توتر بين الإصلاحيين والمحافظين.. كيف تأثر المشهد السياسي الإيراني بسقوط الأسد؟

"سقوط الأسد أدى إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي في إيران"
سقوط النظام السوري بزعامة المخلوع بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، أحد أهم حلفاء إيران في المنطقة، يُعد ضربة إستراتيجية لما يسمى "محور المقاومة" الذي اعتمدت عليه طهران لسنوات.
وقال موقع "تيليبوليس" الألماني إنه “مع انسحاب روسيا من سوريا وتراجع النفوذ الإيراني هناك، تواجه قيادة طهران تحديات كبيرة لإعادة تعريف سياستها الخارجية والإقليمية”.
وفي ظل هذه الظروف، يرى الإصلاحيون الإيرانيون في هذه الأزمة فرصة لتعزيز دورهم على الساحة الداخلية والدولية.
وفي الوقت نفسه، لفت الموقع إلى أن “سقوط الأسد خلق حالة من التوتر داخل إيران بين الإصلاحيين والمحافظين”.
وسرد كيف أن إيران “تقف عند مفترق طرق حاسم -بين الإصلاحيين والمحافظين- بعد سقوط الأسد”.
قلق مشترك
ولفت "تيليبوليس" النظر إلى أن "سقوط الأسد أدى إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي في إيران"، موضحا أن "ما كان يعد على نطاق واسع توطيدا صارما لجيل جديد من المتشددين يبدو حاليا مختلفا".
ورأى أن “سقوط الأسد لم يسهم في تشويه سمعة المتشددين الإيرانيين فحسب، بل وفر أيضا فرصة كبيرة لتجديد الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، وهو موقف طالما دعمه الإصلاحيون”.
وذكر أنه “من المرجح أن يستغلوا هذه الفرصة لتحسين فرصهم على الصعيدين الداخلي والخارجي”.
وفي هذا الصدد، أظهر الموقع أن “النضال الشاق الذي خاضه الإصلاحيون لترك بصمتهم على النظام السياسي الإيراني، والقضية الحساسة للعلاقات الأميركية- الإيرانية، كانا دائما مرتبطين بشكل وثيق”.
ولفت النظر إلى أن “العديد منهم تبنى الفكر السياسي الغربي”.
وبالاعتماد على الطبيعة الانتقائية للفكر السياسي في إيران، استلهم الإصلاحيون من الماركسية والمدرسة الليبرالية القديمة والوجودية وما كان يُعرف سابقا بـ"فكر العالم الثالث"، لدفع رؤية التغيير السياسي ليس عبر ثورة شعبية، بل من خلال عمل شاق يركز على بناء التحالفات وتعزيز سياسة أكثر تنوعا وانفتاحا.
وأضاف الموقع أنه "في مواجهة القوى التي عارضتهم -وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي وجزء كبير من قيادة الحرس الثوري الإسلامي- حاول الإصلاحيون زيادة تأثيرهم السياسي الداخلي من خلال الدعوة إلى الانخراط الدولي مع الغرب وحتى مع الولايات المتحدة".
جدير بالإشارة هنا إلى أن ما أطلق عليه الرئيس السابق، محمد خاتمي، "حوار الحضارات" كان بمثابة رهان إستراتيجي في هذا المشروع الصعب داخليا وعالميا.
أمل مستقبلي
وأكد الموقع الألماني أن كل رئيس إصلاحي، من خاتمي إلى حسن روحاني وحتى الرئيس الحالي مسعود بزشكيان، دعم نسخة من هذا النهج.
علاوة على ذلك، لعب وزير الخارجية السابق ونائب الرئيس الحالي، محمد جواد ظريف، دورا قياديا في دعم الرؤساء الثلاثة.
وبالنسبة لظريف وحلفائه في وزارة الخارجية والجامعات والطبقة المثقفة الأوسع، كان إبرام خطة العمل الشاملة المشتركة "JCPOA" في عام 2015 نقطة محورية سياسية وإستراتيجية في المعركة ضد المتشددين وللحصول على موافقة المرشد الأعلى، على حد قول الموقع.
بالإضافة إلى ذلك، ذكر "تيليبوليس" أن “بنود خطة العمل الشاملة المشتركة، وفرت للإصلاحيين نافذة زمنية من 10 إلى 15 عاما لتحويل الاقتصاد الإيراني ودمج البلاد في الساحة الدبلوماسية والاقتصادية العالمية، كما كانوا يأملون”.
ونوه إلى أن “إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما كانت تراهن على رهان مشابه، إلا أن المشهد انقلب رأسا على عقب عندما انسحب دونالد ترامب من الاتفاق عام 2018”.
وبعد ذلك، يذكر الموقع أن استقالة ظريف المفاجئة كوزير للخارجية في فبراير 2019 لم تعكس فقط إحباطه من الانهيار الواضح للاتفاق الذي أسهم في تأمينه، بل جاءت أيضا بعد اجتماع بين خامنئي وبشار الأسد، استبعد منه ولم يُبلغ به على الأرجح.
ومن وجهة نظر الموقع، كانت الإشارات واضحة للغاية"، ففي إستراتيجية "المقاومة" التي وضعها المتشددون في صميم السياسة الخارجية الإيرانية، لم يكن هناك دور للإصلاحيين.
ومع انتخاب المتشدد إبراهيم رئيسي رئيسا عام 2021، بدا أن مشروع الإصلاح قد انهار تماما، بحسب ما يراه الموقع.
دفعة جديدة
وبالعودة إلى الوقت الحالي، يعتقد الموقع الألماني أن "سقوط الأسد قد يعطي دفعة جديدة للإصلاحيين".
وفي هذا الإطار، سلط الموقع الضوء على أن "محور المقاومة" الإيراني فقد أهم حلفائه في دمشق، في حين وافق ثاني أهم حلفائه، حزب الله، بعد سلسلة من الانتكاسات -أبرزها اغتيال أمينه العام حسن نصر الله على يد إسرائيل في 27 سبتمبر/ أيلول 2024- على وقف إطلاق النار مع إسرائيل.
ومع ذلك، من المهم أن نتذكر -بحسب الموقع- أن إستراتيجية المقاومة الإيرانية اعتمدت منذ البداية على مزيج من استخدام القوة أو التهديد بها والدبلوماسية.
ورغم كراهيتهم للإصلاحيين، كان المتشددون بحاجة لوصولهم إلى السياسيين البارزين في العالم وإلى خبرات وزارة الخارجية التي يهيمن عليها الإصلاحيون.
وبحسب الموقع، كان ظريف يدرك ذلك عندما أعلن استقالته عام 2019.
وبعد ذلك، وجهت استقالته من منصب نائب الرئيس للشؤون الإستراتيجية في 12 أغسطس/ آب 2024، أي بعد أحد عشر يوما من انتخاب بزشكيان، وعودته إلى هذا المنصب بعد أسبوعين فقط، رسالة مفادها أن "الإصلاحيين يلعبون دورا رئيسا سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي".
وفي هذا السياق، نوه الموقع إلى أن عدم اعتراض خامنئي على عودة ظريف، رغم أن المتشددين كانوا السبب في استقالته القصيرة، يشير إلى أن المرشد الأعلى يدرك أن الدبلوماسية أصبحت أمرا ضروريا مع تراجع قدرة إيران على استخدام القوة لحماية مصالحها الأساسية؛ وهي بقاء النظام.
وفي هذا الصدد، تبرز "تيليبوليس" حقيقة أن "مستقبل السياسة الخارجية الإيرانية، مع سقوط الأسد والانسحاب المهين لروسيا من سوريا، تقف عند مفترق طرق حاسم".
وكما أشار ديفيد سانجر من صحيفة "نيويورك تايمز" أخيرا، فإن إيران أمام خيارين، إما المضي قدما في تطوير برنامجها النووي، وهو مسار محفوف بالمخاطر.
أو اختيار دبلوماسية جادة لإعادة تعريف إستراتيجية المقاومة التي طالما استندت إلى صيغة "لا حرب ولا سلام"، والتي أصبحت أكثر صعوبة في الحفاظ عليها، وفق ما ورد عن الموقع.
موافقة ترامب
وبالتفكير في دور الإدارة الأميركية الجديدة من المشهد الحالي، قال الموقع إنه "لا يزال من المبكر تحديد كيفية استجابة ترامب لأي تقارب إيراني محتمل".
جدير بالإشارة، أن التقارب قد يكون قد بدأ بالفعل، كما يشير الاجتماع بين إيلون ماسك وسفير إيران لدى الأمم المتحدة في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024.
ولكن رغم ذلك، لفت الموقع إلى أن "جميع قادة دول الشرق الأوسط يراهنون على أن الرئيس المنتخب سيحقق نجاحات دبلوماسية لم يتمكن جو بايدن من تحقيقها".
وفيما يتعلق بالقضية الإيرانية، ذكر الموقع أن "ترامب سيتعين عليه قبول اتفاق تفاوضي كان قد رفضه سابقا؛ وهو تقليص أو رفع العقوبات النووية مقابل اتفاق جديد يتضمن نظام رقابة دولي أكثر صرامة لكنه يسمح لإيران بتخصيب محدود".
ولكن في المقابل، توقع "تيليبوليس" أن يجادل المتشددون، مثل بريان هوك الذي قد يعود ليكون المبعوث الخاص لترامب بشأن إيران، بدلا من ذلك بـ"ضرورة العودة إلى سياسة "الضغط الأقصى"، وهي السياسة التي استبعدت أي تسوية فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم خلال إدارة ترامب الأولى.
كما سيؤكد المتشددون، كما فعل هوك مرارا، أنه لا يوجد فرق حقيقي بين المتشددين والإصلاحيين في إيران، وأن المرشد الأعلى هو الوحيد الذي يهم في نهاية المطاف.
ورأى "تيليبوليس" أن "ترامب ليس مؤهلا كثيرا لإدارة نقاش حول إيران، وهو نقاش من المرجح أن يشتد بعد عودته إلى البيت الأبيض".