على عكس زعماء العرب.. لماذا تجاهل قيس سعيد تهنئة أردوغان بفوزه بالانتخابات؟

حسن عبود | منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

على عكس بقية الزعماء العرب، تجاهل الرئيس التونسي قيس سعيد، تهنئة نظيره التركي رجب طيب أردوغان بالفوز بالانتخابات، ما كشف عن عمق الأزمة بين البلدين.

وفي الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 28 مايو/أيار 2023، حصل أردوغان على 52.16 بالمئة من الأصوات، مقابل 47.84 بالمئة لمنافسه كمال كليتشدار أوغلو، وفق ما أعلنته الهيئة العليا للانتخابات.

وتوالت التهاني والتبريكات من زعماء الأنظمة العربية لأردوغان، لكن لوحظ غياب قيس سعيد عن قائمة المهنئين، ليضع نفسه في ذات الخانة إلى جانب رئيس النظام السوري بشار الأسد، الذي اتخذ ذات الخطوة.

وجرى ذلك على الرغم من أن أردوغان كان من أول المهنئين بفوز سعيّد في الانتخابات الرئاسية بتونس عام 2019، حيث أجرى الرئيس التركي مكالمة هاتفية معه صباح الإعلان عن النتائج، متمنيا له التوفيق في منصبه الجديد.

وتوترت العلاقات بين الطرفين بسبب "الإجراءات الاستثنائية" التي بدأها رئيس النظام التونسي في 25 يوليو/تموز 2021، ووصفتها قوى تونسية عديدة بـ "الانقلاب".

وتعيش تونس أزمة سياسية منذ أن بدأ سعيّد فرض إجراءات عديدة منها إقالة الحكومة وحل مجلس القضاء والبرلمان وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية ثم تمرير دستور جديد للبلاد في 25 يوليو 2022.

وتعد قوى تونسية هذه الإجراءات "انقلابا على دستور 2014 (دستور الثورة) وتكريسا لحكم فردي مطلق"، بينما ترى فيها قوى أخرى "تصحيحا لمسار ثورة 2011"، التي أطاحت بنظام حكم الرئيس آنذاك زين العابدين بن علي.

أما سعيد، الذي بدأ في 2019 فترة رئاسية تستمر خمس سنوات، فقال إن إجراءاته "ضرورية وقانونية" لإنقاذ تونس من "انهيار شامل"، وفق قوله.

فكيف تدهورت العلاقات بين البلدين؟ وما أسباب امتناع رئيس النظام التونسي عن تهنئة أردوغان؟ وما مستقبل العلاقات المشتركة في ظل حكم سعيد؟

غياب الثقة

بدأ غياب الثقة المتبادلة مبكرا، وتحديدا في 26 ديسمبر/كانون الأول 2019، بعد يوم واحد من زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى تونس ولقائه قيس سعيد.

وقالت رئاسة الجمهورية وقتها، إن تونس "لن تقبل بأن تكون عضوا في أي تحالف أو اصطفاف على الإطلاق، ولن تقبل أبدا بأن يكون أي شبر من ترابها إلا تحت السيادة التونسية وحدها".

وجاء ذلك بعد يوم واحد من زيارة أردوغان لتونس، والتي أعلن فيها دعم حكومة الوفاق الليبية آنذاك، وطلب حكومة فايز السراج وقتها إرسال قوات تركية إلى ليبيا، مما أثار التكهنات حول مشاركة البلد المغاربي في تحالف عسكري مع أنقرة فيما يخص طرابلس.

وأضافت الرئاسة التونسية، وقتها "أما التصريحات والتأويلات والادعاءات الزائفة التي تتلاحق منذ يوم أمس فهي إمّا أنها تصدر عن سوء فهم وسوء تقدير، وإما أنها تنبع من نفس المصادر التي دأبت على الافتراء والتشويه".

وقطع هذا البيان إمكانية دعم أردوغان في إرسال قوات إلى ليبيا لدعم حكومة السراج التي كانت تصد وقتها هجوم اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر على العاصمة.

لم تقف التجاذبات عند هذا الحد، ففي أبريل/نيسان 2022، احتجت السلطات التونسية، على ما عدته "تدخلا غير مقبول" في الشأن الداخلي، و"تشكيك في المسار الديمقراطي بالبلاد"، ردا على انتقادات وجهها أردوغان لسعيد، بعد قرار الأخير حل البرلمان.

وقالت وزارة الخارجية التونسية، في بيان بتاريخ 6 أبريل، إن تصريح أردوغان بشأن حل الرئيس قيس سعيد للبرلمان تدخل "غير مقبول في الشأن الداخلي، ويتعارض تماما مع الروابط الأخوية التي تجمع البلدين والشعبين ومع مبدأ الاحترام المتبادل بين الدول".

وأعربت الخارجية عن "بالغ استغرابها من التصريح الذي أدلى به الرئيس التركي بخصوص تونس"، بحسب نص البيان.

وقالت الوزارة: "تونس بقدر التزامها بثوابت سياستها الخارجية وحرصها على بناء علاقة وثيقة مع الدول الشقيقة والصديقة قوامها التعاون والتضامن والتشاور والثقة المتبادلة، فإنها أيضا تتمسك باستقلال قرارها الوطني وترفض بشدة كل محاولة للتدخل في سيادتها وخيارات شعبها أو التشكيك في مسارها الديمقراطي الذي لا رجعة فيه".

وقبلها بيوم، انتقد أردوغان قرار حل البرلمان، واصفا ذلك بأنه "تشويه للديمقراطية" وضربة لإرادة الشعب التونسي.

وجاء تصريح الرئيس التركي بعد أن اشتدت الأزمة السياسية في تونس خلال نفس الأسبوع، عندما عقد أكثر من نصف أعضاء البرلمان جلسة على الإنترنت لإلغاء مراسيم سعيد، الذي رد بحل البرلمان.

وقال أردوغان: "نأسف لحل مجلس نواب الشعب الذي عقد جلسة عامة في تونس بتاريخ 30 مارس/آذار 2022، ولبدء تحقيق بحق النواب الذين شاركوا في الجلسة".

وأضاف: "الديمقراطية نظام يحترم فيه المنتخب والمعين كل منهما الآخر، نحن ننظر إلى التطورات في تونس على أنها إساءة للديمقراطية". وتابع: "نولي أهمية لتنفيذ خارطة الطريق المعلنة بشأن الانتخابات".

ولم تكتف وزارة الخارجية التونسية بالبيان، بل أعلنت عن استدعاء سفير أنقرة المعتمد لديها احتجاجا على تصريحات أردوغان.

وكتب وزير الخارجية التونسي آنذاك عثمان الجرندي تغريدة قال فيها: "أجريت اتصالا مع وزير خارجية تركيا (مولود تشاووش أوغلو) وجرى استدعاء السفير".

وأردف: "أبلغتهما برفض تونس تصريح الرئيس أردوغان ووصفه تدخلا في الشأن التونسي، وأن علاقات البلدين يجب أن تقوم على احترام استقلالية القرار الوطني واختيارات الشعب التونسي دون سواه، وأن بلادنا لا تسمح بالتشكيك في مسارها الديمقراطي".

وعقب بيان الخارجية التونسية بيوم، شدد قيس سعيد على أن بلاده ترفض التدخلات الخارجية في شؤونها. وقال خلال زيارته لمحافظة المنستير، من أجل إحياء الذكرى 22 لرحيل الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، إن "تونس ليست إيالة (ولاية عثمانية) تنتظر فرماناً".

وبعدها بعام، انتقد أردوغان، اعتقال السلطات التونسي، راشد الغنوشي رئيس البرلمان التونسي المنحل وزعيم حركة النهضة الإسلامية.

وقال أردوغان في 19 أبريل 2023، بعد ساعات من اعتقال الغنوشي إنه  سيتحدث مع السلطات التونسية لنقل مخاوفه حيال توقيف رئيس حزب "النهضة".

ومساء 18 أبريل، أعلنت "النهضة" أن "فرقة أمنية داهمت منزل رئيسها راشد الغنوشي واقتادته إلى جهة غير معلومة "دون احترام لأبسط الإجراءات القانونية".

وفي مقابلة أجرتها قناة "تي آر تي TRT" التركية، علق أردوغان بالقول: "الإدارة الحالية في تونس أوقفت أخي الغنوشي. لم نتمكن بعد من التواصل مع السلطات في تونس عبر الهاتف لكننا سنواصل محاولة الوصول إليهم. وفي حال تمكنا من الحديث معهم، سنخبرهم بأننا لا نرى هذا الأمر مناسبا".

العلاقات إلى أين؟

بدورها أجابت بتفصيل، سمية الغنوشي الصحفية وابنة رئيس البرلمان الذي حله سعيد على سؤال: لماذا لم يهنئ الرئيس التونسي نظيره التركي؟

وقالت الغنوشي في مقطع فيديو نشرته على تويتر: "الجواب ببساطة، لأنه يجسد كل ما ليس ما فيه وكل ما يفتقده، إذ أن 90 بالمئة من الأتراك شاركوا بالانتخابات التركية، و90 بالمئة أيضا قاطعو انتخابات برلمان قيس سعيد الانقلابي".

وتابعت: "أيضا أردوغان يمثل نموذجا للحكم الديمقراطي الذي يتنافس فيه الجميع حتى ألد أعدائه، بينما سعيد يريدها صحراء قاحلة ينعق فيها وحده بلا أحزاب ولا منظمات، ومع دستور كتبه بيده وانتخابات على المقاس".

وواصلت المقارنة بالقول: "أردوغان رجل نهض ببلده وأدخله في مجموعة العشرين بينما أدخل سعيد تونس في مجموعة المفلسين والمتسولين".

وأضافت: "أردوغان رجل طور صناعة بلاده حتى الدفاعية منها فصارت الدول تصطف لشراء طائراتها المسيرة، بينما دفع سعيد التونسيين للاصطفاف من أجل نيل رغيف خبز وبعض القهوة ورطل سكر".

ورأت أن "الطامة الكبرى (بالنسبة لسعيد) أن أردوغان يذكر المنقلب بالرجل الذي جعل منه عدوه الأول وزج به بالسجن، وهو الشيخ راشد الغنوشي صديق الرئيس التركي الشخصي الذي تأثر بكتاباته وأفكاره".

وانتقدت الغنوشي عدم تهنئة سعيد لأردوغان بالفوز قائلة: "الغريب والعجيب موقف هذا الرجل ممن ليس لتونس معه عداء وخصومة".

وبينت أنه "حتى رؤساء الدول وقادتها الذين دعموا المعارضة ويناصبون أردوغان العداء، أرسلوا التهاني بمجرد إعلان النتائج" ومنهم الرئيس الأميركي جو بايدن ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتز، وفق ما قالت.

وأوضحت أن "منقلب تونس ونكبتها الأكبر (سعيد)، لم ترق له النتيجة ولم تأت على مزاجه ورغبته، ولذلك، لزم الصمت ولم يهنئ ورأى نفسه غير معني بالأمر".

وختمت بالقول: "من يخبر هذا الدخيل على عالم السياسة وإدارة الدولة بأن للدول أعرافها وبروتوكلاتها وتقاليدها وعلاقاتها ومصالحها التي لا تخضع لمزاجه الشخصي".

وعن تدهور العلاقات بين الطرفين، يقول المحلل السياسي التونسي أحمد غيلوفي إنه "منذ مجيئ قيس سعيد للسلطة لم يعد للدولة التونسية عقل ولم يعد سلوكها يخضع لمنطق الدول الذي يراعي مصالحها ومصالح شعوبها قبل كل شيء".

وبين غيلوفي في حديث لـ"الاستقلال" أن "تونس أصبحت اليوم خاضعة لمزاج قيس سعيد والمجموعة التي نفذت الانقلاب معه".

وأشار إلى أن "هؤلاء يعتقدون أن أردوغان جزء من التنظيم العالمي للإخوان (المسلمين) - كما يقولون- وبالتي متحالفين مع النهضة والغنوشي في تونس، لذلك يعدونه من بين أعدائهم".

هذا إضافة إلى موقف قيس سعيد وجماعته من الربيع العربي الذي يعدونه مؤامرة على الدول العربية وفي هذا يلتقون مع البروباغندا التي قادتها دول الخليج ضد الثورات العربية خوفا من أن يصلها التغيير، بحسب تقديره.

وأردف أن: "قيس سعيد يعد أردوغان أحد أكبر داعمي الثورات وبالتالي كان يتمنى أن لا يُنتخب مجددا". 

وأوضح بالقول: "من الأكيد أن حزب العدالة والتنمية (التركي) يعد النهضة في تونس أحد أهم حلفائه في شمال إفريقيا، لذلك فإن ما قام به سعيد من انقلاب وإخراج (الحركة) من الحكم سيؤدي إلى تدهور العلاقة مع تركيا".

لكن يبدو أن أردوغان حاول، من وجهة نظر المحلل السياسي، عدم الضغط على سعيد حتى لا يذهب هذا الأخير بقوة في أحضان محاور أخرى تتصارع معها تركيا في شمال إفريقيا.

وعن مستقبل العلاقة بين تركيا وسعيد، يرى غيلوفي أنه سيكون رهين "ما سيفعله هذا الأخير تجاه حركة النهضة وتموقعه تجاه فرنسا".

ويضيف: "هذا بالفعل أمر معقد، فسعيد يريد التغطية على فشله بسجن قيادات النهضة وقد يذهب إلى حلها وهذا سيكون رسالة سيئة تجاه تركيا".

ولكنها في نفس الوقت إذا ضغطت عليه تخاطر بذهابه إلى منافسي تركيا في شمال إفريقيا وأهمهم فرنسا، وفق تقديره.

ويعتقد أن أردوغان سيستعين كثيرا بالجزائر في هذا الصدد وذلك لأنه يلتقي معها في العمل على تقليص النفوذ الفرنسي في المنطقة.