بين رغبة لندن وشروط بروكسل.. ما فرص عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

أدلى رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، خلال الفترة الأخيرة، بسلسلة من التصريحات الداعمة لتعزيز التقارب مع الاتحاد الأوروبي.

وخلال المؤتمر السنوي لحزب العمال، أقر بأن "خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تسبّب في أضرار تفوق الفوائد التي حققها".

وأكد أنه سيستغل القمة البريطانية الأوروبية المقررة أواخر عام 2026 لطرح "خيارات مختلفة" بشأن مستقبل العلاقات بين الجانبين أمام الشعب البريطاني.

وفي مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية، قال بورنهام: إن "العودة إلى الاتحاد الأوروبي تمثل أحد الخيارات الممكنة".

وأثارت هذه التصريحات جدلا واسعا في بريطانيا والاتحاد الأوروبي، في ظل الأهمية السياسية الكبيرة التي تحظى بها قضية الانسحاب من التكتل وحساسيتها لدى الطرفين، ما أعاد احتمال عودة المملكة المتحدة إلى عضوية الاتحاد الأوروبي إلى صدارة النقاش العام.

ويرى موقع "الصين اليوم" أن "تصريحات بورنهام تمثل امتدادا لموقف حزب العمال المؤيد لأوروبا وتطورا له".

وأوضح أن الحزب، خلال فترة رئاسة كير ستارمر للحكومة، تبنّى موقفا واضحا يدعو إلى التقارب مع الاتحاد الأوروبي، لكنه حدد ثلاثة خطوط حمراء لسياسته الأوروبية، مراعاة للحساسية السياسية المحيطة بهذه القضية.

وأضاف أن هذه الخطوط تمثّلت في عدم العودة إلى السوق الأوروبية الموحدة، وعدم الانضمام إلى الاتحاد الجمركي، وعدم استعادة حرية التنقل بين بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي.

رصيد سياسي

وذكر الموقع أن "تصريحات بورنهام تمثل امتدادا لموقف حزب العمال المؤيد لأوروبا وتطورا له".

وتابع موضحا: "تبنى الحزب خلال فترة رئاسة كير ستارمر للحكومة موقفا واضحا يدعو إلى التقارب مع الاتحاد الأوروبي، لكنه وضع ثلاثة خطوط حمراء لسياسته الأوروبية، مراعاة للحساسية السياسية التي تحيط بهذه القضية".

وأضاف: "تمثلت هذه الخطوط في عدم العودة إلى السوق الأوروبية الموحدة، وعدم الانضمام إلى الاتحاد الجمركي، وعدم استعادة حرية التنقل بين بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي".

ووفق التقرير، "سعى حزب العمال خلال تلك الفترة إلى تعزيز العلاقات البريطانية الأوروبية من خلال اتفاقيات محددة، تشمل تجارة المواد الغذائية والمنتجات الزراعية، وتجارة انبعاثات الكربون، وتنقل الشباب، غير أن هذه الإنجازات الفنية لم تحظَّ بقدر كبير من الاهتمام السياسي".

وفي المقابل، أشار الموقع إلى أن "بورنهام، بعد توليه رئاسة الوزراء، لم يعلن التخلي عن الخطوط الحمراء الثلاثة، لكنه طرح الإبقاء على الوضع الراهن، والانضمام إلى الاتحاد الجمركي، والعودة إلى السوق الموحدة، وصولا إلى استعادة العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، بوصفها خيارات مطروحة".

وبحسب تحليله، فإن "هذا التحول جعل العودة إلى الاتحاد الأوروبي خيارا طبيعيا يمكن مناقشته".

وفيما يتعلق بأسباب استعداد بورنهام لتجاوز هذه المحظورات السياسية، رجّح التقرير أن "ذلك يعود إلى اعتقاده بأنه يمتلك رصيدا سياسيا لم يكن متاحا لسلفه كير ستارمر".

وفسّر حديثه: "فقد عاد بورنهام إلى البرلمان بعد فوزه على مرشح حزب الإصلاح في انتخابات فرعية، ويتمتع بشعبية كبيرة داخل حزب العمال، كما أسهم في تحسين القاعدة الجماهيرية للحزب".

فضلا عن ذلك، "أظهرت بعض استطلاعات الرأي أن حزب العمال تمكن، بعد تولي بورنهام رئاسة الوزراء، من تجاوز التراجع الذي كان يعانيه في شعبيته، وتفوق على حزب الإصلاح بصورة متواصلة خلال الفترة من يوليو/ تموز إلى سبتمبر/ أيلول".

وعليه، يرى التقرير أن "بورنهام ربما يقدر أن هذه المكاسب السياسية تمنحه مساحة أكبر للتحرك بشأن قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي".

من جانب آخر، أشار الموقع إلى أن "الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها بريطانيا تمثّل الخلفية الأعمق وراء رغبة بورنهام في إعادة البلاد إلى الاتحاد الأوروبي".

واستشهد بـ"تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني (OBR)، التي تشير إلى أن حجم الاقتصاد البريطاني سيكون، بعد مرور 15 عاما على اكتمال عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي، أقل بنحو 4 بالمئة مما كان سيبلغه لو استمرت المملكة المتحدة عضوا في التكتل".

علاوة على ذلك، أورد التقرير "تقديرات دراسات أخرى تفيد بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أدى بالفعل إلى انخفاض ناتجها المحلي الإجمالي عام 2025 بنسبة تتراوح بين 6 و8 بالمئة، مقارنة بما كان يمكن تحقيقه لو لم تغادر الاتحاد".

وفي السياق ذاته، لفت إلى أن "استطلاعا حديثا أجرته مؤسسة يوغوف أظهر أن 11 بالمئة فقط من المشاركين يرون أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان أكثر نجاحا من البقاء فيه، بينما أعرب نصف الناخبين عن استعدادهم للعودة إلى عضوية الاتحاد الأوروبي".

شروط بروكسل 

أما رد فعل الاتحاد الأوروبي، فيتسم، بحسب التقرير، بـ"الترحيب السياسي دون تقديم تنازلات بشأن الشروط"، إذ وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عودة بريطانيا إلى الاتحاد بأنها "أخبار جيدة للغاية"، بينما أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أنه سيرحب بعودتها "بأذرع مفتوحة".

بدوره، أكد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أن "بريطانيا والاتحاد الأوروبي شريكان يتقاسمان التوجهات نفسها، وأن تعميق التعاون بينهما أمر بالغ الأهمية".

غير أن الموقع أوضح أن "الترحيب الأوروبي لا يعني قبول عودة بريطانيا دون شروط، ونقل عن مسؤولين في الاتحاد الأوروبي قولهم إن (بريطانيا لا تزال، على ما يبدو، تعتقد أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إليها أكثر مما تحتاج هي إليه، لكن التقارب لن يتحقق إلا عندما تبدي استعدادها للعودة إلى التوافق مع القواعد التي أعلنت أنها تحررت منها)".

من جهته، أكد وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي أن "بولندا ستصوت لصالح عودة بريطانيا إذا تقدمت بطلب للانضمام مجددا إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها لن تحصل على المعاملة نفسها التي كانت تتمتع بها سابقا".

فيما يرى ميشيل بارنييه، كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي السابق بشأن خروج بريطانيا، أن "احتفاظ المملكة المتحدة بالجنيه الإسترليني وبقاءها خارج منطقة شنغن بعد عودتها إلى الاتحاد الأوروبي أمر ممكن، لكن كل شيء يتوقف على المفاوضات وقرار الاتحاد".

ويعتقد التقرير أن "قوة موقف الاتحاد الأوروبي تظهر بوضوح في علاقاته مع بريطانيا؛ إذ ستتركز القمة البريطانية الأوروبية المقررة في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026 على اتفاق تجارة الأغذية وفق تدابير الصحة والصحة النباتية، وتجارة انبعاثات الكربون، وبرنامج تنقل الشباب".

وبحسبه، "يتطلب الاتفاق المتعلق بتدابير الصحة والصحة النباتية من بريطانيا مواءمة معاييرها الغذائية بصورة مستمرة مع معايير الاتحاد الأوروبي".

وأضاف: "حتى الآن، لم يوافق الاتحاد الأوروبي على تصنيف الصادرات البريطانية بوصفها منتجات أوروبية، ولذلك تواجه بريطانيا صعوبة في تجنب القيود التي يفرضها مشروع “صنع في أوروبا” الذي يتسم بطابع حمائي".

وتابع: "لا تمتلك بريطانيا، بوصفها دولة غير عضو في الاتحاد الأوروبي، الحق في المشاركة في وضع القواعد التي تخضع لها المفاوضات ذات الصلة".

وبعبارة أوضح، يرى التقرير أن "الاتحاد الأوروبي، رغم رغبته في تعزيز العلاقات مع بريطانيا، يشترط لعودتها قبول قواعده، بدلا من وضع قواعد مصممة خصيصا لها".

واستشهد الموقع بـ"رأي الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، تيموثي آش، الذي يرى أن (الاتحاد الأوروبي يمتلك أوراقا تفاوضية عديدة، وأن عودة بريطانيا إلى عضويته تتطلب عملية طويلة الأمد لإقناع الناخبين عبر المسار الديمقراطي)".

إجراءات معقدة

على الصعيد الشعبي، أشار التقرير إلى أن "نتائج استطلاعات الرأي الحالية تصب في مصلحة المؤيدين للعودة؛ إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة يوغوف في أكتوبر/ تشرين الأول 2026 أن 52 بالمئة من البريطانيين سيؤيدون العودة إلى الاتحاد إذا أجري استفتاء، مقابل 27 بالمئة يفضلون البقاء خارجه".

وأضاف: "أعرب 22 بالمئة من الناخبين الذين أيدوا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في استفتاء عام 2016 عن استعدادهم لتغيير موقفهم".

ومع ذلك، نوه الموقع إلى أن "الموقف الرسمي البريطاني لا يزال حذرا؛ إذ أكدت الحكومة في يناير/ كانون الثاني 2026، ردا على عريضة تطالب بالعودة إلى الاتحاد الأوروبي، أن بريطانيا لن تنضم إليه مجددا، مع تمسكها بالخطوط الحمراء الواردة في البرنامج الانتخابي لحزب العمال لعام 2024".

وأوضح أن "بورنهام، رغم إشارته إلى إمكانية إدراج العودة إلى الاتحاد الأوروبي ضمن البرنامج الانتخابي المستقبلي لحزب العمال، أكد أن إجراء استفتاء على العودة في الوقت الراهن ليس الخطوة الصحيحة".

من زاوية أخرى، يرى التقرير أن "عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي تواجه عقبات قانونية وفنية كبيرة؛ إذ تنص المادة 49 من معاهدة الاتحاد الأوروبي على ضرورة موافقة المجلس بالإجماع على طلب الانضمام، والحصول على موافقة البرلمان الأوروبي، وتصديق جميع الدول الأعضاء".

وتابع: "لا توجد إجراءات مبسطة لانضمام الدول التي سبق لها الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، ثم غادرته".

رغم ذلك، ذكر الموقع أن "المجموعات المؤيدة لأوروبا تستشهد بتجربة فنلندا التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي بعد ثلاث سنوات من تقديم طلب العضوية، بوصفها دليلا على إمكانية تسريع المفاوضات إذا توافرت إرادة سياسية قوية بين بريطانيا والاتحاد، في ظل التقارب الكبير بين قواعد الجانبين".

واستدرك: "لكن الواقع لا يسير بالضرورة على النحو الذي يأمله مؤيدو العودة؛ إذ من الواضح أن بريطانيا لن تستعيد تلقائيا الترتيبات الخاصة التي كانت تتمتع بها سابقا، بما فيها الاحتفاظ بالجنيه الإسترليني، والبقاء خارج منطقة شنغن، والاستفادة من الخصومات على مساهماتها في ميزانية الاتحاد الأوروبي".

واستطرد: "ستحتاج جميع هذه الاستثناءات إلى مفاوضات جديدة، بينما لا يزال من غير المعروف ما إذا كان البريطانيون مستعدين لتقديم تنازلات بشأنها".

بالإضافة إلى ذلك، لفت الموقع إلى أن "الانقسامات الحزبية داخل بريطانيا تمثل عائقا إضافيا أمام العودة؛ إذ يعارض حزب المحافظين وحزب الإصلاح بشدة استعادة عضوية الاتحاد الأوروبي".

وفي المقابل، ذكر أن "حزب الديمقراطيين الليبراليين يدعو حاليا إلى العودة للسوق الأوروبية الموحدة والاتحاد الجمركي، ويعدّ استعادة العضوية الكاملة هدفا طويل الأمد".

في حين "تؤيد أحزاب الخضر والقومي الأسكتلندي وويلز العودة إلى الاتحاد الأوروبي، لكن عدد مقاعدها ونفوذها السياسي محدودان، فيما لا يوجد موقف موحد داخل حزب العمال بشأن هذه القضية".

وفي الوقت ذاته، نوه التقرير إلى أن "استمرار التعافي الأخير في شعبية حزب العمال في استطلاعات الرأي لا يزال غير مؤكد، كما أن آفاق بقائه في السلطة مستقبلا غير واضحة".

وبناء عليه، يرى أن "احتمال عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي سيتراجع بصورة أكبر إذا تمكن حزبا الإصلاح والمحافظين، المعارضان لهذه الخطوة، من زيادة عدد مقاعدهما في البرلمان خلال الفترة المقبلة".

في المحصلة، خلص الموقع إلى أن "بورنهام يحاول طرح العودة إلى الاتحاد الأوروبي بوصفها أحد الخيارات المتاحة في مستقبل العلاقات البريطانية الأوروبية، لكن لا تزال هناك فجوة كبيرة بين الإرادة السياسية وإمكانية تنفيذ هذا التوجه".

وأردف: "تمثل متطلبات إجراء الاستفتاء وإجراءات الانضمام والانقسامات بين الأحزاب السياسية والشروط التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، مجتمعة، حدودا واقعية لإمكانية العودة".

واختتم التقرير بالتأكيد أن "بريطانيا تستطيع تعزيز تقاربها مع أوروبا، لكن احتمال عودتها الكاملة إلى عضوية الاتحاد الأوروبي على المدى القصير يظل ضعيفا للغاية".