هدم أحياء ونزع ملكية في العاصمة المغربية.. ما علاقة الإمارات بالقصة؟

عالي عبداتي | منذ ٥ أيام

12

طباعة

مشاركة

تصاعد الجدل في المغرب إثر موجة هدم وترحيل ونزع ملكية نالت عدة أحياء بالعاصمة الرباط، وذلك في إطار الاستعداد لتنظيم مونديال 2030، وما رافق ذلك من شكوك بشأن استفادة جهات أجنبية ومقربين من الحكومة مما يجرى.

وعبرت أحزاب المعارضة عن انتقادها الشديد لعمليات الهدم الواسعة، والتي نالت عددا من الأحياء بالعاصمة، ومنها "المحيط" المطل على البحر ودوار "سانية الغربية" ودوار "العسكر"، والتي استهدفت هدم مئات المنازل والمحال التجارية.

وتؤكد البلدية أن عمليات الهدم تأتي في ظل برنامج تهيئة مدينة الرباط، وهو المشروع الذي نشر في الجريدة الرسمية للمملكة بتاريخ 20 فبراير/شباط 2025.

ويتضمن البرنامج إعادة تهيئة مجموعة من الأحياء البارزة، بينها أحياء الفرح وأبي رقراق والرشاد والانبعاث والمودة، بالإضافة إلى إطلاق مشاريع للتهيئة الحضرية في حي العكاري.

وتهدف وفق البلدية إلى تحسين ظروف العيش وتعزيز جمالية المدينة بما يتماشى مع المعايير الدولية.

وتشمل الخطة تخصيص 1372 هكتارا لمناطق التوسع الإستراتيجي، بالإضافة إلى 487 هكتارا لمشاريع جديدة، مع تخصيص 262 هكتارا للمساحات الخضراء لترسيخ مفهوم "المدينة الخضراء".

كما ستشهد الرباط توسعا كبيرا في شبكة النقل، بما في ذلك تحسين خطوط ترامواي وتطوير شبكة طرق حديثة لتسهيل التنقل.

وتشمل إعادة التهيئة أحياء يعقوب المنصور، حسان، السويسي، واليوسفية، مع التركيز على تعزيز السياحة والتجارة من خلال إنشاء مراكز حضرية ومشاريع مبتكرة.

تحذيرات حزبية

وقالت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، إنها تتابع بقلق شديد عمليات الإفراغ والهدم التي تنفذها السلطات بالرباط، وما رشح من تجاوزات وخروقات قانونية.

وتطرق الحزب الإسلامي خلال بيان في 15 مارس/آذار 2025، إلى ما أثير من تساؤلات حول مآل العقارات المحصلة من المباني المهدمة، وما لحق من أضرار مادية ومعنوية بالمواطنين المعنيين.

ودعا الحكومة والسلطات المحلية إلى احترام والإجراءات التي ينص عليها القانون، واعتماد الشفافية ومراعاة المصلحة العامة بخصوص مآل هذه العقارات.

كما دعا إلى احترام حقوق المواطنين ومن ضمنها حق الملكية المضمون بمقتضى الدستور. 

وقرر الحزب "إحداث لجنة خاصة لمتابعة هذا الموضوع، بالنظر إلى أبعاده المتعددة والمرشحة للتطور".

من جانبه، أكد حزب "التقدم والاشتراكية"، أن عمليات التهيئة وإعادة التأهيل الحضري التي تخضع لها عدة مدن مغربية، وآخرها في حي المحيط وسانية الغربية بالرباط، "مهمة، إلا أنها ينبغي في الوقت ذاته أن تتم في إطار صون حقوق وكرامة المواطنات والمواطنين".

ونبه الحزب اليساري عبر بيان في 19 مارس 2025، إلى أن "عملياتِ الهدم والترحيل التي تنالُ عددا من الأحياء في بعض المدن، أثارت تداعيات مقلقة بالنسبة للأسر المعنية، خاصة على المستوى الإنساني والاجتماعي".

وفي هذا السياق، شدد الحزب على أن عمليات الهدم والترحيل "ينبغي ألاَ تتمَّ سوى بعد توفير كل الشروط الملائمة لإنجازها، إلى جانب نهج مقاربة يتم من خلالها إشراك السكان والتشاور القبلي معها وإقناعها بخصوص التعويضات والبدائل المُرضية".

كما طالب مجلس النواب، بعقد اجتماع للجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية، لمناقشة موضوع تهيئة وتأهيل المدينة القديمة بالرباط، وما نتج عنه من إشكالات اجتماعية متعددة.

رفض حقوقي

كما أدانت "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" بالرباط "عملية هدم مساكن بحي المحيط والمناطق المجاورة له"، وطالبت "السلطات المحلية بالتوقف الفوري عنه والتعويض عن الضرر".

وأضافت الجمعية خلال بيان في 10 مارس 2025، أن بعض أحياء الرباط تشهد عمليات هدم تقودها السلطات، ما دفع ملاك العقارات بطرق احتيالية، للانخراط في عمليات بيع لصالح بعض المستثمرين الإماراتيين والخليجيين الآخرين.

وأدانت الجمعية "ما تعرض له المواطنون والمواطنات القاطنون بالمناطق التي طالها الهدم والترحيل، من ضغوطات وترهيب وترغيب وتشريد من طرف السلطات المحلية".

وطالبت "السلطات المحلية بالتوقف الفوري عن عمليات الهدم والترحيل وكل أشكال الضغط التي مورست عليهم قصد التخلي عن مساكنهم ومحلاتهم، وتقديم كل التوضيحات لعموم الرأي العام المحلي حول مشاريع التهيئة بالمنطقة".

من جانبها، وصفت المراقبة العامة للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد، فاطمة العبوس، ما يجرى بأنه "هدم تعسفي".

واتهمت العبوس في تصريح نقله موقع "فبراير" المحلي في 15 مارس 2025، السلطات المحلية بالشطط (تجاوز الحدود) في استعمال السلطة وتخطي القوانين، مطالبة والي جهة الرباط بالنزول شخصيا لملاقاة السكان وتقديم التوضيحات اللازمة بشكل مباشر.

ورأت أن هناك غيابا تاما للشفافية في هذا الملف، مؤكدة وجود "مصالح خاصة وكواليس خفية" وراء قرارات الهدم.

كما انتقدت العبوس استخدام السلطات المحلية لأساليب التهديد والترهيب ضد المواطنين، خاصة خلال رمضان الذي يفترض أن يكون شهر أمن وسلام.

وطالبت العبوس السلطات بضمان استفادة السكان المحلية من المشاريع المستقبلية، وترى أنه من غير المنطقي أو المقبول أن يتم إقصاء السكان الذين قضوا عقودا في هذه المناطق، سواء كانوا ملاكا أو مكترين (مستأجرين).

ودعت إلى رفع تقرير مفصل إلى الملك محمد السادس للتدخل العاجل لإنصاف السكان ووقف التجاوزات الجارية.

غياب التواصل

من جانبه، أكد الكاتب الإقليمي لحزب العدالة والتنمية بالرباط، عبد الصمد أبو زهير، أن الانتقادات في هذا الملف تنال أيضا غياب أي تواصل رسمي مطمئن سواء من قبل السلطات المحلية.

وكذلك غياب التواصل من قبل الأغلبية المدبرة للمجلس الجماعي للرباط (البلدية) والوكالة الحضرية (مؤسسة حكومية مختصة بتدبير المجال الحضري للمدن).

وأردف لـ"الاستقلال"، أن "الرأي العام المحلي مازال يذكر تصريحات مديرة الوكالة الحضرية للرباط-سلا، خدوج كنو، التي أكدت فيها أنه "لن يكون أي هدم أو إجبار السكان على إخلاء مساكنها".

ورأى أن "هذا التضارب بين الأقوال والأفعال خلف حالة من الاحتقان الاجتماعي المتصاعد لدى سكان الرباط، وهو ما يزيد من فقدان الثقة لدى المواطنين في المؤسسات الرسمية المعينة والمنتخبة".

وشدد أبو زهير على "غياب السند القانوني والوثائق الرسمية والمسطرة المتبعة لمباشرة الهدم والترحيل"، موضحا أن "عمليات الهدم تجرى دون تسليم السكان أي قرار إداري مكتوب أو وثيقة قانونية تشرح أسباب الهدم أو تفاصيل المشروع".

واسترسل: "هناك شكوك يتم الترويج لها بقوة حول وجود صفقات خفية مع مستثمرين عقاريين خواص غير معلنين، مشيرا في هذا الصدد إلى تداول الأنباء عن استفادة رجال أعمال إماراتيين خصوصا ومن دول خليجية أخرى من تلك العقارات.

ورأى أبو زهير أن "استخدام لغة التهديد من قبل "وسطاء"، مثل: "سيتم اللجوء إلى وسائل أخرى إذا رفضتم البيع" (حسب رواية السكان)، يُعد ترهيبا غير مقبول"، داعيا إلى "فتح تحقيق حوله".

ونبه إلى أن "التلويح بقطع الخدمات الأساسية (الماء والكهرباء) عن بعض المنازل لإجبار السكان على المغادرة، هو إجراء تعسفي وغير إنساني ومخالف للدستور".

الضوابط القانونية

أمام شدة الانتقادات التي خلفتها عمليات الهدم، أكدت عمدة مدينة الرباط، فتيحة المودني، أن "عمليات الهدم لم تخضع لإجراءات نزع الملكية من أجل المنفعة العامة".

وأشارت إلى أن "العلاقة التي جمعت الأطراف المعنية كانت تعاقدية بين بائع ومشتر، وفقا للضوابط القانونية المتعارف عليها".

وأوضحت خلال ندوة صحفية عقدتها في 14 مارس 2025، أن "العملية تمت بالتراضي بين المالكين والمشترين، حيث تفاوض كل طرف بشكل مباشر وتوصلوا إلى اتفاقات دون أي إكراه أو تدخل غير قانوني".

وشددت على أن “بعض الشهادات التي قدمها المواطنون أكدت أن العقود أبرمت مع مديرية أملاك الدولة، مما يدحض أي مزاعم حول وجود جهات أجنبية أو تدخلات خارجية في هذه العملية”، رافضة في الوقت ذاته، "استغلال هذا الملف لأغراض سياسية".

وأشارت إلى أن بلدية الرباط “التزمت بالشفافية واحترام الإجراءات القانونية، حيث تم نشر جميع التفاصيل والإجراءات المتعلقة بالبحث العلني”.

وأكدت المودني أن التعويضات تمت وفق معايير واضحة، حيث تفاوض كل طرف على مستحقاته "دون أي قرارات جائرة"، منبهة إلى أنه تم أيضا أخذ الحالات الاجتماعية الهشة في الحسبان "لضمان توفير ظروف سكنية ملائمة لهم".

وخلصت إلى أن خيار التفاوض المباشر كان الحل الأمثل لتفادي الإجراءات القضائية المطولة، والتي كانت ستؤدي إلى خسائر مادية وتأخير في تنفيذ المشاريع، مؤكدة أن الاتفاقات التي أبرمت مع السكان مثلت "انفراجا" للكثير منهم.

الاستثمارات الخليجية

من زاوية أخرى، تداول الشارع المغربي عن علاقة مستثمرين خليجيين بما يجرى من هدم بتوافق مع السلطة، من أجل منح تلك الأراضي لمستثمرين خليجيين وآخرين مقربين من الحكومة، وهذا ما يؤكد عليه فاروق المهداوي، محامٍ ومستشار معارض ببلدية الرباط.

وقال المهداوي لـ"الاستقلال"، إن عمليات الهدم والهجوم على مساكن المواطنين بدأت منذ نهاية ديسمبر/كانون أول 2024، في خطوة غير معلنة سلفا وغير مقرر في تصميم التهيئة الذي صودق عليه في مجلس مدينة الرباط، وقبل اعتماده ونشره في الجريدة الرسمية. 

وشدد على أن السلطة المحلية تستغل موقعها السياسي والإداري للضغط على الملاك لبيع عقاراتهم مقابل مبلغ مالي قدره 13 ألف درهم للمتر مربع بالنسبة للعقارات المحفظة (حوالي 1300 دولار)، ومبلغ 10 آلاف درهم (حوالي 1000 دولار) بالنسبة للعقارات غير المحفظة، دون أن يكون المبلغ قابلا للتفاوض.

واسترسل: "مع العلم أن تقدير المتر المربع في هذه المنطقة يفوق 30 ألف درهم للمتر (حوالي 3 آلاف دولار)، ودون أن تكشف السلطة المحلية عن هوية المشتري".

وذكر أن السلطة تمارس تارة أسلوب التهديد المباشر للسكان، وأحيانا الترغيب والدعوة إلى المساهمة في جمالية المدينة والمصلحة العامة، دون أن يقدم رجال السلطة أي وثيقة للمعنيين بالهدم عن أسبابه، بل يتم توجيههم إلى موثق تحدده السلطة للتوقيع على عقد البيع دون أن يتسلم صاحب العقار أي وثيقة من كل هذا.

وأوضح المهداوي أنه أثناء مباشرة عمليات الهدم والترحيل وإخلاء السكان، سجلت حالتي وفاة بسبب الصدمة على حد تصريحات السكان، بالإضافة إلى حالة الاضطراب الاجتماعي التي بات يعيشه أغلب سكان الحي، واصفا ما تقوم به السلطة بـ"التعذيب الممنهج للسكان أمام صمت الجميع".

وشدد على أن “السلطات تتسر عن المشتري الحقيقي لتلك العقارات”، موضحا أن الأمر يتعلق بشركات خاصة من دول الخليج، خاصة من الإمارات، للاستثمار في مجال العقار والفنادق المصنفة.

وتابع: "بل الأكثر من ذلك هناك من يتحدث على أن صفقة بين هذا العقار تمت في إحدى الزيارات التي قام بها رجلان من كبار المقربين من دوائر القرار السياسي لبلادنا إلى الإمارات منتصف عام 2024، وتم بيع هذه العقارات بثمن 60 ألف درهم للمتر الواحد (حوالي 6 آلاف دولار)، والعهدة على الراوي"، وفق تعبيره.

واسترسل: "نحن اليوم أمام عملية غير مسبوقة في تاريخ وطننا، عملية وساطة كبرى لفائدة جهات أجنبية، حيث تهضم حقوق المواطنين لإرضاء خواطر المستثمرين الأجانب".

وخلاصة القول، بحسب المهداوي، أن "بلادنا ستنظم التظاهرات الدولية من قبيل مونديال 2030، لكن على حساب جيوبنا وحقوقنا وصحتنا ومستقبل الأجيال المقبلة".