بغداد أم أنقرة.. من يقف وراء تعطيل صناعة النفط في إقليم كردستان؟ ولماذا؟

قسم الترجمة | منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

استعرض معهد بحثي أميركي التحدي الذي يواجهه إقليم كردستان العراق لتصدير النفط، في مشكلة مستمرة منذ نحو 3 أشهر، تفاقمت أخيرا بعد رفض تركيا استئناف استيراده من الإقليم.

وقال "معهد أبحاث السياسة الخارجية" إنه "على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، واجهت المنطقة الكردية في شمال العراق وحكومتها (إقليم كردستان) أحد أخطر التحديات خلال عقدين من وجودها الرسمي".

وأضاف أن خط الأنابيب -الذي تصدر من خلاله حوالي 400 ألف برميل من النفط يوميا- مغلق منذ 25 مارس/آذار 2023، بخسائر تقديرية تقترب من مليار دولار شهريا، أي حوالي 30 مليون دولار يوميا.

ووفق المعهد، فإن "كردستان العراق" يصدر نحو 10 بالمئة من إجمالي الصادرات العراقية وحوالي 0.5 بالمئة من الإنتاج العالمي، كما تعتمد حكومة الإقليم على الدخل من صادرات النفط في حوالي 80 بالمئة من ميزانيتها.

وأشار إلى أن وقف تصدير نفط كردستان العراق إلى تركيا، جاء بعد حكم صدر عن غرفة التجارة الدولية بباريس، ألزم أنقرة بدفع تعويضات لبغداد بقيمة 1.5 مليار دولار عن صادرات غير مصرح بها بين عامي 2014 و2018، مع العلم أن العراق طلب 30 مليار دولار كتعويضات.

وحسب المعهد، فإن بغداد تزعم أن استخدام الأكراد لخط الأنابيب، من شمال العراق إلى ميناء جيهان التركي، دون موافقة حكومة بغداد، يعد انتهاكا للاتفاقية الثنائية بين البلدين منذ عام 1973.

وأكد أن "الحكومة العراقية حاولت خلال العِقد الماضي السيطرة على صادرات النفط الكردية، كجزء من جهد أكبر للحد من الحكم الذاتي الكردي في العراق".

"هذا بالإضافة إلى الحد من منافستها مع صادرات النفط العراقية الأخرى، فقد كان النفط الكردي يُعرض بخصم 10-20 دولارا للبرميل، مما خلق سوقين للنفط العراقي، بينهما تفاوت في الأسعار"، حسب الورقة البحثية.

أسباب الرفض التركي

وأشار "معهد أبحاث السياسة الخارجية" إلى إنه "بعد قرار التحكيم، أوقفت تركيا على الفور تحميل النفط العراقي في جيهان".

ويستحوذ العراق ككل (بغداد وأربيل) على 27 بالمئة من واردات تركيا من النفط والمنتجات البترولية الأخرى، وفقا لأحدث البيانات الصادرة عن هيئة تنظيم سوق الطاقة التركية، في ديسمبر/كانون الأول 2022.

وفي 4 أبريل/نيسان 2023، توصلت أربيل وبغداد سريعا إلى اتفاق مؤقت بشأن طريقة تصدير نفط شمال العراق في المستقبل.

وفي 10 مايو/أيار من العام نفسه، طلبت بغداد رسميا من تركيا تجديد استقبالها لصادرات النفط، لكن أنقرة لم تفعل ذلك بعد، حسب الورقة البحثية.

وقال المعهد الأميركي: "يبدو أن أنقرة تريد استخدام نفوذها الحالي لفتح مفاوضات مباشرة حول الأموال التي يتعين عليها دفعها للعراق، وربما للضغط على بغداد لتعليق جهودها في المحاكم الأميركية لإنفاذ حكم التحكيم".

"وكذلك لتسوية تحكيم ثان مستمر بين البلدين فيما يتعلق بتدفقات النفط منذ عام 2018"، حسب المعهد.

وتفيد التقارير أن تركيا تريد أيضا الضغط على بغداد وحكومة إقليم كردستان، لتسوية نزاعهما النفطي لتجنب أي خلافات أخرى في المستقبل.

ومن الممكن أيضا القول إن تركيا عانت من زلازل ضخمة في فبراير/شباط 2023، أثرت على مرافق ميناء "جيهان"، وكانت سببا للتأخر في استقبال الشاحنات.

"هذا فضلا عن أن انخراط تركيا، خلال الأشهر الماضية في انتخابات حاسمة، ربما كان سببا في صرف انتباه الفاعلين السياسيين عن قضايا أخرى"، حسب الدراسة.

وعلى أي حال، انخفض إجمالي صادرات العراق، في مايو 2023، إلى أدنى مستوى له منذ ما يقرب من عامين، بسبب توقف صادرات نفط كردستان العراق.

وقال صندوق النقد الدولي، في يوليو/تموز 203، إن "هذا التوقف تسبب في تباطؤ النمو الاقتصادي العراقي في الأشهر الأخيرة".

وأشار المعهد إلى أن "أول اجتماع بين وفد فني تركي ووزارة النفط العراقية، عُقد في 19 يونيو/حزيران 2023، ومن المتوقع عقد اجتماعات إضافية، لكن تجديد الصادرات لا يبدو وشيكا".

ونقل عن مسؤول عراقي قوله إن "قرار استئناف تدفق النفط يحتاج إلى محادثات سياسية على مستويات أعلى، إذ إن المشكلات التي تعوق استئناف الصادرات سياسية أكثر منها فنية".

ونوه المعهد إلى أن "هناك جانبا إسرائيليا أيضا في المشكلة، فقد كان كردستان العراق أكبر مورد للنفط إلى إسرائيل عام 2022 وحتى أبريل 2023، كما كان كذلك قبل عام 2018".

لكن ذلك انتهى، إذ إن "سومو" (شركة تسويق النفط الحكومية العراقية)، التي تراقب صادرات هذه المادة لحكومة إقليم كردستان، لا تسمح بالتصدير إلى إسرائيل، بحسب المعهد.

النفط والحكم الذاتي

وقال إنه "لطالما كان هناك خلاف مرير بين أربيل وبغداد، بشأن مَن يسيطر على قطاع الطاقة في كردستان العراق".

وأضاف: "في وقت إنشاء النظام العراقي الجديد عام 2003، اتفق على أن تصدر حكومة إقليم كردستان من حقولها عبر منظمة سومو، والامتناع عن تسويق النفط بشكل مستقل، مقابل الحصول على نسبة من الميزانية المركزية العراقية".

ومع ذلك، لم يقر البرلمان العراقي قانون النفط والغاز الفيدرالي. وفي عام 2007 أقر البرلمان الكردستاني قانون خاصا به بهذا الشأن.

"ومع استمرار إقليم كردستان في تصدير النفط بشكل مستقل، انتقم العراق بقطع المدفوعات من الميزانية، ما تسبب في أزمات مالية لكردستان، وإلحاق الضرر بقدرة حكومة الإقليم على دفع رواتب عدد كبير من موظفي القطاع العام لديها بانتظام"، حسب المعهد.

وتابع: "تعرضت صناعة النفط الكردية، والاستقلال السياسي والاقتصادي الكردي بشكل عام، لضغوط شديدة بشكل خاص في العام 2022".

"ففي فبراير 2022، قضت المحكمة الفيدرالية العليا للعراق - الخاضعة لتأثير الأحزاب الشيعة- بأن قانون النفط والغاز لحكومة إقليم كردستان لعام 2007 غير دستوري"، وفق المعهد.

وأضاف أن "المحكمة أمرت بغداد باتخاذ إجراءات لإجبار السلطات الكردية على تسليم إمداداتها الخام إلى الحكومة الفيدرالية العراقية".

وأكد المعهد أن "هذا الحكم منح بغداد السلطة للاستمرار في إبطال العقود الموقعة مع الدول الأجنبية، وشركات النفط العالمية، المتعلقة بالتنقيب عن النفط الخام في كردستان وإنتاجه وتصديره وبيعه".

وأدى ذلك إلى حملة شنتها وزارة النفط العراقية ومؤسسة "سومو" ضد المشغلين وشركات الخدمات في كردستان، وكذلك مشتري النفط الكردي.

"وحذروا من اتخاذ إجراءات قانونية ضد من يتعامل مع النفط الكردي دون موافقتهم، ورفعوا دعاوى أمام المحاكم العراقية، التي ألغت 4 عقود حتى الآن".

ومن جانبها، رفضت السلطات الكردية القرار ووصفته بأنه "ذو دوافع سياسية"، قائلة إن حكم المحكمة لا يتماشى مع الدستور العراقي.

نفوذ إيراني

وأكد المعهد الأميركي أن "النظام القضائي العراقي يُنظر إليه على أنه خاضع لسيطرة الأحزاب ذات التوجه الإيراني التي تشكل الإطار التنسيقي الشيعي، وتعمل لصالحه".

وفي يناير/كانون الثاني 2023، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في العراق قرارا يقضي بإلغاء جميع القرارات الحكومية المتعلقة بتحويل الأموال إلى إقليم كردستان.

وأوضح "معهد أبحاث السياسة الخارجية" أنه "منذ قرار المحكمة العليا في فبراير 2022، وجدت حكومة إقليم كردستان صعوبة في العثور على مشترين للنفط".

كما "زادت من الخصومات التي تقدمها لمَن يشتري النفط، مقابل المخاطر السياسية التي يتعرض لها".

علاوة على ذلك، تأخرت حكومة الإقليم في سداد المدفوعات للموردين والتجار، وهي مدينة لهم بمئات الملايين من الدولارات.

وشدد على أن "الجماعات الشيعية الموالية لإيران حريصة على تقليص الحكم الذاتي الكردي بشكل أكبر".

كما أنها تعمل على "استغلال التنافس الداخلي بين الأكراد وضعف الحزب الديمقراطي الكردستاني (يرأسه مسعود بارزاني ويهيمن على الحكم) وحكومة إقليم كردستان (بقيادة مسرور بارزاني)".

وأوضحت: "بينما يبدو أن رئيس الوزراء العراقي الحالي، محمد شياع السوداني، ملتزم بالتوصل إلى حل وسط لهذه الأزمة، فليس من الواضح على الإطلاق أنه يحظى بدعم ائتلافه الحكومي المضطرب".

وشدد المعهد على أن "أي تغيير في الحكومة في بغداد- مع وجود احتمالية لعقد انتخابات مبكرة عام 2024- قد يؤدي إلى تغييرات في سياسة بغداد تجاه قطاع الطاقة في كردستان العراق".