رغم التوتر السياسي.. ما سر استقرار علاقات جيشي أميركا والسودان؟
.jpg)
رغم تصاعد التوتر والانتقادات بين إدارة الرئيس الأميركي الديمقراطي جو بايدن ورئيس المجلس السيادي الانتقالي السوداني، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، إلا أن العلاقات العسكرية بين الجانبين تتواصل بوتيرة دورية في صورة لافتة.
وتدور تساؤلات عن دوافع هذه اللقاءات العسكرية المناقضة للأزمة القائمة مع تواصل ضغط البيت الأبيض على البرهان، عقب إجراءات 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 الانقلابية، التي أطاح بموجبها بالشراكة مع المكون المدني في إدارة المرحلة الانتقالية.
وقديما قال المفكر السوداني، عبد الله علي إبراهيم، إن "الجيش هو الفيل داخل غرفة السياسة السودانية"، وهي عبارة مقصدها أنه المتحكم الرئيس في دواليب الدولة من وراء الستار.
وللقوات المسلحة السودانية ماض عريض في المحافل السياسية والاجتماعية على غرار معظم جيوش الشرق الأوسط، المعروفة بالانقلابات والتدخلات لقلب الموازين في قصور الحكم، كما أنها تتمتع بعلاقات مستقرة أيضا مع روسيا.
تعاون عسكري
في 15 أبريل/ نيسان 2022، اجتمع رئيس الأركان السوداني الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين، مع الملحق العسكري الأميركي جوزيف فولكر، في لقاء حمل عنوان "تعزيز التعاون بين جيشي البلدين".
وذكر بيان صادر عن الجيش أن اللقاء الذي جرى داخل مقر قيادة الجيش السوداني بالعاصمة الخرطوم بحث "تعزيز علاقات التعاون بين البلدين، وسبل تطويرها بما يخدم مصلحة الشعبين، وجيشهما وبما يضمن الأمن والاستقرار".
ويعد اللقاء هو الأول لرئيس الأركان السوداني بالملحق العسكري الأميركي فولكر، وفق وكالة الأنباء السودانية دون مزيد من التفاصيل.
وجاء اللقاء عقب 3 أيام من طرح الآلية الثلاثية للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا "إيغاد"، أربعة محاور أساسية لحل الأزمة السياسية بالسودان.
والمحاور الأربعة هي: ترتيبات دستورية، وتحديد معايير لاختيار رئيس الحكومة والوزراء، وبلورة برنامج عمل يتصدى للاحتياجات العاجلة للمواطنين، وصياغة خطة محكمة ودقيقة زمنيا لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة.
وبدأت اللقاءات العسكرية المتقدمة بين واشنطن والخرطوم في 20 ديسمبر/ كانون الأول 2020، عندما أعلنت السفارة الأميركية لدى السودان، مواصلة العمل مع الجيش السوداني، على تعزيز العلاقات العسكرية الثنائية.
وأضافت السفارة آنذاك عبر صفحتها الرسمية على "فيسبوك": "مكتب الملحق العسكري بالسفارة الأميركية يواصل العمل مع القوات المسلحة السودانية على تعزيز العلاقات العسكرية الثنائية".
ونشرت صورا تجمع عسكريين سودانيين وأميركيين بقاعدة "فلامنغو" البحرية بمدينة بورتسودان على ساحل البحر الأحمر، وهي المنطقة التي تسعى روسيا فيها إلى تأسيس مركز لوجستي لسفنها على البحر الأحمر.
وقالت السفارة إن "رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تغييرا أساسيا وتاريخيا.. نتطلع إلى الفرص التي من شأنها تعزيز التعاون العسكري في المستقبل".
ومنذ عام 1993 أدرجت الولايات المتحدة، السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب، لاستضافته حينئذ زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.
وفي 14 ديسمبر/ كانون الأول 2020، أعلنت واشنطن، أن قرار إلغاء تصنيف السودان دولة راعية للإرهاب بات ساري المفعول.
ولدى السودان ساحل مطل على البحر الأحمر يمتد على مسافة تتجاوز 700 كلم، وأكبر ميناء لديه بورتسودان، الذي يعد الميناء الرئيس للبلاد، بل يمثل منفذا بحريا إستراتيجيا لعدة دول غير ساحلية مثل تشاد وإثيوبيا وجنوب السودان.

شد وجذب
ومع المباحثات العسكرية بين الجانبين، لا يغفل أن واشنطن دخلت بقوة على خط الأزمة المتصاعدة في الخرطوم، عندما أعلنت بوضوح دعمها بعثة الأمم المتحدة في السودان "يونيتامس" في خلافها مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان.
وفي 6 أبريل/ نيسان 2022، عدت وزارة الخارجية الأميركية، أن "العملية السياسية التي تيسرها بعثة الأمم المتحدة تقدم أفضل فرصة لاستعادة المسار الديمقراطي في البلاد".
وحدد البيت الأبيض موقفه بوضوح في انحيازه الكامل ضد الإدارة السودانية بتشكيلتها الحالية تحت مظلة عبد الفتاح البرهان، وعمل على إضعاف موقفه في صدامه مع بعثة الأمم المتحدة.
وأعلنت الخارجية الأميركية أن "تقدم العملية السياسية الجارية بقيادة السودانيين، التي تيسرها بعثة يونيتامس والاتحاد الإفريقي و"إيغاد" وبدعم من أصدقاء السودان، تقدم أفضل فرصة لاستعادة مسار الديمقراطية".
وهو ما دفع البرهان للإعلان بوضوح قائلا "إن الجيش لا يخشى أحدا، ولن يسلم البلاد إلا لسلطة أمينة منتخبة، وأن القوات المسلحة تقف على قلب واحد ولا تخاف".
وفي نفس الإطار حذر البرهان، رئيس البعثة الأممية "يونيتامس"، بيرتس، من "الطرد خارج البلاد على خلفية التدخل السافر بالشأن السوداني".
وجاءت استعانته بالجيش في رسالة صريحة إلى الولايات المتحدة التي تمتلك تاريخا عدائيا مع السودان، بعد أن وجهت إليه ضربات عسكرية في الماضي، وفرضت عقوبات اقتصادية ضد نظام الرئيس المعزول عمر البشير، تأثر بها سائر الشعب السوداني.

الجيش السوداني
وتعلم الإدارة الأميركية أن الجيش في السودان، مكون رئيس للدولة، وبدأ تكوين القوات المسلحة السودانية عام 1925، وشاركت وحدات منها في الحرب العالمية الثانية (1945-1939)، وعقيدتها القتالية تقوم على أساس الدفاع عن الوطن والحفاظ على سيادته، وحماية النظام الحاكم.
ويبلغ سن التجنيد بالخدمة العسكرية 18 عاما، ويضم الجيش 189 ألف جندي بينهم 105 آلاف في قوات الاحتياط، ويمتلك 191 طائرة حربية و410 دبابات و403 مركبات قتالية مدرعة و20 منصة صواريخ تجعله في المرتبة 69 بين أقوى جيوش العالم والمرتبة الثامنة على مستوى إفريقيا.
وسبق أن خاض الجيش السوداني معارك لمدة تزيد على 50 عاما في الحرب الأهلية بجنوب السودان من أغسطس/آب 1955 حتى عام 2005 التي انتهت بتوقيع اتفاقية "نيفاشا" للسلام.
وفي 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 1958، شهد السودان أول انقلاب عسكري بقيادة الفريق إبراهيم عبود، وذلك على خلفية استدعاء حكومة عبد الله خليل، قادة الجيش لاستلام حكم البلاد، ليدشن بذلك حكما عسكريا أصبح مسيطرا على العملية السياسية، وبوابة من أراد السلطة.
ويعد انقلاب "ثورة الإنقاذ الوطني" في 30 يونيو/ حزيران 1989، بقيادة عمر البشير، والدكتور حسن الترابي، هو أطول الانقلابات عمرا في التاريخ السوداني، إذ استمر حكمه ثلاثة عقود.
قبل أن يطيح به الجيش في 11 أبريل/ نيسان 2019، بعد عدة أشهر من الاحتجاجات والانتفاضات في شوارع السودان، وبسقوطه تم تشكيل المجلس العسكري بقيادة عبد الفتاح البرهان، ونائبه الفريق أول محمد حمدان دقلو "حميدتي".
وفي 9 يونيو /حزيران 2021، نفى البرهان، إقدام الخرطوم على إلغاء فكرة إنشاء قاعدة بحرية روسية في البحر الأحمر، على الرغم من ضغوط أميركية كبيرة.
وقال البرهان، حينها، إنه يجري التفاهم على كيفية صياغة هذا الاتفاق (حول القاعدة الروسية)، في كيفية اعتماده بواسطة الجهات المسؤولة، كالمجلس التشريعي والسلطات الأخرى المشاركة في الفترة الانتقالية.
واتجهت الخرطوم لروسيا خلال الفترة التي تم وضعها على قائمة الدول الراعية للإرهاب (1993-2019)، لتوطيد العلاقات معها في مجالات بينها النفط والتعاون العسكري.
وتعود قصة القاعدة العسكرية إلى زيارة الرئيس السوداني المعزول عمر البشير لموسكو في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، وتوقيعه اتفاقيات تعاون عسكري مع روسيا تتعلق بالتدريب، وإقامة قاعدة عسكرية روسية على ساحل البحر الأحمر، وطلب تزويد بلاده بأسلحة دفاعية.
وصادق بوتين في 16 نوفمبر 2020، على إنشاء قاعدة بحرية روسية في السودان قادرة على استيعاب سفن تعمل بالطاقة النووية.
دواعي التقارب
وفي قراءته للمشهد، قال الصحفي السوداني محمد نصر لـ"الاستقلال"، إن "التباينات بين الإدارة الأميركية والمجلس السيادي السوداني، والضغط الذي يفرضه الرئيس الأميركي جو بايدن على البرهان، بمعزل عن العلاقات العسكرية بين الجانبين".
وأضاف أن "الجيش السوداني هو أساس العملية السياسية والأمن القومي في البلاد ولا يمكن إغفال دوره ووزنه بحال من الأحوال، والبيت الأبيض يعلم ذلك وفي أشد لحظات الخلاف والعقوبات الأميركية على الخرطوم في زمن البشير، كان هناك تواصل على المستوى العسكري بين الجانبين".
وذكر نصر: "كما أن رحلات الجنرالات والمنح العسكرية الأميركية لكبار القادة في الجيش السوداني تشكل بروتوكولا ثابتا. ومن المستبعد أن تفقد واشنطن بشكل كامل الجيش لأي سبب من الأسباب".
كما أورد: "نحن هنا نتحدث عن الواقعية السياسية، التي تحدد طبيعة التعامل بين الأطراف، فالبيت الأبيض يعلم جيدا أن الرهان على المكون المدني ممثلا في عبدالله حمدوك وقوى الحرية والتغيير غير مضمون".
وأرجع الصحفي السوداني ذلك "لأنهم لا يملكون شعبية ووزنا في الشارع، ولا قوة عسكرية تمكنهم من حكم الدولة والتفرد بالأمر، على عكس الجيش صاحب الثقل الشعبي، ومعه موازين القوى".
ومضى نصر يقول: "بالتالي الاعتماد عليهم بشكل مطلق لن يفيد، بل يزيد من تعقيد العملية الانتقالية، ولا يضمن الاستقرار أبدا، في ظل الاستقطابات القائمة، ومحاولة فرض أجندة بعينها على الدولة والمواطنين".
وأكد أن "هذا الأمر هو السبب الرئيس في إجراءات 25 نوفمبر 2021، وما ترتب عليها لأن الجيش علم جيدا أن البديل سيؤدي إلى نزاع أهلي لا محالة، والإدارات الغربية رغم ضغطها المستمر على عسكر السودان، لكنها تدرك أنه لا بديل حقيقيا وراسخا غيرهم".