حل "بي كا كا".. لماذا يصعب القضاء على حزب العمال الكردستاني شمال العراق؟

لا يزال العراق يشكل الملاذ الأكبر لحزب العمال الكردستاني
دخلت تركيا “مرحلة جديدة في حربها ضد الإرهاب”، بعد دعوة عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني “بي كا كا”، في 27 فبراير/شباط 2025، التنظيم للتخلي عن السلاح وحل نفسه.
ورأت وكالة الأناضول التركية أن الخطوة، التي التزم بها الحزب، ليست مجرد تطور أمني، بل تحول إستراتيجي يعيد رسم ملامح السياسة الإقليمية.
ومع أن تركيا رأت في هذه الخطوة انتصارا لسياستها الحازمة، فإن الواقع يكشف عن انعكاساتٍ تتجاوز الحدود التركية، وتؤثر بشكل مباشر على العراق والأكراد في المنطقة.
الملاذ الأكبر
وقال الكاتب التركي "بيلجاي دومان" في مقال نشرته الوكالة: لا يزال العراق يشكل الملاذ الأكبر لحزب العمال الكردستاني، رغم تعدد أذرعه في سوريا وإيران.
فمنذ انتقاله من سوريا إلى العراق عام 1982، استغل التنظيم هشاشة الدولة العراقية ليجعل من أراضيها قاعدة لانطلاق عملياته ضد تركيا.
وهذه الحقيقة تعكس ضعف السيادة العراقية السابقة؛ حيث فشلت الحكومات المتعاقبة في بسط نفوذها على شمال البلاد، ما جعل العراق بيئة مثالية لنشاط التنظيمات المسلحة.
واللافت أن هذا الضعف لم يكن مجرد صدفة، بل نتيجة عقود من الصراعات التي أضعفت السلطة المركزية، وفق الكاتب.
وتطرق هنا إلى الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) ولاحقا حرب الخليج (1991) ثمّ سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين (2003)، وصولا إلى اجتياح تنظيم الدولة للعراق (2014-2017).
كل ذلك جعل العراق ساحة مفتوحة للقوى الإقليمية والجماعات المسلحة. وفي ظل هذا الواقع، لم يكن من المستغرب أن يجد حزب العمال الكردستاني موطئ قدم راسخاً في جبال قنديل شمالي البلاد ومحيطها.

وأشار الكاتب التركي إلى أن استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي يعزز بقاء الحزب في العراق، خصوصا في إقليم كردستان.
إذ تؤدي الخلافات بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني في كردستان إلى غياب موقف موحد تجاه التنظيم.
وبين أن عدم قدرة الأحزاب الكردية على تشكيل حكومة مستقرة، حتى بعد الانتخابات الأخيرة في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2024، يؤكد أن الانقسام الداخلي يصب في مصلحة التنظيمات المتطرفة، والتي تجيد استغلال الفراغ السياسي.
وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن بعض الأطراف الكردية، وعلى رأسها الاتحاد الوطني استخدمت حزب العمال الكردستاني كأداة سياسية، سواء لمناكفة الحزب الديمقراطي أو لممارسة ضغوط على تركيا.
ورغم أن هذه الإستراتيجية قد تحقق مكاسب مؤقتة، فإنها على المدى الطويل تُضعف الإقليم، وتجعله ساحة صراع بدلا من أن يكون لاعبا إقليميا قويا.
بذلك، يمكن القول إن أكبر المتضررين من وجود حزب العمال الكردستاني هم الأكراد أنفسهم؛ حيث تسبب الحزب في زعزعة الاستقرار السياسي داخل الإقليم، وفق الكاتب.
ويظهر الوضع الحالي أن المشهد السياسي الكردي يواجه اختبارا صعبا في ظل التحديات الأمنية والسياسية المتفاقمة.
مستقبل التنظيم
في المقابل، قال الكاتب إن “تركيا كانت تدرك أن انتظار حل سياسي لمشكلة حزب العمال الكردستاني لن يكون خيارا فعالا”.
ولذلك تبنت إستراتيجية "القضاء على التهديد من مصدره"، عبر عمليات عسكرية متتالية في كل من سوريا والعراق.
وهكذا تمكنّت أنقرة من فرض واقع جديد، حيث أصبحت المناطق الحدودية أكثر أمنا، واضطر مسلحو الحزب إلى الانسحاب جنوبا.
لكن وعلى الرغم من أن إعلان الحزب التخلي عن السلاح يمثل ضربة كبيرة له، فإن التجربة التاريخية تُظهر أن التنظيمات المسلحة لا تختفي بين ليلة وضحاها.
فلا تزال هناك مخاوف من أن يعيد حزب العمال الكردستاني تموضعه، سواء عبر التحول إلى أنشطة سياسية سرية، أو من خلال إعادة تجميع صفوفه في مناطق أخرى.
وأردف الكاتب: رغم التفاؤل الحذر الذي أبدته القيادات الكردية العراقية تجاه التطورات الأخيرة المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، فإن هناك حالة من القلق العميق بشأن مستقبل التنظيم.
ويعود هذا القلق إلى غياب الوضوح حول شروط تخلي مقاتلي الحزب عن السلاح، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان “بي كا كا” سيحاول إعادة تشكيل نفسه بطرق أخرى داخل العراق.
وعلق الكاتب أن مجرد إنهاء التهديد العسكري للحزب لا يعني بالضرورة القضاء على نفوذه السياسي والاجتماعي، خاصة في ظل وجود بيئة قد تسمح له بإعادة التموضع.
فمن غير المستبعد أن يستغل الحزب الوضع الداخلي المتأزم في العراق لصالحه، خاصةً مع تمتعه بدعم داخل بعض الأوساط الكردية، وكذلك بين الإيزيديين وبعض الأقليات الأخرى.
ولفت الكاتب التركي إلى أن هذا الدعم يشكل تهديدا مزدوجا، فمن ناحية يمكن أن يستخدمه الحزب كأداة للبقاء.
ومن ناحية أخرى قد يؤدي إلى مزيد من الانقسامات داخل المشهد الكردي العراقي، الذي يعاني بالفعل من أزمات داخلية متكررة.
إضافة إلى ذلك، فإن الأكراد العراقيين الذين يواجهون تحديات مستمرة في علاقتهم مع الحكومة المركزية قد يجدون أنفسهم أمام أزمات جديدة بفعل التدخلات غير المباشرة لحزب العمال الكردستاني.
لكن، وعلى الرغم من أن “بي كا كا” يبدو كيانا موحدا، فإن الواقع يكشف عن تيارات مختلفة داخله، أبرزها الجناح المتشدد المعروف بـ"الصقور"، بالإضافة إلى القيادي جميل بايق المقرب من إيران.

ويرى الكاتب أن هذه الانقسامات قد تؤدي إلى تعطيل أي جهود حقيقية لنزع سلاح الحزب، لا سيما في ظل احتمالية أن تتبنى بعض الفصائل نهجا متطرفا يعرقل مسار التسوية.
إيران حاضرة
كما أن التراجع الإيراني في سوريا ولبنان قد يدفع طهران إلى تعزيز نفوذها داخل العراق عبر تحريك أوراقها، بما في ذلك استغلال ملف حزب العمال الكردستاني، مما قد يخلق تعقيدات جديدة في المشهد الإقليمي.
واستدرك الكاتب: تراقب أنقرة هذه التطورات عن كثب، كما فهم من تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بشأن إيران بعد الإعلان عن عملية تفكيك حزب العمال الكردستاني.
وقال فيدان في مقابلة مع قناة الجزيرة في 27 فبراير/شباط 2025 إن سياسة إيران الخارجية المرتبطة بأذرعها في المنطقة تكتنفها "مخاطر كبيرة رغم بعض المكاسب التي حققتها"، مؤكداً أنها "تكبدت تكلفة أكبر مقابل الحفاظ عليها".
وشدد على ضرورة التخلي عن سياسة الاستحواذ في المنطقة، معربا عن قناعته بأن قادة إيران سيفكرون من منظور مختلف بعد التطورات في المنطقة من خلال تطوير العلاقات مع الدول الأخرى، وهي تصريحات أغضبت طهران ودفعتها للرد.
وانتقد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، تصريحات فيدان وقال: إنها “خطأ كبير”، متهما تركيا بأنها “تتعامى عن الأيادي الأميركية والإسرائيلية السرية والخفية في تطورات المنطقة”.
وجاءت تصريحات فيدان في وقت أفادت فيه وسائل إعلام تركية مقربة من الحكومة بأن طهران تحاول عرقلة جهود أنقرة لإنهاء ملف حزب العمال الكردستاني وامتداده في سوريا، في تلميح إلى أن إيران تتحرك، على غرار الولايات المتحدة و"إسرائيل"، في هذا الملف.
ولكن قطع الرئيس السوري أحمد الشرع أي محاولة إيرانية للعبث عبر توقيعه مع مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” اتفاقا يقضي “بدمج” كل المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية، في خطوة رحبت بها تركيا.

ولفت الكاتب إلى أن إطلاق نواب عراقيين مقربين من إيران حملة تطالب بخروج القوات التركية من العراق يشير إلى محاولة إيرانية للضغط على الوجود التركي في المنطقة.
وهذه الحملة تعكس التنافس بين أنقرة وطهران داخل العراق؛ حيث تسعى إيران إلى تقليص النفوذ التركي، خاصة في شمال البلاد وهو مقر العمليات العسكرية التركية ضد حزب العمال الكردستاني.
كما أن هذه المطالبات قد تكون رد فعل إيرانيٍّ على الدور التركي المتزايد في العراق، لا سيما مع العمليات العسكرية المستمرة لأنقرة في إقليم كردستان ومناطق أخرى.
ومن هنا فإن هذه الحملة لا تعبر فقط عن موقف بعض النواب العراقيين، بل تمثل جزءا من التوتر الإقليمي بين تركيا وإيران حول النفوذ في العراق، وفق الكاتب.
وأردف أن العراق، خاصة القيادة الكردية، بحاجة إلى إعادة تقييم موقفها من حزب العمال، ليس فقط من منطلق العلاقة مع تركيا، ولكن أيضا لضمان استقرارها الداخلي.
فقد أثبتت التطورات الأخيرة أن التنظيم لم يعد قادرا على تنفيذ عمليات واسعة داخل تركيا، مما يعني أن استمرار وجوده لم يعد يمثل خطراً على أنقرة، بل بات تهديدا مباشرا على العراق نفسه.
وبالتالي، فإن التخلص من التنظيم بشكل كامل ليس مجرد مصلحة تركية، بل خطوة ضرورية لتحقيق الاستقرار في المنطقة.
وفي هذا السياق، تأتي تصريحات فيدان بشأن تعزيز التعاون الإقليمي وإنهاء الأخطاء السابقة بمثابة تحذير واضح لجميع الفاعلين الإقليميين، حيث تؤكد على ضرورة العمل المشترك لمنع أي فراغ سياسي قد يستغله حزب العمال الكردستاني أو أي طرف آخر.