"بالأدلة".. كيف يستغل حزب "أخنوش" المساعدات لأهداف شخصية وانتخابية؟

“هذه الممارسات تضرب أسس الديمقراطية وتعد استغلالا للنفوذ”
تفجر الجدل في المغرب بعد تداول صور ومقاطع فيديو توثق شاحنة تابعة لبلدية وسط البلاد أمام منزل عائلة الناطق باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، قال نشطاء إنها “تفرغ مساعدات” تعود لجمعية تابعة لحزب رئيس الحكومة، عزيز أخنوش.
وأيضا في حادث مشابه، وثق مستشار في بلدية "تنوردي" بإقليم ميدلت (شمال) اعتراضه شاحنة تابعة للبلدية تحمل مساعدات غذائية لجمعية "جود" المحسوبة على حزب قائد الائتلاف الحكومي “التجمع الوطني للأحرار”، وذلك عبر فيديو بثه على “فيسبوك”.
أغراض واضحة
وتداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي، في 12 مارس/ آذار 2025، صورا لشاحنة تابعة لبلدية تيوغزة بإقليم سيدي إيفني (وسط)، تظهر وقد ركنت في مقدمة مدخل مرآب منزل يعود لأسرة الناطق باسم الحكومة، بايتاس.
رئيس البلدية المنتمي لحزب الأحرار، الحسين إدابير، أكد أن الشاحنة “كانت في مهمة خاصة”، رفض الكشف عنها،
وأضاف لموقع “اليوم 24” المحلي “لا أعرف لماذا تمت تغطية لوحة ترقيم الشاحنة، ونحن نبحث في الموضوع للتأكد من المهمة التي كانت تقوم بها الشاحنة بالضبط”.
وقال الناشط نزار خيرون إن “نبأ واقعة شاحنة الجماعة التي تفرغ مُساعدات جود في منزل نسب إلى الناطق باسم الحكومة، يسائل هذا الوزير ليخرج عن صمته، ويكشف حقيقة الأمر ويوضح علاقته بهذه المُساعدات..”.
وأضاف خيرون عبر فيسبوك في 12 مارس: "كما يسائل وزارة الداخلية لاستخدام آلية إحدى الجماعات الترابية (البلديات) في مشاوير حزبية وانتخابية".
واستطرد: “طبعا يسائل بالدرجة الأولى رئيس الحكومة، رئيس الحزب المعني الأول بهذه الواقعة”.
وختم بالقول: “ملاحظة: تغطية لوحة ترقيم الشاحنة بالكارتون دليل على أنها تقوم بعمل غير مرخص قانونا.. وفيه الكثير من الأسئلة التي يثيرها”.
وتفادى الناطق باسم الحكومة، بايتاس، الجواب على سؤال مباشر في الندوة الصحفية التي تلت الاجتماع الأسبوعي للحكومة في 13 مارس، حول الاتهامات الموجهة له ولحزبه.
وقال: إن “القضايا ذات الطبيعة السياسية والتي تثار في الآونة الأخيرة، سنجد الفضاء الأمثل للتفاعل معها”.
وتواصلت فضيحة “القفة الانتخابية” لمؤسسة "جود" إثارة المزيد من التداعيات، فقد جاءت استقالة المستشار ببلدية “كرس تعلالين” في إقليم ميدلت، محمد آيت رهو، لتكشف مزيدا من المستور.
وفي استقالته الموقعة لدى السلطات المحلية المعنية والتي تداولتها منصات التواصل الاجتماعي بشكل كبير، أوضح آيت رهو أنه قرر مغادرة الحزب بسبب "التمييز الواضح بين الأفراد المحسوبين على الحزب في توزيع القفف (السلات) الرمضانية وبطانيات الشتاء".
واتهم الحزب باستخدام هذه المساعدات لـ"أغراض انتخابية واضحة".
كما رأى آيت رهو، أن عملية توزيع هذه المساعدات "قد خضعت لتوجيهات حزبية، مما جعله يشعر بالإقصاء الممنهج من طرف المنسقين الإقليميين وغياب التواصل مع البرلمانيين المحليين".
اغتيال الديمقراطية
وأعربت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، عن شجبها وتنبيهها لخطورة ما أقدم عليه حزب الأغلبية خلال هذا الشهر الفضيل وما أكدته مجموعة من الصور والفيديوهات التي تظهر فيها شاحنات تابعة لبلديات تحمل مساعدات جمعية جود”،
ودعت الأمانة العامة للحزب عبر بيان في 13 مارس، السلطات المعنية للتدخل العاجل وفتح تحقيق بخصوص استغلال وسائل وممتلكات عمومية لتوزيع مساعدات تابعة لجمعية خاصة لأغراض انتخابية، وما تم تداوله عن مشاركة رجال السلطة إلى جانب رؤساء بلديات تابعين لنفس الحزب في تحديد المستفيدين وتوزيع هذه المساعدات.
وعلى صعيد آخر، سجلت الأمانة العامة للحزب بقلق شديد إمعان الحكومة -خاصة رئيس ووزراء الحزب الأغلبي- في تجاهل معاناة وانتظارات المواطنين في ظل الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتردي وموجة الغلاء المستمرة
من جهته، وجه رئيس فريق حزب "التقدم والاشتراكية" بالبرلمان، رشيد حموني، سؤالا كتابيا في 13 مارس إلى وزير الداخلية بخصوص المساعدات التي تقدمها مؤسسة "جود" وذلك باستخدام وسائل وممتلكات عمومية.
وحذر حموني في سؤاله، من أن هذه المساعدات تؤشر على “استغلال أوضاع الفقر والهشاشة في أوساط المستضعفين لاستمالة الناخبين بشكلٍ غير أخلاقي وغير مشروع”.
وأشار إلى إقدامِ مؤسسة جود “الذراع الخيري والإحساني للحزب الذي يقود الحكومة” على القيام بعمليات متواترة وكبيرة لتوزيع "مساعداتٍ عينية”، وذلك "عن طريق شبكة واسعة، تحت يافطة العمل الجمعوي، وأحيانا كثيرة باستغلال وسائل وممتلكات عمومية في نقل وتخزين وتوزيع هذه المساعدات التي تُقَدَّمُ تحت شعار التضامن والعمل الخيري”.
وأضاف النائب البرلماني أن "الخلفيات والاشتراطات الانتخابوية في ذلك لا تخفى على أحد، بما يؤشر على استغلال أوضاع الفقر والهشاشة في أوساط المستضعفين لاستمالة الناخبين بشكل غير أخلاقي وغير مشروع إلى صف حزب أخنوش، والذي يرتبط بشكل معلن وعلني بهذه المؤسسة”.
وقال حموني: إن "الأجدر بهذه الهيئة الحزبية التي تقود الحكومة أن تستثمر موقعها المؤسساتي في مواجهة الفقر ومعالجة الغلاء، عبر اتخاذ قرارات عامة وعادلة وناجعة يستفيد منها المغاربة كافة وجميع المناطق، عوض اللجوء إلى هذه الأساليب الملتوية والأقرب إلى حملة انتخابية غير مشروعة وسابقة لأوانها”.
بدورها، وجهت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، سؤالا كتابيا إلى وزير الداخلية، حول "استغلال فقر المواطنين ومعدات الدولة لأغراض انتخابية من جمعية مقربة من رئيس الحكومة".
وقالت التامني: إنه "في اغتيال موصوف للديمقراطية، تسعى جهات تدعو نفسها خيرية مقربة من الحزب الذي يقود الحكومة، استغلال الفقر الذي عمقته الحكومة نفسها، للتأثير على الإرادة الشعبية للمواطنين، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية والتهافت من أجل رئاسة حكومة المونديال (2030)".
وأضافت أن "المعطيات المتوفرة أكدت أنه تم رصد عدد من المخالفات واستغلال معدات الدولة وشاحنة أمام منزل وزير في الحكومة الحالية، لنقل المساعدات المتعلقة بجمعية خيرية".
ورأت النائبة البرلمانية أن "هذه الممارسات تضرب أسس الديمقراطية، وتعد استغلالا للنفوذ، علما أن هذه الجمعية التي تدعي نفسها خيرية وهي مقربة من رئيس الحكومة كانت غائبة عن عدة محطات مهمة لتسخر لخدمة أجندات حزبية".
هشاشة اجتماعية
وبعد ضجة شاحنة المساعدات، دعا قائم مقام إقليم سيدي إفني، لحسن صدقي، رؤساء البلديات بالإقليم، إلى الحرص على تتبع استعمال وسائل وآليات البلديات وعدم الترخيص باستعمالها إلا للمصلحة العامة وفي إطار القانون.
وضمن مراسلة موجهة إلى رؤساء البلديات، حول استعمال وسائل وآليات الدولة لأغراض سياسية، قال قائم المقام: "بلغ إلى علمي أن بعض رؤساء مجالس البلديات عمدوا إلى استعمال السيارات والآليات التابعة للبلديات لأغراض سياسية وانتخابية لا تدخل في إطار تدبير الشأن العام المحلي".
ورأى صدقي، أن "هذا الأمر يعد مخالفة صريحة لقوانين الأنظمة الجاري بها العمل في الموضوع خصوصا المادة 94 وما بعدها من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالبلديات، ويعد استغلالا لوسائل البلدية لمصلحة خاصة مما يعد ضربا لمبدأ تكافؤ الفرص".
وقال الناشط السياسي يعقوب نجاح: إن "أزمة جمعية جود واتهامها باستغلال المساعدات لأهداف انتخابية، تعد بمثابة نقطة سوداء في مسار العمل الإنساني والاجتماعي".
وأضاف نجاح لـ"الاستقلال" أنه "في الوقت الذي يُنتظر فيه من المؤسسات الخيرية إبعاد نفسها عن الشبهات، نجد أن هناك استغلالا للحظات إنسانية عاطفية لتحقيق أغراض شخصية أو مصلحية".
وشدد على أنه “من الواجب على السلطات المسؤولة اتخاد إجراءات صارمة وتطبيق القانون دون محاباة لإيقاف أي استغلال للأوضاع المعيشية للمواطنين لأغراض سياسية”.
يذكر أن جدلا مماثلا حول جمعية “جود” كان قد بدأ قبل انتخابات 2021، حيث وجهت اتهامات إلى حزب التجمع الوطني للأحرار باستغلال العمل الخيري لأهداف انتخابية.
ويخضع توزيع المساعدات لأغراض خيرية لشروط وقواعد واضحة ومحددة في القانون 18.18، الذي ينظم عمليات جمع التبرعات وتوزيع المساعدات.
ويتضمن هذا القانون إجراءات دقيقة تتعلق بالمراقبة والتصريح وتوضيح مصادر التمويل وهويات المستفيدين، بالإضافة إلى تقديم تقارير للإدارة من الجهة المعنية بالتوزيع،
وتقدم "جود للتنمية" نفسها على أنها مؤسسة تهدف إلى "تعبئة وتوحيد مجتمع مدني قوي ونشيط من أجل المساهمة في تحسين الحياة اليومية لمواطنينا وبناء مستقبل أفضل"،
وأن مهمتها هي “العمل من أجل تقوية قدرات المواطنين من خلال تقديم حلول تمويلية وتدبيرية ملائمة لحاجيات السكان، عبر تأهيل الأفراد من خلال أنشطة محلية تغطي مجالات مختلفة منها، التربية، والصحة، والبنية التحتية، والخدمات الأساسية، والفنون، والثقافة، والرياضة”.
ورأى الباحث في العلوم السياسية، محمد شقير، أن “الجدل السياسي حول توظيف المعونات الاجتماعية لأغراض انتخابية ليس وليد اليوم، بل سبق أن أثير خلال السنوات السابقة في إطار التنافس حول استمالة الناخبين”.
وأوضح شقير لموقع “العربي الجديد “في 16 مارس، أنه ”رغم أن الإجراءات التي اتخذتها وزارة الداخلية وآخرها المصادقة على مرسوم يمنع توظيف المعونات الاجتماعية لأغراض انتخابية، إلا أنه جرى اتهام بعض المنتخبين بتوظيف ذلك في (سلات رمضانية)، ما دفع وزارة الداخلية إلى الطلب من مصالحها التحري حول هذا الأمر”.
ولفت إلى أن “هناك صعوبة كبرى في الحدّ من هذا النوع من التوظيف في الانتخابات؛ نظرا لترسب هذا السلوك في الثقافة السياسية بالمغرب، إذ يشكِّل الإطعام مكونا من مكونات السلوك السياسي سواء من طرف الناخب أو المنتخب”.
ويرى شقير أن "الهشاشة الاجتماعية التي تشمل شرائح من المجتمع بسبب الفقر وغياب شبكات للحماية الاجتماعية بالإضافة إلى البطالة والتهميش والأمية، تكرس الأرضية المناسبة لهذا التوظيف في غياب وعي سياسي يحصّن الناخب من تقعيد صوته فكريا وسياسيا وأخلاقيا".