سياسي ليبي: نحتاج إلى سنتين لإجراء الانتخابات وتنتظرنا أزمة اقتصادية وشيكة (خاص)

"الانتخابات هي الحل طبعا لكن يجب ألا تنعقد إلا عند توفر أرضية صلبة من المصداقية"
قال عضو مجلس الدولة الليبي أبو القاسم قزيط: إن السلطات الحالية غير قادرة على التعامل بشكل جيد مع معظم مشاكل البلاد، مستنكرا فتحها الباب واسعا للتدخلات الخارجية.
وأضاف قزيط في حوار مع “الاستقلال”، أنه لا أفق للحل في ليبيا بدون رعاية أممية. مشيرا إلى أنه رغم أن الدور الأممي ليس محل ترحيب كامل من الليبيين لكنه أرحم وأكثر منطقية وحيادا من أي مبادرات أو حلول منفردة.
ومؤكدا ما نشرته تقارير غربية حديثة، قال قزيط: إن روسيا تفكر في أن تكون ليبيا بديلا لسوريا، وهذا هدف تاريخي لها منذ الحرب العالمية الثانية، لكن لا مستقبل لوجودها في ليبيا.
وأوضح ذلك بالقول: “ربما تجد روسيا لها موطئ قدم في ليبيا، لكن أعتقد على المستقبل المتوسط والبعيد أن تتمكن روسيا من الاستقرار في ليبيا؛ لأن الغرب لن يسمح لها بذلك”.
السياسي الليبي أرجع أيضا الأوضاع المعيشية الصعبة داخليا إلى مشكلتين رئيستين، هما الشراهة في الإنفاق والفساد. موضحا أن “ثمة مليارات تُسرق وللأسف السارقون هم مسؤولون حكوميون”.
ويأمل الليبيون في إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية لإنهاء نزاعات وانقسامات تتجسد منذ مطلع 2022 في وجود حكومتين، إحداهما برئاسة أسامة حماد كلّفها مجلس نواب طبرق (شرق)، والأخرى حكومة الوحدة برئاسة الدبيبة وتتخذ من طرابلس (غرب) مقرّا لها، وتحظى باعتراف دولي.
وفي ظل هذا التعقيد برزت جهود دولية جديدة للبحث عن مخرج للأزمة؛ إذ أطلقت المبعوثة الأممية إلى ليبيا بالإنابة ستيفاني خوري مبادرة جديدة لحل أزمة القوانين الانتخابية الخلافية وتشكيل حكومة توافقية للوصول إلى الانتخابات عبر تشكيل لجنة استشارية لحلحلة المسائل الخلافية.
وقزيط (51 عاما) عضو المجلس الأعلى للدولة الليبي، شارك في التوقيع على اتفاق الصخيرات عام 2015، ومن أبرز الشخصيات السياسية المستقلة المهتمين بالوصول إلى صيغة توافق بين الأطراف الليبية.

تعقيدات سياسية
- كيف ترى المشهد السياسي الراهن في ليبيا؟ وهل تلوح حلول في الأفق؟
المشهد الليبي مازال معقدا جدا، لا أحد يعلم متى تُحل العقد والخلافات، لكن الأمل الآن في المبادرة التي تعمل عليها البعثة الأممية في ليبيا، وهي مبادرة تتسلح بما تسميه البعثة “الغموض الإيجابي”.
ونأمل أن تؤدي هذه العملية إلى تقدم في المسار السياسي، دون ذلك الوضع به معاناة وصعوبة وضبابية بل ويزداد سوءا وتعقيدا.
وهناك بعض المسارات الأخرى المحفزة لجهود البعثة الأممية وهو المسار الدولي وهو مسار لا يعوّضه شيء آخر أي إنه موجود في كل الأحوال.
- كيف ترى الدور الأممي في ليبيا؟ هل تتوقع أي انعكاسات إيجابية لهذا الدور خصوصا أن البعض يرى أن هذا الدور يعمق الأزمة؟
في الحقيقة يجب أن نفرق بين جهود الدول المنفردة لحل الأزمة في ليبيا وجهود منظومة الأمم المتحدة.
فالدول المنفردة تبحث عن مصالحها ولذلك معاييرها تختلف عن المعايير الأممية، وبعض الدول لا تراعي مصلحة ليبيا في المقام الأول إذا تعارضت مع مصلحتها، لذلك هذه الجهود أحيانا تكون جزءا من تعقيد المشكلة الليبية، أراها أدوارا سلبية.
لذلك هناك تعويل على الجهود الأممية أكثر؛ لأن من مصلحة الأمم المتحدة والجهود الدولية المشتركة أن تُحل الأزمة الليبية بشكل واضح ومنعكس على مصلحة الشعب الليبي وليس لصالح دول بعينها.
ومما يجعل هذا واقعا أن هناك دولا عديدة تنظر إلى ليبيا على أنها ساحة منازلة دولية لاقتناص مكاسب خاصة وإظهار النفوذ الدولي مما زاد من الأزمة الليبية تعقيدا.
وفي كل الأحوال لا أفق للحل في ليبيا بدون رعاية أممية، رغم أن الدور الأممي ليس محل ترحيب كامل من الليبيين لكنه أرحم وأكثر منطقية وحيادا من أي مبادرات أو حلول منفردة.
- من الطبيعي أن نقف عند الانتخابات بوصفها أحد الحلول لفك تعقيدات المشهد الليبي.. ما تصوراتك لمسألة الانتخابات وهل نشهدها في يوم ما؟
الانتخابات هي الحل طبعا لكن يجب ألا تنعقد إلا عند توفر أرضية صلبة من المصداقية وإتاحة الفرص المتساوية للجميع، وفي أجواء من النزاهة والعدل.
ومع الأسف هذه الأرض غير متوفرة الآن، ولا حتى الحد الأدنى منها، نحن بحاجة إلى مرحلة انتقالية بحكومة رشيدة واحدة تمهد الطريق لهذه الانتخابات.
فالانتخابات حل لكنّه ليس حلا سحريا سيتوفر دون مقدمات، البيئة المطلوبة لإجراء الانتخابات غير متوفرة الآن.
وكي تتوفر هذه الظروف نحتاج إلى وقت ربما يصل إلى سنتين من الآن في تقديري الشخصي.

القضية الفلسطينية وحرب غزة
- في ظل الظرف الليبي المعقد ومع تصاعد حرب الإبادة الإسرائيلية ضد غزة، كيف ترى التعامل الليبي مع القضية الفلسطينية؟
انحيازنا للقضية الفلسطينية انحياز طبيعي بشكل أخوي، وليبيا كدولة عربية إسلامية لا يغيب عنها التعاطف الشديد مع القضية الفلسطينية، والفلسطينيون لهم وضع خاص لدى ليبيا من سنوات عديدة.
لكن الناس بشكل عام لا تثق في هذه الحكومة في التعامل مع هذا الأمر، الليبيون يعلمون أن هذه الحكومة سعت للتطبيع مع إسرائيل مبكرا منذ مجيئها للسلطة.
وهذا الكلام أنا مسؤول عنه، أقول: إن الحكومة مستعدة لجعل كل شيء رهن المقايضة في البلد من أجل الاستمرار في السلطة.
وأنا أرى أن الحكومة الحالية غير أمينة على القضايا العربية بشكل عام ومنها القضية الفلسطينية.
الوجود الروسي.. أين نقف الآن؟
- بعض التقارير تشير إلى نقل روسيا معدات من سوريا إلى ليبيا بعد سقوط نظام بشار الأسد وعزمها إنشاء قاعدة جوية جنوبي ليبيا.. كيف ترى إمكانية أن تتحول ليبيا إلى بديل عن سوريا في هذا الإطار؟
نعم، من الواضح أن روسيا تفكر في أن تكون ليبيا بديلا لسوريا، وهذا هدف تاريخي لروسيا منذ الحرب العالمية الثانية.
أتوقع أن تستمر المحاولات الروسية لتحقيق هذا الهدف، لكن لا مستقبل لوجود روسي في ليبيا، ربما لبعض الظروف الاستثنائية الحالية وتأييد بعض الليبيين الذين يستقوون بروسيا لهذا الأمر.
ربما تجد روسيا لها موطئ قدم في ليبيا لكن أعتقد على المستقبل المتوسط والبعيد لن تتمكن روسيا من الاستقرار في ليبيا أو الاستمرار في الحضور بداخلها.
- هل تتوقع أن تصبح ليبيا في المستقبل مسرحا كبيرا للصراع بين روسيا وحلف الناتو؟
هذا أمر مستبعد، نعم هناك نزاع له أشكال عديدة بين روسيا وحلف الناتو، لكن أن تكون ليبيا مسرحا كبيرا لهذا الصراع لا أظن أن هذا ممكن.
لأن المتوقع- من وجهة نظري- أن يتمكن أحد الأطراف قريبا من إخراج الطرف الآخر من ليبيا، وتوقعي أن فرص المعسكر الغربي أقوى لإخراج الطرف الروسي من ليبيا؛ لأسباب عديدة ليس أقلها انشغال روسيا بأزمتها مع أوكرانيا وارتباط مصالح ليبيا أكثر بالغرب.

مشاكل داخلية
- في الآونة الأخيرة تصاعد الحديث حول تآكل الأجور في ليبيا وتدفقت الشكاوى بشأن ارتفاع الأسعار.. أين يكمن موطن الخلل برأيك؟
في هذه القضية لدينا مشكلتان كبيرتان؛ المشكلة الأولى الفساد، ثمة مليارات تُسرق وللأسف من يسرق هذه المليارات هم مسؤولون حكوميون وأقولها بكل وضوح.
المشكلة الثانية هي الإنفاق دون سقف، لا يوجد أي منطق بأن ننفق أعلى من دخلنا، نحن منذ نحو أربع سنوات ننفق أعلى من الدخل القادم إلينا، لذلك نحن معرضون لأزمة اقتصادية وشيكة نتيجة خلل ليس بحاجة إلى خبرات اقتصادية حتى يتم اكتشافه، فالخلل واضح بالإنفاق دون سقف.
- هل ترى أن انتخابات المجالس البلدية قد تعكس شكلا من أشكال الأمل لمضي ليبيا نحو عملية ديمقراطية أو انتخابات عامة؟
ومن قال: إن انتخابات البلديات جرت وتجرى في أجواء نزيهة؟ هذه الانتخابات شابتها تجاوزات هائلة وإكراهات كبيرة يعجز عن وصفها اللسان.
بعض المناطق فُرضت عليها قائمة واحدة من "حملة البنادق" أعتقد أن حجم العزوف عن هذه الانتخابات كبير جدا نظرا إلى تدخل المليشيا في هذه العملية.
وأعتقد أنها انتخابات صورية وتعطي مؤشرا خطيرا على أن أي انتخابات ستغلفها انتهاكات جسيمة تفسد العملية الانتخابية عموما، المناخ اليوم يزداد ابتعادا عن عملية انتخابية نزيهة مشرفة.
- انتشرت أخبار أخيرا عن تجاوزات من قبل السلطات في ليبيا في حق النشطاء بل والقضاة أحيانا.. كيف ترى هذا الأمر؟ وهل يمثل سياسة عامة أم مجرد أخطاء يمكن تداركها؟
انتهاك حقوق الإنسان عموما مع الأسف الآن أصبح نهجا متبعا وثابتا وسياسة ممنهجة.
فتكميم الأفواه موجود بشكل لافت منذ فترة ليست بالقليلة، والنشطاء والحقوقيون وحتى الفرد العادي معرض لانتهاك حقه في أي وقت.
للأسف الشديد نحن أصبحنا نفتقر إلى الثوابت من الحقوق العادية، حرية التعبير وحتى حرية التنقل أحيانا، هذا النهج أدى إلى انسحاب عشرات الأشخاص من المنظمات الأهلية ومؤسسات العمل العام.
أعتقد أن آلافا من الناس أصبحوا يراقبون أنفسهم قبل أن تراقبهم الدولة، لم نعد نختلف عن الديكتاتوريات المعروفة في المنطقة للأسف.
هدا الملف وضعه سلبي جدا في ليبيا حاليا وهو آخر ما كنا نتوقعه، لكن هناك تراجعا كبيرا في هذا الملف في السنوات الأخيرة.
- ما الحل برأيكم لمشكلة المهاجرين غير النظاميين في ليبيا؟ وهل ترى السلطات الحالية تقوم بدور سليم تجاه هذه الأزمة؟
للأسف الشديد مضطر أن أقول في هذه المسألة إن السلطات الحالية في ليبيا أصبحت كأنها كلب حراسة للسواحل الجنوبية لأوروبا، لا تقوم بدورها على نحو وطني أبدا.
إي نعم ليبيا ليست الوجهة النهائية للمهاجرين الأفارقة ومعظمهم يكون منتقلا إلى أوروبا، لكن أيضا هم يمثلون عمالة جيدة لليبيا، وهذا موجود من زمن طويل وهو شيء مقبول وبحاجة إلى بعض التنظيم.
لكن غير مقبول أن تكون ليبيا مجرد حارس لشواطئ أوروبا الجنوبية، ومن غير المقبول أيضا توطين الأفارقة في ليبيا، سياسة الحكومة في هذا الأمر كارثية، للأسف الشديد السلطات تقايض بكل شيء ومن ضمن ذلك ثروات البلد من أجل أن تبقى في مكانها.

تحت وطأة النفوذ الخارجي
- هل تتوقع أن تخرج ليبيا مستقبلا من تحت سيطرة التدخلات الخارجية في شؤونها نحو استقلال سياسي حقيقي؟ ما المطلوب ليحدث ذلك؟
للأسف الأطراف الليبية النافذة لديها مصالح وارتهانات، وخاضعة لإكراهات خارجية وهذا يعقّد المشهد بقوة.
ومن أجل الخروج من ذلك مطلوب أن نمتلك قيادة رشيدة على مستوى الحكومة والرئاسة والبرلمان والجيش أيضا.
فمسألة الخروج من تأثيرات التدخلات الخارجية بحاجة إلى "قماشة سياسية مختلفة" عن الموجودة حاليا، نوعية من القادة يدركون أهمية الاستقلال الوطني ويدركون طبيعة الأزمة التي تعيشها ليبيا.
نعم بالتأكيد الأمر يحتاج وقتا لنرى ذلك عمليا، لكننا بحاجة إلى خصال قيادية مختلفة.
فالطبيعي أن من يتولى القيادة يمتلك خطة قابلة للتنفيذ تصل به في نهاية المطاف إلى أكبر نسبة ممكنة من الاستقلال تجعله في غنى عن النفوذ الخارجي حتى لا يكون قراره مرتهنا برضا الأطراف الأخرى عنه وعن سياساته لا أن يضع نفسه تحت تحكم هذه الأطراف.
ونحن في ليبيا توغلنا أكثر وأكثر تحت مظلة الخارج، فلا توجد خطة واضحة للاستقلال ولا سياسات عادلة تأخذ بيد البلد إلى بر الأمان. وهذا للأسف جعلنا متورطين على عكس ما كنا نأمله في السنوات الماضية.