النقابات في مواجهة حكومة أخنوش.. قصة قانون الإضراب بالمغرب

"اليوم نحن نعيش في سياق متأزم على المستوى الاجتماعي والاقتصادي وغلاء الأسعار "
اتسعت فجوة الخلاف بين حكومة عبد العزيز أخنوش والمعارضة والنقابات بالمغرب، بسبب ما يُعرف بـ"قانون الإضراب"، وسط تحذيرات من تبعات هذا الملف على الأمن الاجتماعي والسياسي في البلاد.
وصدق مجلس المستشارين (الغرفة الثانية بالبرلمان المغربي) بالأغلبية، في 3 فبراير/ شباط 2025، على مشروع قانون تنظيم الإضراب الذي أثار حفيظة نقابات عمالية بالبلاد.

جدل متواصل
ووافق على مشروع القانون 41 عضوا وعارضه 7 (من أصل 120)، وتغيب عن جلسة التصويت 72 برلمانيا، وجاء ذلك بعد وقفات لحقوقيين ونقابيين مغربيين احتجاجا على المشروع الذي لا يزال يثير جدلا، منذ أن بدأ البرلمان مناقشته في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، ومع استمرار رفض النقابات له.
وانسحب ممثلو نقابة الاتحاد المغربي للشغل في البرلمان (أكبر نقابة عمالية في المغرب)، من جلسة التصويت على مشروع القانون في الجلسة العامة لمجلس المستشارين، احتجاجا على بعض مضامينه.
وقبل ذلك، قالت نقابات مغربية بينها "الكونفدرالية الديمقراطية للشغل"، و"الاتحاد الوطني للشغل"، و"فيدرالية النقابات الديمقراطية"، و"المنظمة الديمقراطية للشغل"، إنها ترفض مشروع القانون و"ستنظم إضرابا وطنيا الأربعاء احتجاجا على تمرير القانون بالبرلمان".
وفي 24 ديسمبر/ كانون الأول 2024، صدق مجلس النواب (الغرفة الأولى بالبرلمان) بالأغلبية على مشروع قانون تنظيم الإضراب.
وفي 19 يناير/ كانون الثاني 2025، طالب آلاف العمال المغاربة في مسيرة احتجاجية بالعاصمة الرباط بتغيير بعض بنوده، بعدما أحالته الحكومة إلى البرلمان للاطلاع والتصديق عليه.
وتقول الحكومة المغربية: إن مشروع قانون الإضراب "يسعى إلى حماية الشغيلة (العمال) والمقاولة (الشركات) وتوسيع الحريات النقابية".
ومن بين ما يطالب المحتجون بتعديله، المادة الخامسة التي تنص على أن "كل دعوة إلى الإضراب خلافا لأحكام هذا القانون التنظيمي تعد باطلة، كما يرى أن أي إضراب لأهداف سياسية ممنوع".
ووافقت الحكومة على تعديلات البرلمانيين بشأن التراجع عن منع "أي إضراب لأهداف سياسية"، وفق مراسل الأناضول.
كما صدق مجلس النواب على حذف "العقوبات الجنائية والسجن" في حق الداعين للإضراب، بعد أن تضمنها مشروع القانون.
إضافة إلى عدم حصر الجهة الداعية للإضراب في النقابات الأكثر تمثيلا (أكبر 5 نقابات في البلاد)، ومنح هذا الحق لكل النقابات التي حازت مقاعد في الانتخابات المهنية.
ويعود مشروع قانون تنظيم الإضراب إلى نحو 10 أعوام مضت، حين أحالته الحكومة إلى البرلمان للمرة الأولى أوائل 2015.
لكن لم يتم إحراز تقدم بشأنه جراء معارضة النقابات وبعض الأحزاب، التي رأت أنه "يقيد" حقوقا دستورية للعمل، مثل الحق في الإضراب.
وفي يوليو/ تموز 2024، أدرجت الحكومة مشروع القانون مرة أخرى على جدول أعمال البرلمان؛ لتتجدد موجة الاحتجاجات والجدل بشأنه.
إضراب وطني
تزامنا مع مصادقة البرلمان على القانون، أعلن تكتل نقابي عن تنظيم إضراب عام وطني في عموم البلاد، للتعبير عن رفضهم لمشروع القانون.
وبحسب موقع "العدالة والتنمية"، أعلنت المركزيات النقابية الداعية للإضراب (الكونفدرالية الديمقراطية للشغل- الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، المنظمة الديمقراطية للشغل، فيدرالية النقابات الديمقراطية)، نجاح الإضراب العام على المستوى الوطني فاقت 80 بالمئة.
وهنأت النقابات في بيان لها، الطبقة العاملة وعموم الجماهير الشعبية على الاستجابة الواسعة لنداء الإضراب العام، وذلك بعد متابعتها للتجاوب والانخراط الواسع للطبقة العاملة في هذه المعركة النضالية الوحدوية، والتضامن الكبير للعديد من الإطارات الحزبية والمدنية والحقوقية، إيمانا منها بأهمية القرار والاحتضان الشعبي لهذه المعركة.
واسترسلت: "وذلك دفاعا عن الحقوق والمكتسبات التاريخية للطبقة العاملة، واحتجاجا على الوضع الاجتماعي المأزوم نتيجة طبيعة اختيارات سياساتها الاجتماعية التي نجم عنها الارتفاع المهول للأسعار ونسب البطالة والتضخم وتدهور القدرة الشرائية لفئات وشرائح واسعة".
وأضافت: "وكذا سعيها إلى تمرير دمج الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وكذلك احتجاجا على التضييق على الحريات النقابية وتكبيل حق الإضراب المضمون دستوريا والمكفول بالمواثيق الدولية".
واستنكرت المركزيات "إصرار الحكومة على تمرير مشروع القانون التكبيلي للإضراب في البرلمان يوم الإضراب العام، وهو ما يعد استفزازا وتحديا للحركة النقابية مما يزيد منسوب التوتر والاحتقان، وتحمل الحكومة مسؤولية تبعاته وتداعياته".
وطالبت "الحكومة بالتراجع على كل القرارات والقوانين التي تستهدف المكتسبات الاجتماعية والحقوق والحريات وإيقاف مسطرة إقرار القانون التنظيمي للإضراب، والعودة إلى التفاوض الجدي والمسؤول".
وختمت النقابات بيانها بإعلان "استعدادها لمواصلة النضال بكل الأشكال الاحتجاجية السلمية دفاعا عن الحق في الإضراب والحقوق والمكتسبات الاجتماعية كافة".
تغول سلطوي
تفاعلا مع تمرير القانون رغم الإضراب، قالت القيادية السياسية والنقابية حليمة الشويكة، إن ما جرى يؤكد أن المشكلة اليوم أكبر من الحق الدستوري في الإضراب ومن الجدال حول قانون الإضراب.
وأضافت لـ "الاستقلال"، "المشكلة القائمة في واقع سياسي تغولي سلطوي، لم يعد يشعر فيه المسؤول بالخجل من نجاح الإضراب بنسبة تفوق 80 بالمئة في نفس اليوم الذي يفشل فيه في تعبئة برلمانييه للتصويت على قانون مجحف".
وتابعت، حيث اكتفت الحكومة بـ20 بالمئة من مكوناتها في البرلمان لتمرير القانون، بعد أن غاب 80 بالمئة من أعضاء مجلس النواب عن جلسة التصويت، بعد أن تأكد لها أنه تم إضعاف النقابات والمعارضة وتم قتل السياسة في البلاد".
وأردفت، ولذلك لم يعد إضراب يوم أو يومين يؤرق الحكومة ومن يقف خلفها، ولم تعد المقارنات الفاضحة تخجلها.
وشددت الشويكة على أن النضال الحقيقي الذي نحتاجه ليس فقط النضال من أجل سحب قانون أو نظام أساسي، فكلنا نتذكر أن الحكومة صمت آذانها لأكثر من ثلاثة أشهر تعطلت فيها المدرسة وهُدر فيها الزمن التعليمي لأبناء الوطن، النضال الحقيقي الذي نحتاجه اليوم هو النضال من أجل استعادة المعنى للسياسة والفعل النقابي.
وتابعت، وذلك "من أجل القضاء على البلادة والغباء اللذين سكنا مؤسساتنا الدستورية وعششا فيها"، مشددة على أنه "لا سبيل إلى ذلك إلا بمعركة وعي مضاد لكل أشكال التضبيع والتجهيل".
وأشارت إلى أن نجاح الإضراب بأكثر من 80 بالمئة، تزامنا مع تصويت المجلس على المشروع، يؤكد أن البرلمان لا يمثل الشعب، وأنه يجب سحب القانون وحل المجلس وإجراء انتخابات جديدة تفرز مجلسا يعكس الشارع المغربي وانتظاراته.
تفاعل نقابي
من جهته، أكد محمد زويتن، الأمين العام لنقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، أن الإضراب الوطني جاء دفاعا عن هذا الحق الدستوري وعن ممارسة الإضراب بشكل حر وآمن.
وانتقد زويتن لـ"الاستقلال" إصرار الحكومة على تمرير مشروع القانون في نفس يوم الإضراب العام بسرعة قياسية.
ودعا الحكومة إلى التراجع عن القرارات والقوانين كافة التي تستهدف المكتسبات الاجتماعية والحريات، مشددا على ضرورة تصحيح الوضع بإيقاف مسطرة إقرار القانون التنظيمي للإضراب والعودة إلى التفاوض وإعادة صياغته بمقاربة دستورية قانونية وتنظيمية.
وفي هذا الصدد، عبر المتحدث ذاته، عن استعداد النقابة لمواصلة النضال بكل الأشكال المتاحة والمشروعة للترافع دفاعا عن الحق في الإضراب والمكتسبات التي تحاول الحكومة أن تتراجع عنها.
ومن خلال الإضراب العام، يضيف زويتن "نبعث عدة رسائل إلى من يهمه الأمر للتدخل لمنع الإجهاز على الحقوق الاجتماعية ومنها حق الاضراب".
وقال: "اليوم نحن نعيش في سياق متأزم على المستوى الاجتماعي والاقتصادي وغلاء الأسعار والإجهاز على القدرة الشرائية وإغلاق عدد من المقاولات وارتفاع نسب البطالة..".
وأبرز أنه عوض أن تحل الحكومة هذه المشاكل، ارتأت أن تخوض مسارا تشريعيا عبر الاستقواء بالأغلبية العددية على مستوى مجلس النواب والمستشارين، دون الأخذ بالتوجيهات الملكية التي أمرت الحكومة بتوسيع المشاورات حول القانون.
وشدد على أن النقابة مع تنظيم الحق في الإضراب "لكن نحن ضد التكبيل والتعطيل وسد الأفق وجعل كل العراقيل من أجل ألا يقوم مواطن أو هيئة متضررة ولا مهنيين بالإضراب".
ولفت إلى أن النقابة واكبت النقاش حول مشروع قانون الإضراب وقدمت مذكرة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان وللحكومة وأدخلت حوالي 28 تعديلا على مشروع القانون، دون أن تتفاعل معها الحكومة وأصمت آذانها ولم تأخذ إلا بالقليل منها؛ لذلك رفضنا مشروع هذا القانون.
من جانبه، قال الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، الميلودي موخاريق: إن نسبة الاستجابة للإضراب الوطني العام يعكس الدعم الواسع الذي حظي به الإضراب من قبل الطبقة العاملة.
ووفق موقع "صوت المغرب"، في 5 فبراير 2025، ذكر موخاريق أن هذه النسبة العالية تم تسجيلها في عموم القطاعات، خاصة في القطاعات الإستراتيجية الكبرى التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني.
وأكد المسؤول النقابي أن هذا الإضراب يعد "صرخة قوية في وجه الحكومة"، مطالبا إياها بالتراجع عن الزيادات المتواصلة في الأسعار وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصا الطبقة العاملة التي تأثرت بشكل كبير بتلك الزيادات.
وشدد موخاريق "على ضرورة بدء حوار اجتماعي حقيقي يركز على تحسين أوضاع العمال ورفع الأجور".
تحذيرات سياسية
فيما حذّر عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية العدالة والتنمية، من تداعيات إضراب عدد من النقابات احتجاجا على "قانون الإضراب"، وعلى العجز الحكومي في المجال الاجتماعي أساسا.
وأضاف بووانو في تصريح بالمناسبة، أن ما يجرى على الساحة الاجتماعية والنقابية، يؤكد ملاحظات "العدالة والتنمية" وانتقاداتها التي ظلت تثيرها وتنبه لها في مختلف المحطات والمناسبات والجلسات والاجتماعات، منذ تنصيب هذه "الحكومة الفاشلة".
ورأى بووانو أن مجرد الإعلان عن إضراب عام من طرف النقابات يمس بالسلم الاجتماعي، مبرزا أن المسؤول عن هذا هي الحكومة ورئيسها، وليست النقابات التي تقوم بدورها في نهاية المطاف، وإن تأخرت هي الأخرى، وفق تعبيره.
وأكد رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أن الحل الوحيد أمام الحكومة لتلافي وتجنب أي تداعيات سلبية محتملة للإضراب العام، هو الجلوس مع النقابات على طاولة الحوار دون قيد أو شرط، واعترافها بعجزها وفشلها وإيجاد حلول عاجلة اليوم وليس غدا.
وشدد على أن دينامية الاحتجاج في البلاد لن تتوقف مع الإضراب العام، وستتبعه احتجاجات أخرى؛ لأن الاحتقان كبير وسببه عجز الحكومة وفشلها، وإنكارها للواقع وتحديها للمواطنين.
عدد من المتفاعلين مع المصادقة على القانون، انتقدوا غياب البرلمانيين عن جلسة التصويت على القانون، رغم أنه يحمل صفة "تنظيمية"، أي أنه يستكمل الكتلة الدستورية لدستور 2011.
وفي هذا الصدد، ذكر حسن بوغشي، الباحث في التدبير الميزانياتي، أن "الفصل 60 من الدستور ينص على أن مجلس النواب يتشكل من 395 عضوا ينتخبون مباشرة من الشعب للدفاع وصون مصالحهم".
وأضاف بوغشي في تدوينة عبر حسابه على فيسبوك، الأربعاء، ومع ذلك "تخلف 291 نائبا عن الحضور في محطة تاريخية فاصلة تهم مناقشة واعتماد قانون الإضراب الذي يمس الحقوق والحريات الإنسانية المكفولة بالمواثيق الدولية والمقتضيات الدستورية".
وذكر أن "المسؤولية التاريخية تبقى على أعضاء المحكمة الدستورية للحكم بعدم دستورية هذه المهزلة المسيئة لسمعة البلاد، وذلك من حيث الشكل قبل المضمون، في ظل غياب النصاب، حيث لا يعقل أن تتم المصادقة على قانون تنظيمي سامٍ ذي بعد دستوري بحفنة أقل بكثير من ثلث أعضاء مجلس النواب".
بدوره، يرى المحامي محمد بوكرمان، أن "طبيعة اختيارات الأحزاب السياسية لنخبة مرشحيها للبرلمان تزيد من حدة أزمة الديمقراطية التمثيلية".
واسترسل بوكرمان في تدوينة عبر حسابه على فيسبوك، الأربعاء، قائلا: "وهو ما يؤكده مرة أخرى غياب 291 نائبا برلمانيا عن جلسة القراءة الثانية والمصادقة النهائية لمجلس النواب على قانون مفصلي مرتبط بالحريات العامة من قيمة القانون التنظيمي بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب الذي استغرق مخاض إصداره 63 سنة كاملة".
وتابع: "وذلك في انتظار قرار المحكمة الدستورية التي سيحال عليها بقوة القانون لتراقب مدى دستورية مقتضياته".
فيما قال النقابي لحسن خيي، إن مصادقة حكومة عزيز أخنوش أو ما وصفه بـ "أخناتوش"، تتحدى الشعب المغربي إرضاء للبيرالية المتوحشة.
وذكر خيي في تدوينة عبر حسابه على فيسبوك، أن هذه الليبرالية المتوحشة شريكة للحكومة الحالية في استغلال ثروة هذا الوطن، وذلك عبر نهج سياسة تفقير الفقير وإغناء الغني.
بدوره، يرى الخبير السياسي رشيد لزرق، أن غياب الوحدة النقابية في مواجهة هذا القانون يؤكد أن الحركة النقابية تعاني من تأثيرات التسييس، حيث أصبحت النقابات تتبع الأحزاب السياسية؛ وهو ما أدى إلى حسابات تكتيكية تؤثر على دعوات الإضراب العام.
وأوضح لزرق في تصريح لموقع "هسبريس"، في 5 فبراير 2025، أن "هذه الدعوات أصبحت ضعيفة بسبب التفكك الذي تعاني منه الحركة النقابية".
ورأى أن التعدد في المشهد النقابي ليس نتيجة لتنوع في الرؤى، بل هو نتيجة للتسييس الذي يولد تضاربا في المواقف والمصالح، مشيرا إلى أن توحيد الحركة النقابية "أصبح بعيد المنال مما يجعل تحركها غير فعال في تحقيق مكاسب للفعل النقابي".
وبالنسبة له، فإن هذا الوضع "أضعف القدرة التفاوضية للنقابات أمام الحكومة وأرباب العمل، وأثر سلبا على ثقة العمال في العمل النقابي وقدرته على تحقيق مكاسب حقيقية".
واسترسل: "كما أنه أفقد الفعل النقابي ثقة الطبقة العاملة، ما يحتاج إلى تطوير آليات للتنسيق المشترك وتوحيد المواقف حول القضايا المصيرية للطبقة العاملة".