عبر صندوق "إتش إس بي سي".. كيف وصلت مدخرات المسلمين إلى شركات السلاح الإسرائيلية؟

قام الصندوق بشراء الأسهم في 5 شركات مرتبطة بسلسلة إمداد للجيش الإسرائيلي
تجاوزت استثمارات صندوق "إتش إس بي سي" الإسلامي لمؤشر الأسهم العالمية 130 مليون دولار في أسهم شركات ترتبط بالإمداد العسكري الإسرائيلي، من تحليل البيانات إلى الصواريخ ومكونات المدرعات. وأفادت منصة "هايفن" البريطانية، ومقرها لندن، في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، بأن البنك تعهّد بمراجعة القضية، وسط اعتراضات على توظيف مدخرات مسلمين في شركات تخدم جيش الاحتلال الإسرائيلي.
واشترى الصندوق أسهمًا في 5 شركات مرتبطة بسلسلة إمداد الجيش الإسرائيلي، تتصدرها شركة "بالانتير" الأميركية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، و"آر تي إكس"، ثاني أكبر شركات السلاح في العالم، وفق ما تكشفه حسابات الصندوق نفسه.
وجرت هذه الصفقات رغم أن نشرة الصندوق تدرج "الأسلحة والدفاع" ضمن الأنشطة غير المسموح بها، ورغم أن البنك يُقدّمه لعملائه بوصفه بوابة إلى "استثمارات أخلاقية ترتقي بالمجتمع".
فكيف عبرت هذه الأموال بوابة الفحص الشرعي؟ ومن أجاز إدخال أسهم شركات السلاح إلى محفظة توصف بأنها "حلال"؟ وهل كان البنك يجهل وجهتها، أم أنه سلك بنفسه الطريق الذي فتح لها الباب؟

رحلة المال "الحلال"
لا يصل المدخر المسلم إلى هذه الشركات مباشرة، بل عبر سلسلة طويلة تبدأ بخيار تقاعدي يحمل وسم التوافق مع الشريعة. فالصندوق المعنيّ صندوق مؤسسي مقره القانوني أيرلندا، تديره ذراع "إتش إس بي سي" لإدارة الأصول في بريطانيا، وتتجاوز أصوله 8 مليارات دولار، ويتتبع أداء مؤشر محدد للأسهم الإسلامية بدلًا من أن ينتقي مديروه الأسهم واحدًا واحدًا.
وتتدفق إليه الأموال أساسًا من خطط التقاعد البريطانية في أماكن العمل؛ ففي سبتمبر/ أيلول 2024، أطلقت شركة "ليغال آند جنرال" حلولًا تقاعدية إسلامية يدير البنك صناديقها الأساسية، وتعهّدت باستبعاد الشركات التي تتجاوز إيراداتها من الأسلحة والدفاع عتبة محددة.
كما كان نحو 40 ألف عضو في صندوق “نِست” الذي أنشأته الحكومة البريطانية للتقاعد، يستثمرون في الصندوق. وهكذا يختار الفرد الخيار الإسلامي لدى مزود معاشه، بينما تُتخذ قرارات المحفظة الفعلية في حلقات لا يراها، تشمل مزوّد التقاعد ومدير الصندوق ومزود المؤشر.
وتكشف حسابات الصندوق نصف السنوية المنتهية في 30 يونيو/ حزيران 2026 ما آلت إليه هذه المدخرات؛ إذ اشترى أسهمًا في "بالانتير" بقيمة 38.3 مليون دولار، و"آر تي إكس" بـ35.8 مليونًا، و"أنالوغ ديفايسز" بـ20.3 مليونًا، و"هانيويل" بـ18.9 مليونًا، و"رولز رويس" بـ17.7 مليونًا، أي ما مجموعه 131 مليون دولار. وبلغت القيمة السوقية لهذه الحيازات 122.4 مليون دولار في نهاية الفترة.
ولا تقف القائمة عند هذا الحد؛ إذ تظهر المحفظة أيضًا حيازة في "بي إيه إي سيستمز"، عملاق السلاح البريطاني، بقيمة 9.5 ملايين دولار.
ورغم أن شراء الأسهم من السوق لا يعني تحويل الأموال مباشرة إلى خزائن هذه الشركات؛ فإنّه يجعل مدخرات المسلمين شريكًا في ملكيتها وأرباحها، ويمنح البنك، نيابة عنهم، أصواتًا في جمعياتها العمومية، ويضعه في موقع المساءلة عن وجهة أموال ائتمنه عليها عملاؤه.

نقطة التحول
ولأن الصندوق يحاكي مؤشرًا جاهزًا، فإن السؤال الحاسم ليس ما الأسهم التي اختارها البنك؟ بل أي مؤشر اختار أن يتبعه؟ وهنا تكشف الوثائق نقطة تحول مفصلية، ففي إشعار رسمي مؤرخ في 29 يناير/ كانون الثاني 2026، أعلنت شركة "كارن غلوبال فند مانجرز"، مديرة الصندوق، أنها راجعت المؤشر المرجعي بالتشاور مع "إتش إس بي سي" بصفته مدير الاستثمار، استنادًا إلى "ملاحظات العملاء"، دون أن توضح طبيعتها.
وقضى القرار بالانتقال، ابتداءً من 23 مارس/ آذار 2026، من مؤشر "داو جونز للسوق الإسلامية تايتنز 100" إلى مؤشر "ستاندرد آند بورز العالمي 1200 المختار للشريعة"، دون اعتراض من البنك المركزي الأيرلندي.
ولم يكن هذا التبديل إجراءً فنيًا محايدًا؛ فمنهجية "داو جونز" الإسلامية تستبعد تصنيع الأسلحة وتوريدها، وتسمّي صراحة تقنيات التجسس والمكونات والأنظمة الهجومية، في حين لا تتضمن قائمة الاستبعادات العامة لمؤشرات "ستاندرد آند بورز" الشرعية حظرًا شاملًا لقطاع الأسلحة والدفاع. أما مؤشرات "فوتسي يسار" الشرعية فتستبعد هذا القطاع متى تجاوزت إيرادات الشركة منه 5 بالمئة.
ويقول واهيو جاتميكو، المحاضر في كلية إدارة الأعمال بجامعة ساوثهامبتون، لـ"ميدل إيست آي": "يحول العلماء المبادئ الإسلامية إلى قواعد عملية داخل مؤسسات تتشكل بفعل الأنظمة الرقابية والضغوط التجارية"، وهو ما يفسر تباين المؤشرات في الحكم على الشركة ذاتها.
واللافت أن البنك نفسه لا يزال يربط صندوقًا آخر يحمل اسمًا مشابهًا في لوكسمبورغ بمؤشر "داو جونز" الأكثر تشددًا، وفق نشرته الصادرة في 30 سبتمبر/ أيلول 2026، ما يعني أن المعيار الأشد كان متاحًا ومعمولًا به داخل المجموعة.
ورغم أن البنك لم يكشف سجل المعاملات الذي يحدد توقيت كل صفقة وسببها، فإن مشتريات الشركات الخمس جاءت في النصف ذاته من العام الذي شهد تبديل المؤشر.
شركات في قلب آلة الحرب
وما إن عبرت هذه الشركات بوابة المؤشر الجديد حتى صار الصندوق شريكًا في ملكية أسماء حاضرة في حلقات متعددة من آلة الحرب الإسرائيلية، من غرف تحليل البيانات إلى خطوط إنتاج الصواريخ.
فقد أعلنت "بالانتير" في يناير/ كانون الثاني 2024 شراكة إستراتيجية مع وزارة الدفاع الإسرائيلية لدعم "مهام مرتبطة بالحرب"، وعقدت اجتماع مجلس إدارتها في تل أبيب تضامنًا مع إسرائيل.
ورأى تقرير المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن الشركة وفرت تقنيات لأتمتة قرارات ساحة المعركة وإعداد قوائم الأهداف، بينما نفت الشركة، في رد رسمي، أي مشاركة في نظامي "لافندر" و"غوسبل".
أما "آر تي إكس"، فتنتج عبر ذراعها "رايثيون"، بالشراكة مع شركة "رافائيل" الإسرائيلية الحكومية، صواريخ "تامير" الاعتراضية لمنظومة "القبة الحديدية". وقد فاز مشروعهما المشترك في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 بعقد قيمته 1.25 مليار دولار لتزويد إسرائيل بهذه الصواريخ، وسلّم أول دفعة منتجة في أركنساس في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2026.
كما طور الطرفان منظومة "مقلاع داود"، وتوفر "رايثيون" مكونات لمقاتلات من سلسلة "إف" تُستخدم في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي عمق سلسلة الإمداد، رصد موقع "ذا ديتش" الأيرلندي شحنات مكونات من "أنالوغ ديفايسز" إلى "إلبيت سيستمز"، كبرى شركات السلاح الخاصة في إسرائيل، خلال عام 2024، ثم شحنة أخرى في سبتمبر/ أيلول 2025 إلى "إليسرا" التابعة لها والمتخصصة في الحرب الإلكترونية.
وكشف تحليل لوحدة "سند" في قناة الجزيرة أن وحدة قياس من صنع "هانيويل" كانت ضمن صاروخ استهدف مدرسة السردي التابعة للأمم المتحدة في مخيم النصيرات في يونيو/ حزيران 2024، ما أسفر عن استشهاد نحو 40 فلسطينيًا، بينهم 14 طفلًا.
أما "رولز رويس"، فتزود دبابات "ميركافا" ومدرعات "نامر" بأنظمة دفع من علامتها "إم تي يو"، وسمّت وثيقة أميركية فرعها "رولز رويس سوليوشنز أميركا" مقاولًا رئيسا في صفقة محتملة بقيمة 180 مليون دولار لمحركات مدرعات "إيتان" الإسرائيلية.

استثناء غامض
لم تكن هذه الصلات خافية، كما أن وثائق الصندوق نفسها لا تترك مجالًا للالتباس؛ إذ يدرج ملحق نشرته المؤرخ في 21 سبتمبر/ أيلول 2026، أي بعد 6 أشهر من تبديل المؤشر، "الأسلحة والدفاع" ضمن الأنشطة غير الملائمة للاستثمار، لكنه يذيل القائمة بعبارة تجيز خلاف ذلك إذا وافقت اللجنة الشرعية.
ويؤكد البنك في مواده الترويجية أنه يتحقق من أن الشركات لا تجني حصة كبيرة من إيراداتها من مصادر غير مباحة، ومنها الأسلحة.
وتضع هذه الصياغة البنك أمام 3 احتمالات: إما أن لجنته الشرعية أصدرت موافقة استثنائية على هذه الشركات، أو أن القيد فُسر على نحو يسمح بإدخالها، أو أن التطبيق يناقض الوثائق المعلنة.
ولا تتضمن المواد المنشورة أي قرار استثناء يسمي الشركات الخمس أو يشرح مسوغاته. وإذا كانت هذه الموافقة قد صدرت فعلًا، فإن حجبها عن المدخرين يطرح سؤالًا آخر عن الشفافية.
ويختصر جاتميكو المأزق بقوله: "أبرز ما يثير القلق هو التعارض الظاهر بين القيود التي يعلنها والاستثمارات التي وردت في التقارير".
ولا تعفي البنية المعقدة للصندوق البنك من المسؤولية؛ فالملحق يُلزم "إتش إس بي سي"، بصفته مدير الاستثمار، بضمان الامتثال وفق توجيهات اللجنة التي تراجع منهجية المؤشر ومكوناته وتصدر الإجازات والشهادة السنوية، وإن كانت لا تتحكم في قرارات الشراء اليومية.
وتتوزع بقية الحلقات بين "ستاندرد آند بورز داو جونز"، المديرة للمؤشر، وشركة "ريتينغز إنتليجنس بارتنرز" التي تتولى الفحص الشرعي للأسهم.
وحتى تشكيل اللجنة يثير التساؤل؛ فصفحة البنك التسويقية تتحدث عن عالمين، بينما يسمي التقرير السنوي لعام 2025 ثلاثة أعضاء، هم محمد علي القري وأزنان حسن ونظام يعقوبي، دون أن تكشف الوثائق دور كل منهم في إجازة المؤشر الجديد.

امتثال شكلي
وتكشف القضية في جوهرها فجوة بين امتثال يُقاس بالنسب المالية ومقاصد يُفترض أن يحرسها الوسم الشرعي.
ويرى محمد إبراهيم، أستاذ التمويل في كلية إدارة الأعمال بجامعة دور مهم، أن الفحص يقيم الأنشطة المعلنة للشركة لا الاستخدام النهائي لمنتجاتها، موضحًا: "يمكن لشركة مصنّفة ضمن قطاع التكنولوجيا أو الصناعة أن تجتاز فحص الأنشطة التجارية، حتى لو انتهى الأمر باستخدام منتجاتها في أنظمة الأسلحة".
ويضيف إبراهيم لـ"صحيفة الاستقلال" أن مقاصد الشريعة، ومنها حفظ النفس والعدل، "لا يشملها اختبار آلي لاستبعاد القطاعات". مؤكدًا أن البنك خذل عملاءه المسلمين الذين يتوقعون، عن حق، ألا تمول أموالهم شركات متورطة في إلحاق الأذى بالمدنيين.
ولا يعفي تتبع المؤشرات المستثمر من مسؤوليته؛ إذ يرى دليل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للمستثمرين المؤسسيين أن حيازة الأقلية تنشئ علاقة أعمال ترتبط بالأثر الضار، ويطرح خيارات منها تعديل الإستراتيجية أو اختيار مؤشر مختلف لمواجهة الآثار الأشد.
وبعد مخاوف أثارها صندوقا التقاعد "نِست" و"بيبولز بنشن"، كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 أن البنك بدأ مراجعة استثماره في "بالانتير". وقال متحدث باسمه لـ"بلومبيرغ": إن البنك سيراجع المسألة "بالشراكة مع مستشارين خبراء مستقلين، لتقييم ما إذا كان هذا النهج لا يزال يلبي توقعات المستثمرين"، متعهدًا بإبلاغ العملاء بأي إجراءات ضرورية.
لكن البنك لم يعلن حتى الآن أي تخارج أو نتيجة نهائية، ولم يوضح ما إذا كانت مراجعته ستشمل بقية الشركات، ومنها "آر تي إكس" التي تنتج صواريخ إسرائيل الاعتراضية.
وإلى أن يحدث ذلك، تبقى مدخرات عشرات الآلاف من المسلمين معلقة بين وسم "حلال" على الورق وأسهم في شركات تمد جيش الاحتلال بأدوات القتال، في حرب أودت بحياة أكثر من 74 ألفًا و500 فلسطيني في غزة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

















