفط حلحلة مع دمشق، يعد ملف مخيمات وسجون تحتجز فيها عناصر وعوائل "تنظيم الدولة" ذو حساسية خاصة كونه "ملفا أمنيا بامتياز".
حساس جدا
وتدير قوات "قسد" بدعم لوجستي وعسكري واستخباراتي أميركي كامل السجون التي تحتجز فيها عناصر "تنظيم الدولة" في مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا.
وبحسب قائد العمليات الأميركية في الشرق الأوسط، مايكل كوريلا، فإن عدد نزلاء مخيم الهول بريف الحسكة يبلغ حوالي 54 ألفا، منهم نحو 27 ألف عراقي أي حوالي النصف ونحو 18 ألف سوري وحوالي 8500 أجنبي".
وأشار كوريلا إلى أنه يقصد بالأجانب أنهم "ليسوا عراقيين وسوريين".
وتؤكد الأمم المتحدة أن أسر عناصر تنظيم الدولة من الأجانب، ينحدرون من 60 دولة، بينهم 3177 امرأة، والبقية أطفال.
بينما الأطفال الأكبر أودعوا في سجن "الأحداث" بقرية تل معروف شمال شرق المحافظة.
كما خصصت القوات الأميركية ما يسمى مخيم "روج" قرب مدينة المالكية شمال الحسكة، كسجن أمني حساس جدا، احتجزت فيه فقط نساء وأطفال قادة وأمراء تنظيم الدولة.
كذلك تزج قسد بقسم من عناصر تنظيم الدولة في سجني (غويران والصناعة) بالحسكة، وسجن "كامبا البلغار" الواقع شرق مدينة الشدادي جنوب الحسكة.
وهؤلاء جميعهم جرى تجميعهم، بعد معارك بين تنظيم الدولة وقوات قسد بدعم كامل من التحالف الدولي؛ حيث أجبر التنظيم في 23 مارس/ آذار 2019 على الاستسلام، وسلم المئات من عناصره أنفسهم وزوجاتهم وأطفالهم، في آخر معقل له بالبلاد في بلدة الباغوز بمحافظة دير الزور.
ومنذ ذلك، الحين تتجاهل كثير من دول أوروبا استعادة رعاياها أو السعي لحل ملف أطفال تنظيم الدولة المحتجزين، علاوة على عدم طرح برلماناتها الداخلية هذا الملف للنقاش لأسباب تتعلق بصعود اليمين المقلق بالإضافة للإسلاموفوبيا.

فرصة حقيقية
ووقع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، في 11 مارس 2025 اتفاقا يقضي "بدمج" المؤسسات المدنية والعسكرية كافة التابعة للإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية "بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز".
والاتفاق المذكور مؤلف من ثمانية بنود ويُفترض أن تعمل لجان مشتركة على إتمام تطبيقه قبل نهاية عام 2025.
ونص الاتفاق كذلك على "دعم الدولة السورية في مكافحتها لفلول نظام الأسد والتهديدات كافة التي تهدد أمنها ووحدتها".
وفي وقت لاحق، قال عبدي في منشور على منصة "إكس": إن “الاتفاق فرصة حقيقية لبناء سوريا جديدة تحتضن جميع مكوّناتها وتضمن حسن الجوار”.
وأضاف "في هذه الفترة الحساسة، نعمل سويا لضمان مرحلة انتقالية تعكس تطلعات شعبنا في العدالة والاستقرار".
وعقدت الجولة الأولى من التفاوض بين دمشق وقسد عقب الاتفاق الجديد في 20 مارس 2025؛ حيث أجرى حسين السلامة رئيس اللجنة الحكومية السورية المكلفة بإتمام الاتفاق اجتماعا مع مظلوم عبدي، ومسؤولين أميركيين، في القاعدة العسكرية بمدينة الشدادي بريف الحسكة.
وخلال السنوات السابقة، فشلت "قسد" في معالجة ملف سجناء تنظيم الدولة الأجانب عبر نقلهم إلى دولهم الأصلية وإجراء محاكمات لهم في بلدانهم؛ إذ كانت "قسد" تسعى إلى إفراغ المخيمات من أطفال ونساء عناصر وقادة تنظيم الدولة وإعادة تأهيلهم في دولهم الذين ينتمون إلى 60 دولة، بحسب إحصائية أمنية نشرت منتصف عام 2024.
وكانت بعض الدول مثل العراق وروسيا وإسبانيا وطاجكستان وأستراليا تجري عمليات استعادة لأطفال وعوائل تنظيم الدولة على مراحل.
بينما قال رئيس اللجنة الوطنية لتنفيذ إستراتيجية مكافحة التطرف العنيف التابعة للأمن القومي العراقي، علي عبد الله، إنَّ هناك 16 ألف عراقي لا يزالون داخل مخيم الهول في ريف الحسكة.
وأشار عبد الله خلال تصريحات صحفية في 22 مارس 2025 إلى أن "هناك جهودا تبذل لاستعادة العراقيين من المخيم".
"تراجع أميركي"
لقد كان لافتا أن الولايات المتحدة عقب سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024 تحدثت عن تقليص الدعم عن سجون تنظيم الدولة شمال شرقي سوريا.
وتقول مصادر مقربة من منظمة "بلومونت" الأميركية غير الربحية، التي تدير مخيمي اعتقال في شمال شرق سوريا، إن تمويل الجهات المانحة غير الأميركية غير كافٍ لمواصلة عملها هناك؛ إذ منحت إدارة الرئيس دونالد ترامب المنظمة مهلة 90 يوما منذ وقف المساعدات في يناير/ كانون الثاني 2025، بينما ضغطت على حلفائها للمساعدة في تقليل أعداد المخيمات.
ولن تتمكن منظمة “بلومونت” للإغاثة والتنمية من مواصلة دورها في إدارة مخيمي الهول و"روج" إذا أوقفت وزارة الخارجية الأميركية تمويلها.
وتعمل المنظمة التي تدير الخدمات الأساسية في المخيمين بناء على خطاب إعفاء أرسله وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في 28 يناير 2025، والذي أعفى المنظمات التي تقدم "مساعدات إنسانية منقذة للحياة" من أمر سابق بـ"وقف العمل" في 24 يناير 2025.
وأبلغت "بلومونت" بإمكانية مواصلة عملها خلال "فترة مراجعة" مدتها 90 يوما بدأت في 20 يناير 2025، لكنها لم تتلقَّ أي ضمانات بشأن ما سيلي ذلك.
وبينما تتلقى "بلومونت" تمويلا من مجموعة من الحكومات الأوروبية المانحة لعملها في سوريا، بما في ذلك المملكة المتحدة وفرنسا والدنمارك، فإن المنح الأميركية فقط تكفي لتمويل فريق إدارة وتنسيق المخيم.
ووفقا للتقرير السنوي لعام 2023، قدمت الولايات المتحدة ما يقرب من 80 بالمئة من التمويل العالمي للمنظمة والبالغ حوالي 76 مليون دولار.
وترفض "بلومونت" الكشف عن عدد الأشخاص الذين توظفهم في مخيمي الهول وروج، بينما أشارت أحدث بيانات الموظفين المنشورة على موقع المنظمة في ديسمبر 2019 أنها وظفت 400 شخص في المنطقة.
ويحرس كلا المخيمين جنود من "قوات سوريا الديمقراطية"، يدعمهم حوالي 2000 جندي من القيادة المركزية الأميركية.
وتقول مصادر مقربة من مخيم الهول لمجلة "إنتلجنس أونلاين" الفرنسية المعنية بالشؤون الاستخباراتية حسبما جاء في تقرير نشر في 18 مارس 2025 أنه في حال سحبت منحة "تنسيق المخيم" من مكتب إدارة السكان واللاجئين في أواخر أبريل/ نيسان 2025، فسيضطرون إلى النظر في الانسحاب الكامل منه.
وقبيل توقيع اتفاق قسد، قال المسؤول الإعلامي في التنظيم، سيامند علي، خلال تصريحات صحفية في يناير، إن أي مفاوضات مع إدارة دمشق بشأن "ملفات حساسة مثل معتقلي تنظيم الدولة وعائلاتهم في مخيمي الهول وروج، تحتاج إلى مداولات شاملة لضمان توافقها مع مصالح الأطراف المعنية، بهدف سلامة الأوضاع الأمنية في مناطقنا، وعموم المنطقة".
إدارة حكومية
وضمن هذا السياق، يؤكد المحلل والخبير العسكري العقيد إسماعيل أيوب لـ"الاستقلال" أنه "في حال اندماج قسد مع الدولة السورية الجديدة فإن هناك حلولا لكل الملفات العالقة وعلى رأسها ملف السجون التي تضم عناصر وعوائل تنظيم الدولة".
وأضاف أيوب أن "أي اتفاق نهائي بين قسد والدولة السورية سيضع تلك السجون تحت إدارة دمشق".
وأردف "يبدو أن هناك عملية جارية لتسليم كل عناصر تنظيم الدولة وعوائلهم المتبقين من الجنسية العراقية إلى بغداد وبالتالي فإن ما تبقى من السوريين والأجانب سيكونون بعهدة الدولة السورية".
ولفت الخبير العسكري إلى أن "ملف سجون عناصر تنظيم الدولة سيعتبر ضمن ملف مكافحة تنظيم الدولة على الأراضي السورية الذي تعهدت به القيادة الجديدة للبلاد للدول الغربية".
وشدد على أن "إعادة عناصر تنظيم الدولة إلى بلدانهم الأصلية لإعادة تأهيلهم وإدماجهم، ومحاكمتهم هناك هو السبيل الوحيد المتوافق مع القانون الدولي".
وكان المدير البريطاني السابق لمكافحة الإرهاب في جهاز الاستخبارات البريطاني، ريتشارد باريت قال في يناير 2025 للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب البريطاني: إن استعادة الدول لمواطنيها من سوريا "التزام قانوني".
وأضاف باريت: "كنت أعتقد أن أحد المجالات التي يجب أن نشارك فيها هو التعامل مع المواطنين البريطانيين الموجودين لأي سبب كان في مخيمات شمال شرق سوريا، والشيء الوحيد الذي يمكننا تقديمه للحكومة السورية الجديدة هو فكرة أن سيادة القانون فعالة وأن العمل المجتمعي قادر على مواجهة المشاكل الأمنية".
وما تزال الدولة السورية تلقي القبض على أتباع تنظيم الدولة المتوارين عن الأنظار أو المحتمل إمكانية تنفيذهم “أعمال إرهابية”.
ففي 11 يناير 2025 تمكن الأمن السوري من إحباط محاولة خلية مؤلفة من أربعة أشخاص تنفيذ تفجير داخل مقام السيدة زينب جنوب دمشق.
ووقتها قالت الاستخبارات السورية: إن الخلية تتبع لـ"تنظيم الدولة". وضبطت بحوزتهم أسلحة وذخائر ووثائق لبنانية وعملة أجنبية.
اللافت أنه بعد أيام من إحباط تلك العملية، كشف مسؤولون أميركيون لصحيفة "الواشنطن بوست"، أن الولايات المتحدة بدأت بمشاركة معلومات استخباراتية سرية حول تهديدات "تنظيم الدولة" مع الإدارة السورية الجديدة.
كما أن دول جوار سوريا أبدت تعاونا كبيرا مع الدولة السورية في مجال مكافحة تنظيم الدولة عقب سقوط الأسد.
وقال نائب وزير الخارجية التركي، نوح يلماظ، خلال مشاركته في المؤتمر الدولي حول سوريا بباريس، في فبراير 2025، إن أنقرة تعمل على تشكيل تحالف رباعي ضد تنظيم الدولة يضم تركيا والعراق والأردن وسوريا، لمنع التنظيم من تهديد المنطقة مجددا.