الإمارات “رشت” الاتحاد الأوروبي لإخفاء دعمها مليشيا "حميدتي”.. ما الحقيقة؟

إسماعيل يوسف | منذ شهرين

12

طباعة

مشاركة

تسمّي وسائل الإعلام العالمية القضية "فضيحة ستراسبورغ"، بينما يصفها السودانيون شعبيا بأنها "رشوة" حصل عليها الاتحاد الأوروبي من الإمارات، أو ضغوط مورست عليه للتغاضي عن دعمها تسليح مليشيا قوات الدعم السريع.

ففي 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أصدر البرلمان الأوروبي مشروع قرار أشار فيه صراحة إلى دور الإمارات في دعم قوات الدعم السريع بالسلاح، وإلى "دعوات متزايدة لوقف صادرات الأسلحة الأوروبية إلى أبو ظبي خشية إعادة توجيهها إلى السودان".

كما أوضح الموقع الرسمي للبرلمان الأوروبي أن الإمارات تخضع حاليا لتحقيق أممي تجريه لجنة مختصة بشأن اتهامات بدعمها العسكري لقوات الدعم السريع.

لاحقا، أرسلت أبو ظبي وفدا إلى ستراسبورغ (مقر البرلمان الأوروبي) في محاولة لإقناع النواب بأنها تلعب دورا "إيجابيا" في الأزمة السودانية، وذلك قبل أيام من التصويت النهائي. وتشير تقديرات مراقبين إلى أن مصالح اقتصادية واسعة وجماعات ضغط نافذة ربما لعبت دورا في التأثير على موقف النواب الأوروبيين.

وفي 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، صدر القرار النهائي للبرلمان الأوروبي حول السودان خاليا من أي ذكر للإمارات، رغم أن المسودة الأولى الصادرة قبل أسبوع فقط تضمنت إدانات واضحة لدورها في دعم مليشيا الدعم السريع.

ماذا جرى؟

كشف تقرير حصري نشره موقع "بوليتيكو" الأميركي في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أن الإمارات مارست ضغوطا "عنيفة" ومكثفة داخل البرلمان الأوروبي بهدف إخفاء دورها في حرب السودان، ومنع أي إشارة إلى دعمها مليشيا الدعم السريع ضمن نص القرار المتعلق بالأزمة السودانية.

ووفق التقرير، أوفدت أبو ظبي مبعوثتها لانا نسيبة إلى ستراسبورغ على رأس وفد رفيع، لعقد سلسلة لقاءات مباشرة مع نواب مؤثرين قبل التصويت، في محاولة لإقناعهم بأن الإمارات "تلعب دورا بنّاء" في حل الأزمة، على الرغم من التقارير الحقوقية التي تتهمها بتزويد قوات الدعم السريع بالسلاح.

كما وزّع الوفد الإماراتي وثيقة غير رسمية على أعضاء البرلمان قبل جلسة التصويت، نفت فيها أبو ظبي بشكل كامل تقديمها أي دعم سياسي أو مالي أو لوجستي لقوات الدعم السريع.

ولإدارة عملية الضغط- التي لا تُعرف طبيعتها الكاملة ولا الوسائل المستخدمة فيها- حصل الوفد الإماراتي على غرفة خاصة داخل مبنى البرلمان الأوروبي ملاصقة للقاعة الكبرى، استخدمت لعقد اجتماعات واتصالات بعيدا عن الأعين.

وكشف ثلاثة مسؤولين في البرلمان لـ"بوليتيكو" أن حزب الشعب الأوروبي (EPP) عدّ أي صياغة تنتقد الإمارات "خطا أحمر"، بدعم مباشر من الكتل اليمينية، ما أدى إلى حذف أي ذكر للإمارات تمامًا والاكتفاء بإدانة ميليشيا الدعم السريع.

ووفق تقرير نشره موقع "يورونيوز" في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حاول أعضاء البرلمان من الأحزاب اليسارية إدخال تعديلات تشير بوضوح إلى دور الإمارات وتدعو إلى المساءلة، لكن الأحزاب اليمينية المحافظة المتحالفة مع أبوظبي- وعلى رأسها EPP وECR- رفضت هذه التعديلات خلال التصويت.

ووصف ناشطون ومنظمات حقوقية في بروكسل تحركات الإمارات بأنها "محاولة لاحتواء الضرر" عبر ممارسة ضغط مضاد مكثف لمنع ذكر اسمها. وأوضحوا أن الوفد الإماراتي خاض سباقا داخل الممرات المغلقة والغرفة الخاصة بجوار القاعة الكبرى لمنع أي إشارة لها في النص النهائي.

ورغم أن أبو ظبي نجحت في حذف اسمها، إلا أن قرار البرلمان الأوروبي جاء بصياغة هي الأقوى حتى الآن في إدانة فظائع قوات الدعم السريع، مشيرا إلى "القتل على أساس عرقي والاغتصاب والاستعباد الجنسي وتجويع المدنيين".

وأكد القرار أن هذه الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم إبادة جماعية، وطالب بفرض عقوبات على "المليشيات والداعمين الخارجيين"- دون تسمية الإمارات صراحةً، رغم التقارير الواسعة التي تشير لتقديمها الدعم العسكري لمليشيا حميدتي لتحقيق مصالح تتعلق بالذهب والموانئ.

أما الإشارة الوحيدة التي بقيت للإمارات فكانت في فقرة تؤكد قرارا مشتركا صادرا عن الرباعية الدولية (مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة) في 12 سبتمبر، الداعي إلى إنهاء الحرب.

ونقل موقع DW الألماني في 26 نوفمبر عن النائبة الأوروبية الهولندية ماريت مايخ أن المفوضية الأوروبية كانت تنظر في وقف مفاوضات التجارة مع الإمارات بسبب صِلاتها بتزويد قوات الدعم السريع بالسلاح. وأوضحت أن تقارير موسعة أشارت إلى استخدام أبوظبي خطوط إمداد عبر الصومال وليبيا وتشاد لنقل السلاح إلى قوات حميدتي، المتهمة بارتكاب مجازر وعمليات تطهير عرقي واغتصاب وتعذيب.

ومع ذلك، وزّعت بعثة الإمارات في ستراسبورغ بيانات تنفي فيها أي دعم سياسي أو مادي للدعم السريع، وواصلت ممارسة ضغوط مكثفة على أعضاء البرلمان.

وفي السياق ذاته، قال القيادي في الجيش السوداني ياسر العطا للصحفيين- بالتزامن مع صدور القرار الأوروبي- إن "العالم كان صامتًا بشأن ما فعلته قوات الدعم السريع في السودان". مضيفًا: "هذا الصمت تم شراؤه بقوة أموال الإمارات".

ورغم ترحيب الإمارات بالقرار الأوروبي بعد حذف اسمها منه، يرى المحلل السوداني مكاوي الملك أن "القرار هو أول صفعة دولية تكشف رواية أبو ظبي وتضع مليشياتها تحت المجهر العالمي".

وأكد أن البرلمان الأوروبي لم يمنح الإمارات شرعية، بل وضع الدعم السريع تحت الرقابة الدولية، وفتح الباب لأول مرة لتحقيقات في شحنات السلاح الأوروبي التي وصلت إلى المليشيا عبر الإمارات، ودفع الاتحاد الأوروبي لإعادة التفكير في اتفاقية التجارة معها.

كيف تمت الرشوة؟

لم تكن "الرشوة" بالمعنى التقليدي المتعلق بدفع مبالغ مالية مباشرة، بل تمثّلت – وفق تقديرات وتقارير أوروبية – في ضغوط اقتصادية وسياسية مارستها الإمارات عبر إبرام صفقات تجارية مربحة مع دول أوروبية، واستخدام نفوذها المالي الواسع لضمان حذف اسمها من قرار البرلمان الأوروبي المتعلق بحرب السودان ودعم مليشيا الدعم السريع.

وبحسب تسريب حصلت عليه منصة "دارك بوكس"، التي تتابع الأنشطة السرية للإمارات، قادت أبوظبي إحدى أقوى عمليات الضغط السياسي داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

اعتمدت العملية على مزيج من نفوذ اقتصادي عبر وعود بصفقات واستثمارات، وضغط سياسي عبر حلفائها داخل البرلمان، خصوصًا من أحزاب اليمين المحافظ، وشبكات علاقات واسعة تستخدمها الإمارات للتأثير على قرارات أوروبية حساسة، ومكاتب دبلوماسية نشطة وزيارات غير معلنة داخل البرلمان الأوروبي.

التسريب يشير إلى أن الإمارات كانت تدرك المخاطر الكبيرة لصدور إدانة أوروبية صريحة ضدها، لما قد يسببه ذلك من تهديد لمشاريعها الاقتصادية في أوروبا أو لتعطيل المفاوضات الجارية بشأن اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي.

لذا عملت بسرعة على إسقاط أي إشارة مباشرة لدورها في تسليح الدعم السريع، وإفشال مقترحات نواب طالبوا بتجميد المفاوضات التجارية معها وفرض عقوبات.

وترى مصادر سودانية أن الصياغة النهائية للقرار الأوروبي، الخالية من ذكر الإمارات، لم تكن "تجاهلًا بريئًا"، بل نتيجة "صمت تم شراؤه" عبر نفوذ سياسي ومالي كثيف.

وبحسب تسريبات "دارك بوكس"، فإن حرب السودان تحولت إلى ساحة صراع نفوذ دولي تُستخدم فيها الأموال والعلاقات السياسية لإعادة تشكيل الحقيقة، وأن الإمارات لا تزال قادرة على شراء الصمت الأوروبي والتحكم في رواية الحرب.

ويفتح هذا التسريب الباب أمام تساؤلات واسعة حول حجم اختراق الإمارات لمؤسسات اتخاذ القرار في أوروبا؛ إذ لا تعد هذه المرة الأولى التي تتمكن فيها أبو ظبي من إعادة هندسة المواقف الأوروبية عبر أدوات الضغط السياسي والاقتصادي.

لذلك يرى محللون سودانيون أن ما جرى في ستراسبورغ يوضح بجلاء كيف يحوّل النفوذ المالي والسياسي الإماراتي إلى أداة فعّالة لطمس مسؤوليتها عن واحدة من أكثر الحروب دموية في إفريقيا، وكيف يُعاد تشكيل المواقف داخل البرلمان الأوروبي عندما تتدخل دولة قادرة على شراء الصمت وإعادة توجيه البوصلة السياسية.

وفي السياق ذاته، أشار الحقوقي كينيث روث، المدير السابق لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” إلى أن الإمارات شنّت حملة ضغط واضحة داخل البرلمان الأوروبي لتجنب ذكر دورها في تسليح قوات الدعم السريع سيئة السمعة. مؤكدا أن ما حدث يقدّم مثالا صارخا على قدرة النفوذ الخليجي على التأثير في مخرجات المؤسسات الأوروبية الحساسة.

وبعد عامين ونصف العام من الصراع الدموي في السودان، الذي خلّف ما بين 20 ألفًا و150 ألف قتيل من المدنيين، وشرّد نحو 12 مليون شخص، بينهم 7.2 ملايين نازح داخلي وأكثر من 4.2 ملايين لاجئ وطالب لجوء في دول الجوار، دعت منظمة "رينيو يوروب" إلى اتخاذ إجراءات دولية عاجلة وحاسمة لمنع انزلاق البلاد نحو ما وصفته بـ"أسوأ أزمة إنسانية في العالم".

وقالت ماريت مايج، منسّقة الوفد الاشتراكي والديمقراطي في الجمعية البرلمانية المشتركة للاتحاد الأوروبي والمفاوضة الرئيسة عن كتلة الاشتراكيين والديمقراطيين بشأن القرار: إن تحقيقات موثوقة أظهرت بوضوح أن جهات وشبكات خارجية- تعمل انطلاقًا من الإمارات أو عبرها- قدّمت دعما مباشرا لقوات الدعم السريع.

ودعت مايج، في تصريحات نُشرت على موقع "الاشتراكيون والديمقراطيون" بتاريخ 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، السلطات الإماراتية إلى "التوقف عن تأجيج الحرب في السودان".

كما شددت على أنه "من المُخزي" — على حد وصفها — أن يتعاون حزب الشعب الأوروبي مع قوى اليمين المتطرف لإنكار هذه الحقائق، قائلة إن الكتل اليمينية "لم تجرؤ حتى على ذكر اسم الإمارات في نص القرار".

سيناريوهات محتملة

في أعقاب أزمة إدراج ثم حذف اسم الإمارات من مشروع قرار البرلمان الأوروبي، وما رافقها من انقسام حاد بين الكتل الاشتراكية والديمقراطية من جهة، واليمين المحافظ والمتطرف من جهة أخرى، تطرح تقديرات غربية ثلاثة سيناريوهات رئيسة للمسار المتوقع خلال الفترة المقبلة:

1. سيناريو التهدئة وإدارة الأزمة دبلوماسيًا

يقضي هذا المسار باتباع نهج حذر يضمن خفض التوتر، بحيث تواصل الإمارات إصدار بيانات إيضاحية، أو تعلن فتح تحقيقات داخلية، أو تقدم تقارير للأوروبيين بشأن دورها في السودان.

وفي المقابل، يعتمد الاتحاد الأوروبي سياسة تهدئة محسوبة، ما يفضي إلى تحسين نسبي في العلاقات، واستئناف مسارات التعاون التقليدية، خصوصًا في مجالات التجارة وبيع السلاح والتكنولوجيا.

2. سيناريو التصعيد المحدود

ويتجسد في إجراءات برلمانية ضاغطة أو قيود تجارية يقودها النواب الاشتراكيون والديمقراطيون داخل البرلمان الأوروبي؛ حيث يُربط جزء من ملفات التعاون بشروط أكثر تشددًا.

تقديرات تشير إلى أن المفوضية الأوروبية كانت تدرس بالفعل تعليق أجزاء من الاتفاقات ومراجعة صادرات السلاح والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج إلى الإمارات.

في هذا السيناريو، قد تشهد العلاقات تباطؤًا واضحًا، مع تأثيرات اقتصادية موجهة على قطاعات محددة، على أن ترد الإمارات بالمثل عبر تجميد مشاريع تعاون اقتصادي تعود بالنفع على دول أوروبية.

3. سيناريو التصعيد القانوني الواسع

وهنا يتحرك الاتحاد الأوروبي نحو خطوات أشد حساسية، مثل فرض عقوبات على شبكات أو وسطاء يُعتقد أنهم يعملون لصالح الإمارات في نقل السلاح إلى قوات الدعم السريع، أو فتح تحقيقات مالية وقضائية ضد شركات أو وسطاء مرتبطين بهذا الملف.

وقد يقود جمع أدلة جديدة إلى تقييد صادرات محددة أو فرض إجراءات رقابية مشددة.

وفي حال تحقق هذا السيناريو، سيكون التأثير عميقًا، إذ تتراجع مستويات التعاون الأمني والتجاري، وتتفاقم الأزمة الدبلوماسية، ما يفتح الباب أمام توتر طويل الأمد بين الجانبين.