الإمارات تسلّح الحوثيين بمعلومات استخباراتية.. هكذا تدفع السعودية الثمن

داود علي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

لم يعد التباعد السعودي الإماراتي في اليمن مجرد تنافس على النفوذ أو خلاف على تقاسم المكاسب، بل دخل مرحلة أكثر خطورة، مع اتهامات لأبوظبي بالعمل سرًا على إضعاف القوات المدعومة من الرياض، عبر تمرير معلومات استخباراتية ومساعدة جماعة الحوثي في تحديد أهدافها.

ففي تحقيق استقصائي نشره موقع "دروب سايت نيوز" الأميركي في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، كشف الصحفيان رايان غريم وإيونا كريغ، نقلًا عن أربعة مصادر مطلعة، أن الإمارات تقدم هذا الدعم للحوثيين في معاركهم ضد القوات المدعومة سعوديًا.

ويأتي هذا الكشف بعد أسابيع من هجوم خاطف أحكم خلاله الحوثيون قبضتهم على مضيق باب المندب، وردت عليه السعودية بتصعيد غاراتها على صنعاء، في تطور يضع التحالفات داخل المعسكر المناهض للجماعة أمام اختبار جديد، ويثير تساؤلات بشأن حدود الصراع بين الرياض وأبوظبي، ومدى استعداد كل طرف لاستخدام أوراقه الميدانية لإضعاف الآخر.

فلماذا تقدم الإمارات، وفق التحقيق، مساعدة لخصمها الأيديولوجي؟ وما الذي تسعى إلى انتزاعه من اليمن بعد انسحابها منه؟ وما الثمن الذي تدفعه الرياض في ظل حرب تتشابك فيها المصالح وتتصاعد فيها كلفة المواجهة؟

تعاون في الظل

يتحرك الدعم الإماراتي على مستويين متوازيين، الأول تتولاه قوات يمنية محسوبة على أبوظبي، تساعد الحوثيين في تحديد أهداف داخل صفوف القوات الحكومية، فيما تغض الإمارات الطرف عن ذلك.

أما المستوى الثاني فأكثر مباشرة؛ إذ يؤكد مصدران مطلعان أن الإمارات نفسها زودت الجماعة بمعلومات استخباراتية لاستهداف القوات المدعومة سعوديًا.

ولا تكمن خطورة هذه الاتهامات في طبيعة الدعم المنسوب إلى أبوظبي فحسب، بل أيضًا في هوية طرفيه؛ فالإمارات حليف وثيق لواشنطن وتل أبيب، فيما يُعد الحوثيون من أبرز حلفاء طهران في المنطقة. غير أن الساحة اليمنية جمعت الخصمين، وفق التحقيق، على قاعدة "عدو عدوي صديقي".

ويمضي مصدر يمني مطلع على قناة التواصل الخلفية أبعد من ذلك، مؤكدًا أن "الإمارات مررت كمية كبيرة من المعلومات الاستخباراتية إلى حكومة صنعاء"، وأن خط الاتصال بين الجانبين "لا يزال مفتوحًا"، وأن الجماعة نسجت قنواتها الخاصة مع قادة عسكريين ما زالوا على ولائهم لأبوظبي.

لكن هذا التعاون، بحسب المصادر، يتوقف عند خطوط مرسومة بعناية؛ فهو محصور في ساحة القتال داخل اليمن، ولا يمتد إلى تقديم أي مساعدة في ضرب أهداف داخل الأراضي السعودية.

ولم يغب الأمر عن واشنطن؛ إذ نبه مسؤول أميركي رفيع الإماراتيين أخيرا إلى أن بلاده اطلعت على ما يجرى، وطالب بوقفه، إلا أن التعاون، كما تؤكد المصادر، لا يزال مستمرًا.

في المقابل، لم يرد السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة على طلبات التعليق، بينما نفى القيادي الحوثي محمد البخيتي أن تكون أبوظبي قدمت "أي شكل من أشكال الدعم"، مؤكدًا التزامها الحياد ورفضها العودة إلى الحرب، رغم مساعي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الحثيثة لإقناعها بالانضمام.

من الشراكة إلى الطرد

ومع ذلك، لم يولد هذا التقارب من فراغ، بل تمتد جذوره إلى السنوات الأولى للحرب؛ فمنذ تدخل التحالف بقيادة السعودية عام 2015 دعمًا للحكومة المعترف بها دوليًا، بدا واضحًا أن أولوية أبوظبي ليست قتال الحوثيين بقدر ما هي مواجهة ما تعده خطر جماعة الإخوان المسلمين، ممثلة في حزب التجمع اليمني للإصلاح، أحد أركان الشرعية التي يقاتل التحالف باسمها.

وعلى هذا الأساس، بنت الإمارات في الجنوب شبكة من التشكيلات المسلحة التي تولت تمويلها وتوجيهها، ورعت عام 2017 ولادة المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي بقيادة عيدروس الزبيدي، مستثمرة نقمة جنوبية متراكمة على هيمنة النخب الشمالية منذ الوحدة عام 1990.

وسرعان ما تحول التباين إلى صدام مسلح، حين شنّت مقاتلات إماراتية في أغسطس/ آب 2019 ما يصل إلى 24 غارة على وحدات حكومية وأخرى موالية للإصلاح في عدن وأبين ومأرب، قبل أن تحاول الرياض رأب الصدع عبر "اتفاق الرياض"، الذي تعثر تنفيذه.

وبلغ الخلاف ذروته في ديسمبر/ كانون الأول 2025، حين اندفعت قوات الانتقالي شرقًا وسيطرت على محافظتين كبيرتين متاخمتين للسعودية وسلطنة عمان، فردت الرياض بقصف شحنة عسكرية إماراتية في ميناء المكلا، وأمهلت أبوظبي 24 ساعة للرحيل وإنهاء "دعمها العسكري أو المالي لأي طرف داخل اليمن".

ورضخت الإمارات وانسحبت، وانهارت قوات حلفائها سريعًا أمام القوات الحكومية المسنودة بالطيران السعودي، فيما لجأ الزبيدي إلى أبوظبي في يناير/ كانون الثاني.

ويرى البخيتي في تلك اللحظة مفتاحًا لفهم الموقف الإماراتي الراهن؛ فالسعودية، في نظره، أخرجت الإمارات من التحالف "بطريقة مهينة"، وأطلقت بذلك النار على قدمها، ومن "الطبيعي" بعدها أن ترفض أبوظبي العودة إليه رغم الضغوط السعودية والأميركية والإسرائيلية.

جبهات مجمدة

ولم تتفكك أدوات النفوذ الإماراتي بخروج أبوظبي من اليمن، فدمج القوات التي كانت تمولها في المؤسستين العسكرية والأمنية للحكومة لم يكتمل، بعد أن عطله تجدد القتال. ولا يزال موالون للانتقالي متحصنين في جبال الضالع، مسقط رأس الزبيدي؛ حيث تمر، بحسب مصدر يمني، قنوات التواصل بين المجلس والحوثيين عبر إحدى قياداته البارزة.

ويتهم المصدر ذاته قادة وحدات تابعة للانتقالي بتجنب المواجهة مع الحوثيين والانسحاب المتكرر من مواقعهم، ما أدى إلى تجميد الجبهات في محافظتي الضالع ولحج المتاخمتين لتعز.

ولا يختلف المشهد في ألوية العمالقة، القوة ذات الغالبية السلفية التي يُقدّر عدد مقاتليها بين 20 و30 ألفًا؛ إذ يتهم عدد من قادتها بخداع القوات المدعومة سعوديًا وترك مواقعهم دون قتال، رغم أنباء عن موافقة أبوظبي منتصف الشهر الجاري على استئناف بعض المدفوعات للقوات التي كانت تدعمها.

وحين سُئل شخص مقرب من الانتقالي عن الفصائل التي يرجح أن تمد الحوثيين بالمعلومات، أجاب ساخرًا: "على الأرجح جميعها". في المقابل، نفى مسؤول بارز مقيم في الإمارات وجود أي قنوات اتصال بين المجلس والجماعة، فيما شدد عمرو البيض، الممثل الخاص لرئيس الانتقالي، على أن قواتهم لن تقاتل في الشمال، لكنها ستتصدى لأي تقدم حوثي نحو الجنوب.

ويزيد من أهمية هذه الاتهامات ما تملكه أبوظبي من قدرات استخباراتية متقدمة، بدءًا بمشروع التجسس الإلكتروني “رايفن” الذي اخترق هواتف قادة أجانب، بينهم أمير قطر ووزير الدفاع التركي، وصولًا إلى برنامج "بيغاسوس" الإسرائيلي، الذي كُشف عام 2021 عن توظيفه لمراقبة أعضاء في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.

ماذا تريد أبوظبي؟

خرجت أبوظبي من اليمن مطلع هذا العام مهمشة بقرار سعودي، وها هي اليوم، وفق المعطيات الواردة في التحقيق، تحاول استعادة موطئ قدم إستراتيجي في بلد استثمرت فيه عقدًا كاملًا. وتكشف قراءة هذه المعطيات عن حسابات أعمق تتوزع على ثلاثة مسارات.

أولها إثبات أن السعودية عاجزة عن حسم المعركة منفردة؛ فكل جبهة يتركها حلفاء الإمارات مكشوفة، وكل هدف يُمرر إلى الحوثيين، يرفع كلفة الحرب على الرياض، ويحول عودة أبوظبي من خيار سعودي إلى ضرورة تُفرض بشروطها.

ومن هنا يمكن فهم المفارقة اللافتة: عودة إماراتية رسمية إلى صف الرياض عبر بوابة التمويل، يقابلها انكفاء ميداني لحلفائها على الجبهات.

وثانيها صون المشروع الجنوبي الذي رعته لسنوات؛ فبقاء قوات الانتقالي خارج سلطة الحكومة يحفظ لأبوظبي ورقة جاهزة لأي تسوية مقبلة، ويحول دون تحول الجنوب إلى ساحة نفوذ سعودي خالص.

وثالثها مواصلة معركتها القديمة مع حزب الإصلاح؛ إذ يصب إنهاك القوات الحكومية في إضعاف الحزب الذي ظل خصمها الأول داخل معسكر الشرعية منذ عام 2015.

غير أن هذه الحسابات تصطدم بسقف واضح، بحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية؛ فحصر المساعدة داخل اليمن يوحي بأن أبوظبي تريد الضغط على الرياض، لا الدخول في مواجهة مفتوحة معها، كما أن التحذير الأميركي يضيّق هامش مناورتها.

ويحرص البخيتي من جهته على التأكيد أن تقاطع المصالح لا يعني قيام تحالف رسمي، واصفًا الحديث عن مسعى إماراتي لتشكيل جبهة مشتركة ضد السعودية بأنه "عار تمامًا عن الصحة".

الرياض تدفع الثمن

في هذه المعادلة، تبدو السعودية أمام كلفة متصاعدة على المستويات العسكرية والسياسية والإستراتيجية؛ فالهجوم الذي أوصل الحوثيين إلى باب المندب لم يكتفِ بدحر القوات المدعومة منها، بل وضع في يد الجماعة ممرًا ملاحيًا يُعد من الأكثر ازدحامًا في العالم، وبديلًا مهمًا لمضيق هرمز المحاصَر، فيما باءت محاولات استعادة الأرض بالفشل في معظمها.

وفي الميدان، أظهرت الجماعة خلال الأشهر الأخيرة قدرة لافتة على استهداف قادة القوات المدعومة سعوديًا واستباق تحركاتها، كما في جولتي الضربات الدقيقة يومي 2 و7 أكتوبر/ تشرين الأول على قاعدة للتحالف غرب عدن؛ إذ أصابت إحداهما مدخل مكتب القائد السعودي في غيابه، وأصابت الأخرى مركبات عسكرية جديدة بعد ساعات قليلة من وصولها.

ورغم أن المساعدة المنسوبة إلى أبوظبي لا تطال العمق السعودي، فإن كلفة الحرب عبرت الحدود؛ إذ طالت الضربات الحوثية المطار الرئيس في المملكة، وأوقعت إحداها 12 قتيلًا وأكثر من 300 جريح، وأدت إلى إلغاء مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار".

أما المدنيون، فيدفعون الثمن الأفدح؛ فقد نزح أكثر من 250 ألف شخص منذ مطلع أغسطس/ آب 2026، نحو نصفهم من تعز، فيما يتعذر وصول المساعدات إلى أكثر من 600 ألف من سكان المحافظة التي يحاصر الحوثيون مدينتها الرئيسة.

وسياسيًا، تخوض الرياض حربها ضمن معسكر منقسم، فيما يمسك حليفها السابق بمفاتيح جبهات داخله. وفي حديث البخيتي رسالة مبطنة بهذا المعنى؛ فالسعودية لا تحتاج إلى القلق من "تحالف يمني إماراتي" مستقبلي ما دامت تقبل بإنهاء الحرب ورفع الحصار عن الجانبين، وهو ما يعني ضمنًا أن هذا الاحتمال سيبقى مسلطًا فوق الصراع إن لم تفعل.

وبين حرب مفتوحة بجبهة مخترقة، وتسوية تفرضها موازين لم تعد الرياض وحدها من يرسمها، تبدو خيارات المملكة جميعها مكلفة.