خطف وتعذيب وقطع للرؤوس.. هكذا يستبيح المرتزقة الروس الطوارق في مالي

"يدفع المجلس العسكري في باماكو إلى المرتزقة الروس نحو 10 ملايين يورو شهريا "
فصل مأساوي جديد في الحرب الأهلية الممتدة داخل دولة مالي، بين نظام الرئيس المؤقت أسيمي غويتا، الذي هو قائد للجيش، وبين الطوارق والحركة الوطنية لتحرير أزواد، شمالي البلاد.
لكن الجديد في هذا الفصل أنه كتب بيد مرتزقة "فاغنر" الروسية، والتي باتت تعرف بـ "الفيلق الإفريقي"، عقب مصرع زعيمها السابق يفغيني بريغوجين، بعد محاولته الانقلاب على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وكشفت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، في 11 مارس/ آذار 2025، شهادات مروعة لمدنيين من أهالي الشمال المالي يتحدثون فيها عن جرائم تلك المجموعة، وما أحدثته من قتل واغتصاب بحق الشعب في تلك النقطة المنكوبة.
وفي يناير/ كانون الثاني 2024، أعلنت الإدارة العسكرية في مالي إنهاء "اتفاق الجزائر للسلام والمصالحة" الموقع مع جماعات الطوارق الانفصالية في الشمال التي ألقت سلاحها عام 2015.
وتم توقيع اتفاق السلام والمصالحة مع تنسيقية الحركات الأزوادية عام 2015، بوساطة الجزائر، لإنهاء العنف في المنطقة التي يطلق عليها الطوارق اسم "أزواد"، والتي تضم مدنا مثل تمبكتو وغاو وكيدال في شمال مالي.
وبدأ التوتر بين تنسيقية الحركات الأزوادية والحكومة عندما تركت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما)، التي غادرت البلاد، السيطرة على المعسكرات في الشمال للجيش.
وكانت تنسيقية الحركات الأزوادية قد عارضت بشدة تسليم المعسكرات للجيش، زاعمة أن بعض المعسكرات التي انسحبت منها مينوسما تقع في المنطقة الخاضعة لسيطرتها بحسب الخريطة التي حددها الاتفاق.
وخلال عملية انسحاب بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما)، التي بدأت في يوليو وانتهت في ديسمبر، اشتبك الجيش والمتمردون السابقون من وقت لآخر، واتهمت هيئة تنسيق التحركات الجيش بانتهاك الاتفاق.
قصص الرعب
يقول خبراء لصحيفة “واشنطن بوست”: إن العمليات العسكرية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، خاصة شمالي مالي، اتسمت بوحشية ساحقة ضد المدنيين، منذ وصول المرتزقة الروس إلى مالي، والذين يقدر عددهم الآن بحوالي 1500 مقاتل من مجموعة فاغنر.
ومن الشهادات التي نشرتها الصحيفة، ما رواه "كوسى أغ محمد"، راع يبلغ من العمر 31 عاما، كان قد فر من قريته في منطقة تمبكتو، شمال البلاد، ووصف جرائم فاغنر هناك بأنها لا مثيل لها، وأضاف "فاغنر جلبت كارثة لمنطقتنا".
وهو ما ذكره "هيني نسيبية"، كبير المحللين في غرب إفريقيا لمشروع "بيانات موقع النزاع المسلح والأحداث".
الذي قال: "إنهم يقتلون الناس بشكل عشوائي تماما، وعندما يرون قافلة من مركبات النقل أو أشخاصا يقومون بأعمال تجارية، يهاجمونهم على الفور، وينهبون البضائع، كما يقتلون النساء والأطفال".
ولم تكن الشهادات المروية فقط ما وثقت جرائم فاغنر، فهناك فيديوهات مصورة، وحيث أظهر مقطع من الفيديوهات، التي تم التقاطها من نفس المنطقة التي يتحدث عنها الراعي، 7 جثث ملطخة بالدماء ممددة على الأرض، وجثة أخرى لرجل مقطوع الرأس وضع رأسه بين يديه.
وكانت جثث النساء والأطفال مرئية في مقطع فيديو ثالث ملقاة في رماد منزل محترق، وقال الراعي: "الموت هو الذي جعلني أهرب.. رأيت الموت في كل مكان".

قطع الرؤوس
واتبعت فاغنر "سياسة اقتلوهم جميعا" على أساس ترويع السكان المحليين، كما أشار العديد من التقارير التي رصدت الوضع شمالي مالي.
ومنها ما أورده مركز "مواقع النزاع المسلح وبيانات الأحداث" في ديسمبر/ كانون الثاني 2024، عندما ذكر مقتل ما لا يقل عن 925 مدنيا، خلال نفس العام، بهجمات شاركت فيها فاغنر.
كذلك ذكر أندرو ليبوفيتش، وهو باحث في معهد "كلينغنديل" في هولندا، أن الجيش المالي متهم منذ فترة طويلة بانتهاكات حقوق الإنسان، لكن حجم وشراسة الانتهاكات، ارتفعت منذ دخول فاغنر للبلاد.
ومما أورده في تقرير نشره المعهد، أن المرتزقة تبنوا "تكتيكات حرب قذرة" بما في ذلك الاختطاف والتعذيب وقطع الرؤوس.
وقال نقلا عن العديد من اللاجئين: "إن الجثث كانت تشوه في كثير من الأحيان قبل انسحاب المرتزقة الروس".
وبدأت علاقات النظام العسكري في مالي مع فاغنر في منتصف عام 2021، بعد أقل من عام من انقلاب الضابط أسيمي غويتا على الرئيس أبو بكر كيتا، واستيلائه على السلطة حينها اتخذ أسيمي سياسة الابتعاد عن المستعمر القديم فرنسا، ولجأ إلى التقارب مع موسكو.
في ذلك التوقيت بدأ أولئك الرجال البيض الضخام الذين لا يتحدثون الفرنسية ولا اللغات المحلية يتوافدون على مطار العاصمة المالية باماكو، قبل أن يقيموا لهم قاعدة هناك، ومنها بدأ التمدد الروسي في أنحاء مالي.
مع الوقت أصبح وجود فاغنر عامل قوة أساسية للنظام المالي، بقيادة أسيمي الذي فتح الباب للنفوذ الروسي في الساحل الإفريقي.
وأصبحت من بين كتائبه قوة بيضاء مدججة بالسلاح، وذات سمعة فتاكة، نشرت الرعب والهلع بشكل خاص بين السكان المحليين في الشمال، وتتهم فاغنر على نطاق واسع بارتكاب مجازر دامية بحق المدنيين في مناطق الشمال.
وفي أكثر من 20 مقابلة لمراسلي واشنطن بوست، أكد لاجئون من مالي، والذين وصلوا منذ عام 2023 إلى موريتانيا، أن هجمات الجيش المالي وحلفائه الروس، هي التي جعلتهم يفرون، بعد أن فقدوا كثيرا من ذويهم.
ووصل تورط الجيش المالي، ومرتزقة فاغنر، إلى ارتكاب جرائم بحق مدنيين موريتانيين، وهو ما أفضى بعد تكراره إلى غضب موريتانيا، لتدخل العلاقات بين البلدين أخيرا في حالة من التوتر.

خسائر فاغنر
وشهدت الأشهر الأخيرة تحديدا منذ بدايات العام 2025، ارتفاع عدد المعدات العسكرية القادمة من روسيا إلى مالي، وفقا للمحللين والمرئيات.
وبالرغم من ذلك فإن فاغنر منذ تدخلها في مالي تعرضت لخسائر مثيرة للجدل في روسيا، وأثارت تساؤلات حول مستقبل المجموعة بإفريقيا عموما.
وناقش تقرير استقصائي، نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، الهزيمة الكبيرة التي منيت بها مجموعة فاغنر، خلال عملياتها في شمالي مالي.
حيث وقعت الهزيمة على يد قوات الطوارق المعارضة، عند محاولة فاغنر إلى جانب القوات الحكومية المالية السيطرة على منطقة "تينزاواتين" الصحراوية، عند الحدود الجزائرية المالية في يوليو/تموز 2024.
وتبين من التقرير، أن المعركة اندلعت عندما وقعت قافلة فاغنر المكونة من 20 مركبة في كمين محكم نصبه الطوارق، وكانوا قبله يتقدمون بسرعة عبر القرى والمدن.
وأدى سوء التخطيط وعدم الإلمام بالتضاريس الصحراوية القاسية والفشل اللوجستي ومشاكل التنسيق، إلى وضع فاغنر في موقف ضعيف وأحاط بهم الطوارق، وأعملوا فيهم القتل، كما دمروا إحدى مروحيات الدعم القادمة لإنقاذهم.
حينها تكبدت فاغنر أكبر خسارة لها على الإطلاق على الأراضي الإفريقية، إذ تأكد بحسب تقرير الصحيفة الأميركية، مقتل ما لا يقل عن 46 من مقاتليها، و24 جنديا ماليا.
وكشف ممثل الإطار الإستراتيجي الدائم للدفاع عن الشعب الأزوادي، السيد بن بيلا، عن تفاصيل تلك المعركة الطاحنة، التي جاءت بعد هجوم مفاجئ لقوات فاغنر، من أجل السيطرة على مقلع ذهب "مكان مخصص لاستخراج الذهب"، في قرية إخربان جنوب بلدة "تينزاواتن".
وقال: "هبت عاصفة رملية شديدة للغاية عصفت بالجنود الماليين وحلفائهم الروس، بينما قواتنا التي تعرف جيدا القتال في العواصف الرملية والتضاريس الصعبة واصلت صد الهجوم، حتى تحقق النصر".
وعلق التقرير على مستقبل فاغنر في القارة السمراء بعد هذه المعركة، وقال: "قوضت الهزيمة وعود فاغنر بأن يكون وجودها في مالي أكثر أمانا وأكبر ربحا مقارنة بأوكرانيا".
وهو ما أكدته مجلة "جون أفريك" الفرنسية، في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، بأن العملية التي أطلقتها القوات المسلحة المالية مع مجموعة "فاغنر" الروسية ضد "الطوارق" في تينزاواتن، لم تحقق أهدافها.
وقالت: "إن العملية كشفت عن وجود خلافات حادة وانعدام ثقة بين الجيش المالي وقوات فاغنر، وهو ما قد يؤدي إلى تغيير في إستراتيجية مواجهة من تصفهم بالمتمردين".

أهداف روسيا
يأتي ذلك بينما يقايض نظام الكولونيل المنقلب أسيمي غويتا، على أمنه بثروات البلاد، التي يمنح جزءا منها لروسيا، مقابل الاستعانة بـ "فاغنر".
حيث يدفع المجلس العسكري في باماكو إلى فاغنر، نحو 10 ملايين يورو شهريا (قربة 11 مليون دولار)، بحسب تقرير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (مؤسسة بحثية دولية)، الصادر في 2 ديسمبر/ كانون الأول 2021.
وكان بعنوان “روسيا ومجموعة فاغنر في مالي: كيف تضعف المخاوف الأوروبية سياسات الاتحاد؟”
وأورد أن "فاغنر" تمكنت بالفعل من الوصول إلى مناجم للذهب، مثل سيطرتها على بعض المناجم الواقعة في ولاية غاو بعد انسحاب الحركات الأزوادية منها في فبراير/ شباط 2023.
ووفق ما رصده التقرير من خلال صور توثق الأمر، فإن المنقبين غادروا الموقع الذي كان يحتضن 40 ألف معدن نادر، على رأسه الذهب، وأصبح تحت يد الروس، بمساعدة النظام العسكري الحاكم في مالي.
وتعد مالي رابع أكبر مصدر للذهب في إفريقيا، كما أنها تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط والمنغنيز واليورانيوم والليثيوم.
ومع ذلك لم يكن الذهب وحده هدف روسيا من التدخل في مالي وخوض المعارك هناك، بل كان لها نظرة أبعد تتعلق بإفريقيا والساحل الإفريقي تحديدا.
وهو ما أكده الباحث السوداني المتخصص في الشؤون الإفريقية الصادق الرزيقي، في حديثه لموقع "ذا إندبندنت" البريطاني، في 5 مارس/ آذار 2024.
حيث ذكر أن مالي بصدد تهيئة إفريقيا لسيطرة روسية خالصة، خصوصا أنها الدولة الأولى التي تمردت على سياسة فرنسا الإفريقية، وبادرت إلى التخلص من النفوذ الفرنسي وشكلت نموذجا لدول أخرى".
وتابع: "بعد حدوث الانقلاب في مالي والتغييرات الكبيرة، كانت باماكو تعلم أن ليس لروسيا أطماع على الطريقة الاستعمارية القديمة، وأن هناك مصالح ومنافع مشتركة بينها وبين روسيا التي استخدمت فاغنر لتعزيز نفوذها سواء من خلال التدريب أو المشاركة في القتال أو غير ذلك".
وعلق الموقع البريطاني، أن موسكو روسيا مصممة على ترسيخ موطئ قدمها في إفريقيا مستغلة علاقاتها مع مالي ودول أخرى على غرار جمهورية إفريقيا الوسطى، حيث تملك قاعدة عسكرية تبلغ طاقة استيعابها 10 آلاف جندي.
وتابع: "هي خطوات ستتيح أمام روسيا إمكانات هائلة منها مراقبة الوضع من كثب في منطقة غرب إفريقيا، والإمعان في طرد فرنسا من مناطق نفوذها التاريخية".